سيواجه العالم في القرن المقبل نوعا جديدا من الحروب يطلق عليها الخبراء اسم (الجيل الرابع) , وتأتي في الترتيب بعد الجيل الأول من الحروب الاستعمارية, ثم الجيل الثاني والمتمثل في الحروب العالمية التي شهدها القرن العشرون, ثم الجيل الثالث من الحروب التي نشهدها حاليا والتي تستخدم فيها تقنيات فنية وعسكرية بالغة التطور . ويرى الخبراء ان الجيل الرابع من الحروب سوف يكون بين دولة أو مجموعة دول من جهة وبين تشكيلات أو مجموعات ارهابية لا تنتمي إلى دولة محددة من جهة أخرى, أي انها ليست حروب بين دول مثل التي كان متعارف عليها من قبل. ويحدد الجنرال الفرنسي (برنار دو بريس) رئيس لجنة الخبراء في الشؤون الدفاعية المقصود بهذه التشكيلات أو المجموعات بأنها تنظيمات ثورية وجماعات دينية وعصابات مافيا المخدرات والسلاح, وغيرها من التشكيلات التي لا ترتبط مصالحها بمصالح دولة محددة ويمتد نشاطها خارج حدود الدول. ويقول المؤرخ العسكري الاسرائيلي (مارتن فان كريفيل) ان هناك ثلاثين نزاعا عسكريا يشهدها العالم حاليا كلها نزاعات أحد أطرافها الرئيسية ليست دول, ومثال على ذلك الجيش الجمهوري في أيرلندا, والجبهة الإسلامية للانقاذ, وطائفة الحقيقة المطلقة (أوم سيزيكيه) في اليابان, واتحاد مافيا المخدرات في كولومبيا, وغير ذلك من الجماعات والتشكيلات التي تثير الرعب والفزع والارهاب في المجتمع الدولي. وتشير الدراسات المتخصصة في هذا المجال إلى ان هناك اتجاها واضحا إلى تكاثر وزيادة أعداد هذه الجماعات والتنظيمات الارهابية, وزيادة حجم قواتها وامكانياتها بالدرجة التي تفوق في حالات كثيرة الامكانيات الأمنية والعسكرية للدول التي توجد فيها قواعد ومخابئ هذه الجماعات, وأكثر من ذلك تذهب الدراسات إلى وجود تعاون واتصال متبادل سري وغير معلن بين بعض هذه الجماعات رغم الاختلاف الكبير بينها في الأهداف وأساليب العمل, وبعض هذه الجماعات يمارس نشاطات في مجال الجريمة الاقتصادية ويفرض ضغوط قوية على حكومات العديد من الدول, ويبتز منها الأموال, ويجبرها على تنفيذ مطالبه. أكثر من ذلك تؤكد بعض الدراسات على امتلاك العديد من هذه الجماعات للسلاح النووي والكيماوي, وخاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتفشي الأزمات الاقتصادية في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, وتسرب بعض الأسلحة والمواد النووية والكيماوية وبيعها سرا لهذه الجماعات, وأكثر من ذلك يؤكد الخبراء على ان بعض هذه الجماعات يدخل في عضويتها (كرها أو طوعا) علماء في صناعة الأسلحة النووية والكيماوية يقومون بتهريب الأسلحة النووية والكيماوية لهذه الجماعات سرا مقابل المال أو مقابل أشياء أخرى. ولكن من أين جاءت هذه الجماعات والتنظيمات؟ ومن أين لها بهذه القوة التي تستطيع معها أن تتحدى دول كبيرة, وتخرج بها من اطار الجماعات والعصابات الفردية والمجموعات المتفرقة إلى أشكال البنيات الكبيرة التي لديها من المؤسسات الإدارية والعسكرية وحتى أجهزة المخابرات التي تفوق في تأسيسها وقوتها بنيات العديد من الدول؟ يؤكد العديد من الخبراء والمحللين ان هذه المجموعات والتنظيمات ما كان لها أن تكون لولا تدخل الدول نفسها في تكوينها ودعمها لها وتقديمها المساعدات المادية والعسكرية لها. وفي اجتماع الدول السبع الكبار في باريس عام ,1996 والذي انضمت إليه روسيا لأول مرة, طرحت واشنطن موضوع الارهاب الدولي للنقاش, وحمل طرحها في مضمونه اتهامات لبعض الدول بمساعدة الجماعات الارهابية وتمويلها, واعتبرت روسيا ان الاتهام موجه إليها بشكل خاص, وتبادل زعماء الدول الكبرى الاتهامات, ووجهت موسكو الاتهام لواشنطن بأنها المسؤولة عن دعم ومساعدة وتأسيس العديد من هذه الجماعات منذ زمن الحرب الباردة, وأشار الروس إلى ان تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان منذ البداية وجمع الأموال وفتح مراكز التطوع والتدريب كان بمثابة بداية لتكوين لمجموعات ارهابية كبيرة لم يؤثر على وجودها ونشاطها خروج الاتحاد السوفييتي من افغانستان, بل بقت كما هي تصارع وتحارب وتجذب اليها المتطوعين من كل انحاء العالم, وها هي هذه الجماعات الان تتصارع وتجاهد من اجل اهداف تختلف عن الاهداف التي كانت تصارع عليها في اثناء وجود ا لاتحاد السوفييتي, واصبحت تشكل مصدرا اساسيا للارهاب والتهديد في العديد من الاماكن في كل انحاء العالم. وفي اليابان خرجت بعض الصحف اليابانية تتهم كل من موسكو وواشنطن بدعم ومساعدة جماعات (الحقيقة المطلقة) التي تسمى باليابانية (اوم سيزيكين) والتي قامت بنشر الغازات السامة في مترو الانفاق في طوكيو, ومازالت تهدد امن اليابان, هذا في الوقت الذي اتهمت فيه فرنسا بعض الدول الموجودة في الاجتماع بمساعدة الجماعات المتطرفة داخلها بهدف زعزعة الامن القومي الفرنسي, وذهبت بريطانيا تتهم العديد من الدول ومنها دول أوروبية كبيرة بمساعدة الجيش الجمهوري الايرلندي, في الوقت الذي اتهمت فيه ايطاليا الولايات المتحدة بايواء ودعم زعماء المافيا الايطالية. وهكذا توجه كل الاتهامات للدول, وتنفض اجتماعات زعماء الدول دون التوصل الى نتائج ايجابية لحسم هذه القضية الشائكة, وعلى ما يبدو ان الامر قد خرج تماما من يد الدول الكبرى, واصبح واقعا مريرا لا سبيل للحيلولة دون استمراره, وثبتت هذه الجماعات والتنظيمات مواقعها على الساحة الدولية, واصبحت تشكل جزءا كبيرا وحيزا لا يستهان به في الاستراتيجية العالمية, خاصة بعد ان ثبت ان العديد منها اصبح يملك كميات لا يستهان بها من اسلحة الدمار الشامل. من ناحية اخرى ذهبت بعض الدول تحشد العديد من القوات لمقاومة هذه الجماعات, وحشدت بعض الدول قوات خاصة وميزانيات مالية واسلحة لمقاومة هذه الجماعات ربما لا تقل كثيرا عن الامكانيات التي حشدتها نفس الدول لمقاومة النازي في الحرب العالمية الثانية. ومثال على ذلك قيام فرنسا باعداد قوة خاصة قوامها خمسين الف عسكري مجهزين ومدربين على أعلى مستوى فقط لمقاومة مجموعة غير كبيرة من الاصوليين المتطرفين الذين ارهبوا الشعب الفرنسي, ولم يثبت حتى الان نجاح هذه القوات في قهر هذه المجموعات. وخصصت بريطانيا جيش اقليمي قوامه يقترب من مائة الف فرد من قوات الانتشار السريع المدربة على أعلى مستوى لمقاومة اعمال الجيش الجمهوري الايرلندي, ولم تنجح هذه القوات البريطانية في عمل أي شيء حتى الآن, ومازال الجيش الجمهوري يواصل عملياته. وفي المانيا تم تخصيص جيش قوامه يقترب من مائة الف فرد للتدريب على عمليات الانتشار السريع ومقاومة الارهاب, وغالبية هذا الجيش الخاص من المحترفين وقوات المرتزقة. ويقول الجنرال (وين دونينج) المتحدث باسم قيادة القوات الخاصة الامريكية انه لا يمكن تدمير قواعد التشكيلات الارهابية بالاسلحة الحديثة الدقيقة التصويب بشكل دائم, لأن هذه التشكيلات لا تتمركز في مكان محدد دائما, وعادة ما تختار مراكزها في الاماكن المكتظة بالسكان حتى لا يحاول احد قصفها, ويخبئون اسلحتهم في مساكن المدنيين الآمنين, ومحاولة الهجوم عليهم دائما تفشل لأنهم مدربين على سرعة الهروب بينما يقع العديد من الضحايا الابرياء, ويقول دونينج ان اسرائيل فشلت كثيرا في فرض سيطرتها على منطقة الامن في جنوب لبنان المحتل والذي يتخذ حزب الله اراضيه قاعدة لقصف الاراضي الاسرائيلية والحاق اكبر الخسائر بها, وهذا الامر يضطر اسرائيل الى استخدام احدث الطائرات والاسلحة الامريكية ضدهم, وتكون النتيجة دائما وقوع العديد من الضحايا الابرياء, وادانة المجتمع الدولي لاسرائيل, بينما حزب الله يوطد دعائمه ويدعم قواته دائما بالتدريب والسلاح الحديث الذي مازالت مجهولة اغلب مصادره, ويضيف (دونينج) قائلا ان الغريب في الامر ان غالبية سلاح حزب الله صناعة غربية ولكن غير معروف حتى الآن مصادرها. وتبقى المشكلة بدون حل, وتزداد حدثها خاصة مع اختلاف الاراء لدى الدول حول تحديد مفهوم الارهاب الدولي, وما تعتبره احدى الدول ارهابا تعتبره دولة اخرى نضالا ثوريا من اجل قيم ومثل عليا, ومازال العديد من الدول الكبرى والصغرى تدعم وتساعد العديد من الجماعات والتشكيلات المسلحة, وتؤيدها في نضالها وتستخدمها لتحقيق اهدافها الخاصة. وعادة ما تختار هذه الجماعات والتشكيلات مواقعها ومراكزها الرئيسية في اراضي دول صغيرة وضعيفة أمنيا وسياسيا واقتصاديا بحيث لا تقوى حكومات هذه الدول على مقاومة هذه المجموعات, وتحاول هذه المجموعات الدخول بنفوذها واموالها في الحياة السياسية في هذه الدول بهدف وصول رجالها وانصارها ومؤيديها الى مراكز السلطة, وربما لهذا السبب نلاحظ عدم اعتراض العديد من الدول الموجود لديها هذه الجماعات على وجودها في اراضيها. وتبقى المشكلة وتنمو وتتزايد حدة خاصة في ظل احتكار بعض الدول الكبرى لأسواق السلاح في العالم مما يضطر الدول الاخرى المنتجة للسلاح الى بيع انتاجها سرا لهذه الجماعات والتشكيلات التي زادت قوتها ونمت وفاقت قوة العديد من دول العالم, واصبح الامر يهدد بالفعل قوة الخصم ومصادر تمويله ومدى قوة أسلحته وتقدمها وما اذا كان يملك أسلحة دمار شامل أم لا.