في وداع الشيخ البشوش: بقلم- الدكتور محمد الرميحي

امور الحياة والموت فرضت علي ان اغير هذا المقال الذي يقرؤه القارىء الكريم اليوم, فالاحداث الكبيرة تكون دوما مفاجئة, فعلى غير موعد ـ والاعمار بيد الله ـ فقدنا الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البحرين البشوش رحمه الله وطيب ثراه , لقد مضى وترك وراءه ذكرى اقل ما يقال عنها انها عطرة اختلط فيها تواضع الحاكم بنفحة من الكرم العربي, تأتي اليه في مجلسه فيبش اليك سائلا عن كل من تحب, لا تطيب له اقامة في مؤتمر إلا ويدعو الصحفيين للقائه ويتحدث معهم حديثا مفتوحا من القلب الى القلب, ورغم هذه البساطة الآسرة فإن سنوات حكمه لم تكن سهلة او ميسورة, فقد حكم البحرين وهو في سن صغيرة نسبيا, كذلك كان حجم جزيرته اصغر مما هي عليه الآن مساحة ونفوذا واهمية وكانت تمر في مرحلة الانتقال من عهد طال تحت الحماية البريطانية الى عهد الاستقلال والاعتماد على النفس, وهو بعد في بداية الثلاثين من العمر فسار معها وسارت معه في الزمن الصعب, زمنا صعبا في الداخل والخارج, وزمنا لم يكن قد توقع احد مسيرته العسرة. بعد سنوات قليلة من حكمه واجه تبعات الاستقلال لدولة صغيرة مواردها محدودة وطموحاتها كبيرة فكانت تجربة داخلية قاسية تقلبت تحت الحاح داخلي وقناعة بالمشاركة السياسية, وتحديات لا يعرف إلا من دخلوا التجربة مدى صعوبتها, فكان ان انهارت تلك التجربة على امل ان ينضج الوضع العام لتجربة اخرى, جاءت في التسعينات ملبية بعض المطالب ومتجاوزة بعض الاخطاء السابقة. كان رحمه الله على المستوى الشخصي من الرجال الذين يملكون بعدا سياسيا قل نظيره, فقد كان واسطة العقد عندما تشتد الخطوب وتتجاذب الاهواء ذلك البلد الصغير, لا يوجد احد في البحرين ولا خارجها ممن يذكر المرحوم الشيخ عيسى إلا ويعترف بمناقبه الشخصية, كان الملجأ للمختلفين, والفيصل بين المتنافسين, والحكم بين الفرقاء, وكان رأيه مقبولا وكلمته نافذة لان الجميع يعرف انه يريد الخير دفعا لكل أمارات الشر, والتصالح وأدا لكل بذور الفتنة, كان قارئا نهما لا يترك مقالا سياسيا او كتابا مهما إلا وقرأه خاصة ان كان ذلك له علاقة بالمنطقة عامة او بالسياسة العربية. وكما قلت لم تكن فترة حكمه المديدة بفترة ساكنة في تاريخ تلك المنطقة التي شهدت كل تناقضات وصراعات القوى الدولية, وكان صوت الحماقة فيها اعلى من صوت العقل, وكان رحمه الله واحدا من اكبر عقلاء هذا الزمن, فقد شهدت المنطقة حربين كبيرتين الاولى هي الحرب العراقية الايرانية والثانية هي احتلال الكويت والحرب الاخيرة اصابته شخصيا بالكثير من العناء بل وقد اجرى العملية الاولى لقلبه المتعب في تلك الفترة واذكر وكنا في الكويت تحت الاحتلال, وقد عقدت القمة الخليجية في ديسمبر سنة 1990 في الدوحة, وانه كان المفتقد في تلك القمة الخطرة, افتقدت حكمته وتوسطيته, فقد كان رحمه الله يجري عملية في القلب في الولايات المتحدة وقتها. وهو من جيل الوسط من حكام الخليج الجيل الذي اختزن حكمة الآباء وعرف طموح الابناء, فأراد ان يتوسط ايضا في اعماله وأقواله, عرف بلاده قبل ان يأتيها كل هذا الفيض من نعم الله وهو تدفق البترول وما جره علينا جميعا من نعم من جهة وبعض النقم ايضا, وقد عرف ايضا ان العمل في هذه الفترة الحرجة من التاريخ يحتاج الى جانب العزم الحكمة, فأصبح بذلك عمود الخيمة في بلاد الجزيرة التي التصقت اثناء حكمه باليابسة عن طريق جسر الملك فهد بن عبدالعزيز, جيل الوسط هذا هو الذي حقق كل هذه التنمية وترك للجيل الذي يليه ليس فيضا من الانجازات ولكن ايضا كمية من التحديات ليست بالقليلة. فالبحرين تحت حكمه اخذت صورة جديدة. ليس في الانشاء والاعمار فحسب ولكن في مغزى وجودها الذي كانت تهدده الاطماع الخارجية, لقد اصدر عملته الجديدة عام 1965 ووزع الاراضي على الفلاحين وانشأ مدينة عيسى واستطاع ان يوازي انخفاض الدخل القادم من حقول النفط الناضبة بأنشطة اقتصادية اخرى حتى اصبحت البحرين واحدة من اهم اماكن النشاط المصرفي في العالم, ولعل الوجه القومي للبحرين في عهد الشيخ عيسى قد تجلى في صور كثيرة أهمها انه كان على رأس المشاركين مع بقية الدول العربية المصدرة للنفط في قطع امدادات البترول ابان حرب اكتوبر 1973 وثانيها هو موقفه من حرب تحرير الكويت وسماحه بكل التسهيلات العسكرية من اجل هذا التحرير بل ان صدمة الغزو قد اثرت على قلبه بشكل اكثر مما يحتمله كما ذكرت قبل ذلك وعندما أفاق من المرض وجاءت معه بشائر التحرير لجأ الى هوايته المحببة وقال قصيدة شعبية يعرب فيها عن فرحته بحرية الكويت. والبحرين اليوم تنكس اعلامها حزنا على الفقيد يذكر الكويتيون بالامتنان موقف الفقيد ايام المحنة. فقد كانت الطائرة الكويتية تحوم محلقة في صباح الثاني من اغسطس تبحث عن مطار يستقبلها, فكانت المنامة هي المحطة وهي بعد ذلك الملاذ المؤقت لآلاف الكويتيين الذين أموها بعد ذلك فكانت رحبة بهم رحابة صدر شيخها البشوش, كما كانت قبل ذلك احدى محطات العلم في الخليج, أمها الكثيرون من ابنائه ومازالوا يذكرونها. سقط المرحوم وفارق الحياة يوم السبت الماضي بعد خمس دقائق فقط من استقبال وزيرالدفاع الامريكي اي انه سقط وهو يعمل (كعادته) مستقبلا الزوار والمواطنين سائلا عن احوالهم, بشوشا كعادته متفائلا كالعهد به, وكانت مفارقته لهذه الحياة الفانية تعبيرا ورمزا لحياته الغنية والمتنوعة والمليئة بالامل لابناء هذه البلاد التي لم تعد في عهده جزيرة كما كانت, بل اصبحت دولة شارك اخوانها في المنطقة ـ عن حب واخلاص ـ السراء والضراء. يغيب الشيخ عيسى في مرحلة بالغة الدقة محليا وخليجيا وعربيا. وها هي النذر من حولنا كثيرة ومتعددة, فالوضع الاقتصادي ليس كما هو في معظم سني حكمه, والوضع السياسي المتقلب لم يعد احد يعرف أية هبة سوف تهب منه, كما ان الوضع الدولي في اكثر حالاته ارباكا وارتباكا. ولكنه يغيب ايضا والبحرين تستغني عن متابعة تعليم فرع التدريس, لانه اصبح لديها اكتفاء ذاتي من المدرسين, ولم تعد تحتاج لارسال ابنائها الى الخارج للتعليم العالي, لانه اصبح لديها جامعتان ولم تعد تحتاج الى متخصصين في الطب لان ابناءها قد كفوها الحاجة, يترك البحرين وهي في اكثر اوقاتها استقرارا فلم يعد احد يطمع فيها, كما كان الامر في نهاية الستينات وبداية السبعينات, يترك الارض العامرة عيسى بن سلمان وهو قرير العين لانه ترك تنمية قد لا يراها القريبون ولكنها شاخصة للمنصفين لاتحتاج الى دليل او برهان. عزاؤنا فيما خلف الفقيد الكبير, فقد خلف تراثا من البشاشة وسعة الصدر والحكمة البالغة, وقد نبعت من قلب كبير عرف حب الاخرين ولاشك ان التركة ثقيلة والحمل صعب والتحديات شاخصة لايقلل منها الا ذو البصيرة الناقصة, ولكن لنا في اخوان وابناء اعزاء للفقيد على رأسهم سمو الحاكم الشيخ حمد بن عيسى كل الامل ولهم منا كل العزاء. ان ذلك الجيل الثاني من الحكام العرب الذي بدأ في الظهور على المسرح السياسي العربي جيل عليه تبعات جسام لانه يواجه عالما مختلفا فتلك التغيرات المتتالية تجعل من الصعب على صاحب القرار حساب كل الاحتمالات وهو يستعيض عن ذلك بوضع نوع من الاستراتيجية المرنة تضع في اعتبارها كل المخاطر وكيفية تحويلها الى فرص للاستفادة منها فهذا الجيل الذي ظهر في قطر والاردن واخيرا في البحرين يواجه عالما انهارت فيه الحدود الجغرافية ولم يعد اي مكان منه بمنأى عن العواصف التي تهب في اي مكان في العالم سواء أكانت سياسية او اقتصادية كما انهم يواجهون عالما اصبحت الديمقراطية فيه خيارا للحكم لامفر منه حتى ولو تأخر او تلكأ تحت اسم مسميات اخرى, كما ان المحافظة على حقوق الانسان اصبحت معيارا اساسيا للحكم على نجاح اي نظام, واعتقد ان هذه المعالم الثلاثة البارزة يعيها هذا الجيل الجديد ويعي ايضا ان الزمان لايعود الى الوراء لذا فإن عليهم التقدم والمبادرة والبحث عن حلول مبتكرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات