طرح قضية تطوير المناهج التعليمية في مؤتمر عام يحضره حوالي 400 من المعنيين, من تربويين وخبراء ومعلمين وأولياء أمور ومسؤولين وضيوف عرب وأجانب, هو عين الصواب الذي تنفذه وزارة التربية والتعليم, والذي سوف ينفي عنها تهمة تدبير خطط التطوير خلف أبواب مغلقة وبعيداً عن الانظار, خاصة ان موضوع المناهج وتطويرها في سياق تطوير النظام التعليمي, هو من . وكان الوزير معالي الدكتور الشرهان قد فاجأ الجميع باعلانه مؤخراً نية الغاء العلمي والأدبي من الثانوية العامة, مما اثار زوبعة من التساؤلات والنقاش بين مؤيد قليل ومعارض كثير كما نرى, وذلك أمر طبيعي لأن قراراً بهذه الخطورة لا ينبغي أن يكون مفاجئا ولا عشوائيا ولا قرار الأمر الواقع ولا متسرعاً, فعليه تترتب جملة من المتغيرات الحاسمة والمنظومات القائمة في النظام التعليمي كله, لا في المناهج وحدها. وبما أن النظام التعليمي عندنا عليه إجماع عام بأنه نظام متعثر ولا يلبي متطلبات التنمية وسوق العمل, ويعاني من دمامل وبثور وعلل وأمراض في كل ركن من أركانه, كما انه نظام لم يعد صالحاً سواء لمواكبة العصر والمتغيرات الطارئة فيه خاصة لجهة ثورة المعلومات والتكنولوجيا وما تجره وراءها من انقلابات حقيقية على كافة الصعد, أو لمواكبة ما طرأ على مجتمعنا المحلي من تغيير وتطور, فانه لا خلاف على الاطلاق على ضرورة تطوير هذا النظام تطويراً شاملاً وكبيراً, وهو ما يعكسه القلق العميق والحوارات المستمرة حول هذا النظام منذ سنوات حتى الآن. غير ان الاجماع على التطوير الشامل للنظام التعليمي لا يعني اجماعا مماثلا على كيفية هذا التطوير واساليبه, فثمة اجتهادات في هذا المجال ووجهات نظر مختلفة ونظريات وتجارب وخبرات متنوعة, ولكل من هذه ما يشفع لها من البراهين والأدلة, ما يجعل من الانفراد بالرأي في مثل هذا الشأن خطأ كبيراً وما يجعل من المؤتمر العام حوله ضرورة وطنية كبرى. وهكذا فإن عقد المؤتمر هو عين الصواب الذي نشكر الوزارة عليه, اما انفرادها بالرأي, حتى وان كانت الجهة الاولى ذات الاختصاص, فلن يكون أمراً صائباً, وهو ما جعل المهتمين قلقين من أن هناك بوادر واشارات لمثل هذا الانفراد, كانت قمة جبل جليده تصريح الوزير الاخير حول الغاء العلمي والأدبي, وتأكيده على ان مرحلة التطوير قد بدأت, من دون أن يعرف المعنيون (وكلنا في الحقيقة معنيون) ملامح هذا التطوير وخططه وأهدافه. وبطبيعة الحال فان المؤتمر نفسه ربما لا يتوصل الى تصور مشترك وجماعي, ولكنه على الأقل سيقرب وجهات النظر المختلفة الى الحد الادنى المشترك, وفي موضوع خطير كتربية وتعليم أبنائنا واعدادهم للمستقبل وللحياة العامة, فانه عادة ما يكون مطلوباً الحد الأدنى المشترك من التفاهم على كيفية هذه التربية وأساليبها من قبل أفراد المجتمع, لا إجماعهم, فذلك صعب. ويبقى في الختام المهم في الأمر عدم التسرع والانفراد في اعتماد تغييرات خطيرة من دون دراسة نتائجها بتأن وعلى ضوء تجارب مماثلة لدول اخرى, فكل ميدان قد تصح معه التجارب, الا ميدان التربية, فهذه عند عدم نجاحها مكلفة, لان ثمنها هو الانسان, لا المال وحده ولا المادة, مع اصرارنا على تأييد كل تطور جذري مدروس.