تصور في اي شيء تنحصر طلباتك اخيرا؟ في امور تبدو في ظاهرها غاية في البساطة والسذاجة والطفولية, ولكنها في الحقيقة تعادل المستحيل احيانا أو تقترب من تخوم الحلم, ومع ذلك فانت لا تمانع في ان يكون ما تتمناه حلما تعيشه بأمل لا يقبل التلاشي, فتكتشف بعد امد بان حلمك غير قابل للتحقق . في هذا الزمان الساقط في اللهاث والسرعة الخاطفة والقاتلة للروح والذات معا, تجد نفسك مدفوعا لان تحلم بمساحات من الحرية تتحرك فيها بلا رقابة, لا تريد ان تزعج احدا, ولا رغبة لديك ولا نية في ان تتحدث في السياسة أو تقول كلاما عن الفساد والاخرين, لا تريد لسببين: أولا: لان حديث السياسة والناس (وجع قلب) لا طائل من ورائه, وثانيا لانك تعبت من هذا الوجع المجاني وتريد ان تستريح, حتى ولو كانت استراحة محارب. تجد ــ فجأة ــ ان هذه المساحات محجوزة ومصادرة بأوامر اشخاص آخرين, وظروف اخرى لابد لك من تغييرها, وملابسات عجيبة لا يمكنك استيعابها أو قبولها, ولكن مطلوب منك الخضوع لها اذا اردت ان تعيش بمقاييس الاخرين الذين اقنعوك بأهمية الخضوع للنظام وهيبة الهيئة الاجتماعية, تصور نفسك خاضعا تحت سطوة الظروف والزمان والمكان وميراث الاخرين اللا مقنع. تحلم في اوقات كثيرة في ان تحتسي قهوتك بهدوء في ركن قصي داخل مقهى صغير في صباح شتائي رائق مع صديق حميم, لا تطلب ان تثرثر أو تسأل عن احوال الدنيا والناس والسياسة, تريد فقط ان تكون نفسك, انت كما انت, وان تتخلص مع هذا الجحيم من كل لوثات البشر ومسلماتهم المقدسة, تريد ان تبني منظومتك الخاصة ونظرتك الاخرى للحياة وللتفاصيل وللجمال وللذات ولنفسك ولمن تحب و.. فيتآمر عليك الطقس احيانا, ويأبى الشتاء ان يحط رحاله قريبا منك, كما يتآمر عليك المكان والزمان وحتى الصدفة قد تتآمر عليك ايضا. تريد ان تتحرك في الشارع دون ان يقذف احدهم في سمعك جملة سيئة اللفظ أو يخطف هدوءك تصرف ارعن يقلب فرحك وجمال يومك ويحولك فجأة إلى كتلة متداخلة من الاعصاب المكشوفة على التوتر والقلق والغضب, تماما كأسلاك الكهرباء المكشوفة في يوم ماطر صاعق. تريد ان تلقى الاخرين الذين يعبرون اليوم امامك برضى وابتسامة وبتحية طيبة, ولكن لا احد يمنحك هذه الفرصة وكأنك مقدم على جريمة, فبشكل صاعق يغتال احدهم كل النوايا الشفيفة الطيبة التي ترف بداخلك, هكذا وبدون مقدمات, وبدون وجه حق, صارخا او زاعقا أو ملوحا بيده أو .. فقط لانه رجل شرطة أو مراقب سير, أو صاحب سيارة آخر موديل مكشوفة على التباهي الساذج, أو موظف استقبال في مؤسسة ضخمة باردة يحسب نفسه فجأة بسبب الرخام والفخامة واللمعان الامين العام للامم المتحدة. تريد ان تتحدث إلى زميلك بود دون نظرة سوء النية الجاهزة, وان تؤدي عملك باتقان واخلاص لانك مؤمن بان العمل فعل حضارة لا فعل اجترار حيواني, فتآمر عليك من حيث لا تدري شخص مليىء حتى النخاع بكل عقد النرجسية وتفخيم الذات وعبادة الشخصية أو البارانويا كما يقول علماء النفس. تريد وتريد وتريد .. اشياء بسيطة لكن تصور انها اصبحت احلاما فتصور انحصرت احلامك في نهاية المطاف؟ في ان تكون انسانا لا اكثر.