من حلم العودة وبناء دولة تكون جنة الفقراء والمستضعفين على الارض انطلقت الجبهة الديمقراطية في 22 فبراير ,1969 فأحدثت تطويرا ملموسا في الفكر السياسي والبرنامج الفلسطيني, وعلى طريق الثورة والانتفاضة والكفاح الشعبي قدمت اكثر من خمسة آلاف شهيد في مواجهة الاحتلال دفاعا عن الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية, وحققت بعمرها الطويل المزيد من الاغناء للحياة السياسية الفلسطينية بالانعطافات التي احدثتها في تطوير البرنامج الوطني الوحدوي الفلسطيني, برنامج وحدة تيارات وقوى الشعب في الداخل والشتات على اسس ملموسة بعيدا عن القوالب والفكر المعمم. ثلاثون عاما مسيرة طويلة وشاقة ولكنها مضيئة ومتواصلة بعزيمة لا تكل لآلاف المناضلين والمناضلات, رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه, فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. ونوجه إلى اولئك الذين رووا بدمائهم درب الثلاثين عاما تحية الاجلال والاكبار, إلى كل الشهداء: إلى ابو عدنان (عبدالكريم حمد قيس) , وعمر القاسم, وخالد نزال, وإلى الذين افتقدتهم صهوات جيادهم ليطرزوا تاريخ فلسطين: خليل الوزير, صلاح خلف, هايل عبدالحميد, غسان كنفاني, عماد عقل, يحيى عياش, فتحي الشقاقي, طلعت يعقوب, فؤاد نصار, زهير محسن. ثلاثون عاما نضالات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مزدحمة على كل المحاور السياسية والمسلحة والجماهيرية والدبلوماسية, بالعنفوان والعزة الوطنية للشعب الفلسطيني, وتحمل الجبهة على اكتافها حتى الان اكثر من خمسة آلاف شهيد, وهي بحق (فجر جديد في مسيرة وحياة الشعب والثورة والانتفاضة ومنظمة التحرير الفلسطينية) , ومع بزوغ فجر انطلاقتها شكلت رافعة استراتيجية نوعية دفعت نحو الامام مجمل الاوضاع الفلسطينية واسهمت بشكل فاعل وبارز في ارساء وتطور الفكر السياسي الفلسطيني وفي صياغة البديل لهزيمة يونيو 1967 على الجبهة الفلسطينية وامتداداتها العربية والدولية. اقول وكل المحايدين المتابعين والباحثين والمؤرخين لتطورات القضية الفلسطينية لمسوا بصمات الجبهة الديمقراطية رائدة التحولات العميقة البرنامجية والقتالية والسياسية والتنظيمية الوحدوية في الخارطة الفلسطينية, ونهرا فسيحا يتدفق بالصراع ضد الاحتلال والاستيطان والاسر والقمع على دروب تقرير المصير والدولة المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين وفق الشرعية الدولية. فالجبهة الديمقراطية منذ البداية ادانت ورفضت العديد من الممارسات السياسية التراجعية أو المغامرة القومية والالتواءات الفكرية في المحاور الوطنية والقومية, كما رفضت الشعارات الفضفاضة والجمل اللفظية الثورية, وقدمت للشعب والثورة ولمنظمة التحرير والعرب دولا وشعوبا والعالم الرؤية السياسية النضالية العملية والواقعية التي حولت البرنامج الوطني من برنامج عام إلى برنامج واقعي وملموس نهض بالوضع الفلسطيني, ولأول مرة اضحت منظمة التحرير والشعب الفلسطيني فوق الخارطة الفلسطينية والعربية والدولية وعلى خارطة المجتمع الاسرائيلي بعد سنوات من الضياع والاندثار امتدت من عمر النكبة إلى حين الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الائتلافية عام 1974 بعد اطلاق البرنامج الوطني المرحلي ــ برنامج العودة وتقرير المصير والدولة الفلسطينية المستقلة الذي كان للجبهة الديمقراطية شرف المبادرة في بلورته برنامجا للوطن والشعب ومنظمة التحرير, فخرجت الثورة من عنق الزجاجة المدمر إلى قلب خارطة العالم والامم المتحدة واصبحت فلسطين الشعب والوطن حقيقة واقعية منذ الالتزام بالبرنامج المرحلي وصدور قرارات قمة الرباط العربية 1974 وتدويل الحق الفلسطيني بمساندة السوفييت والحركة الثورية من الصين إلى الارجنتين والعبور إلى الامم المتحدة. هذه هي الجبهة الديمقراطية رائدة اليسار الفلسطيني المسلح والواقعي, تقف اليوم في مقدمة الحركة السياسية والكفاحية الفلسطينية في الداخل والشتات, من اجل الظفر بمعركة الشعب الفلسطيني والفوز بالحقوق الوطنية خلافا لما يريده لنا قادة اسرائيل وأركان حكومة نتانياهو ومعظم الخارطة السياسية الاسرائيلية الصهيونية, فاتفاقيات اوسلو / واي بلانتيشن, وتداعياتها السلبية لن تكون خاتمة المطاف وحكم اعدام ابدي للحق الوطني الفلسطيني. لذا نتطلع بكل قوة وجبروت المناضلين الذين قضوا شبابهم وحياتهم في قلب المعترك الوطني, نتطلع لمواصلة العملية الوطنية الفلسطينية بالرغم من كل الصعاب ومن كل العثرات وسطوة المعسكر المعادي لحقوق شعبنا. نعمل على المدى المنظور القريب لبلورة عملية وحدوية فلسطينية جديدة نعيد من خلالها وحدة الشعب ووحدة منظمة التحرير الائتلافية بصفتها التمثيلية التوحيدية لكل شعبنا, ونعمل على المدى المنظور جدا لتهيئة اوضاعنا نحو يوم 4/5/1999 وندفع نحو اعلان بسط سيادة دولة فلسطين فوق كل الاراضي المحتلة عام 1967. فبسط السيادة يفتح على تجاوز مظالم اوسلو / الواي, وينتقل بكل قضيتنا وحقوقنا الوطنية إلى حلول وسلام الشرعية الدولية وتصبح سياسة الخطوة خطوة ممثلة باوسلو والواي خلف ظهر شعبنا والواقع والنضال, وفي اطار اعلان السيادة تنتشر الانتفاضة الجديدة في المناطق المحتلة H2, H1, C, B, والمحميات الطبيعة لارغام المحتلين على الرحيل وتمدد السيادة على هذه المربعات التي شطرها اوسلو/الواي, ويتم الانتقال الفلسطيني ــ الاسرائيلي والعربي والدولي إلى مفاوضات جديدة تقوم على قرارات ومرجعية الشرعية الدولية نحو سلام شامل اخر متوازن. بالامس صانت الجبهة الديمقراطية وحدة الشعب بالبرنامج الوطني المرحلي الموحد ووحدة منظمة التحرير الائتلافية بين جميع الفصائل والشخصيات ضد حروب الابادة والانقلابات السياسية وعلى القواسم المشتركة بعد الانشقاق الدامي في فتح والاقتتال الفلسطيني ــ الفلسطيني بين فتح وجماعة ابو موسى ومعها فصائل (التحالف الوطني) وانجزنا اعادة بناء الوحدة الوطنية في اطار منظمة التحرير بالمجلس الوطني التوحيدي (ابريل 1987) في الجزائر, فالانتفاضة فاعلان مبادرة السلام الفلسطينية ودولة فلسطين 1988 إلى ان وقع الانقلاب السياسي مرة اخرى عشية مدريد, والاخر في اتفاقات اوسلو فتم تدمير مؤسسات وائتلاف منظمة التحرير حتى يومنا. نعبر إلى العام الحادي والثلاثين للانطلاقة المسلحة للجبهة الديمقراطية, واستحقاق 4/5/1999 يقف على مفترق الطرق, بين اعلان بسط سيادة دولة فلسطين وتجاوز اتفاقيات اوسلو, وبين التمديد للمرحلة الانتقالية وطريق اوسلو المسدود ومخاطر تحويل الحكم الذاتي إلى حل دائم. اعلان بسط السيادة في 4/5/1999 يوفر فرصة ذهبية للانتقال من حالة الانقسام إلى الوحدة ومن التراجع امام المطالب الامريكية والاسرائيلية نحو التقدم لدحر الاحتلال والمستوطنين. ولذلك تتزايد الضغوط والمناورات الامريكية والاسرائيلية على السلطة الفلسطينية لتمديد المرحلة الانتقالية, بينما حكومة نتانياهو لا تلزم نفسها بشىء وتسابق الزمن كل لحظة وتستغل الوقت لتوسيع نطاق الاستيطان وتهويد القدس لفرض الامر الواقع والحكم الذاتي كحل دائم. وما يدعو للقلق اهدار السلطة للوقت اللازم لانجاح هذا الخيار, واستمرار المراهنة على نتائج الانتخابات الاسرائيلية ووعود حزب العمل الكاذبة, وعلى ضمانات امريكية وهمية. وما يبعث على عدم الارتياح اهمال الوضع الفلسطيني الداخلي وازدياد درجة الاحتقان والتوتر السياسي والاجتماعي بسبب سياسات السلطة وممارسات الاجهزة الامنية وتجاوزاتها على الحريات العامة وحقوق المواطن واستمرار الاعتقالات السياسية تحت ضغط واي بلانتيشن, اضافة لاستفحال الفساد وتدهور مستوى معيشة المواطنين. انني احث واطالب السلطة وادعوها إلى نبذ الرهانات العقيمة, والاهتمام بالطاقات الوطنية العظيمة للشعب الفلسطيني فهي القادرة على فرض خيار الدولة المستقلة وضمان حق العودة. ان هذا الخيار يستلزم تجميد الاتفاقيات المعقودة وفي المقدمة منها التنسيق الامني والافراج عن جميع المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي والدكتور ابراهيم المقادمة, والدكتور محمود الزهار. كما في الشروع بحوار وطني شامل يمهد لاجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في مايو المقبل لاعلان بسط سيادة دولة فلسطين على كامل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وارساء العملية التفاوضية على اساس قرارات الشرعية الدولية. اني ادعو إلى وحدة جميع الطاقات الوطنية والاسلامية والفعاليات السياسية والجماهيرية, لجعل موعد 4/5/1999 موعدا مقدسا لا ينبغي تجاوزه ولفرض الامر الواقع الفلسطيني والخيار الوطني, فلا دولة كاملة السيادة الا بفرضها على الاسرائيليين والامريكيين عبر استئناف النضال وبسواعد ابناء الثورة والانتفاضة, واستئناف النضال لبناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس العربية. ومن موقع الحرص على موقع المعارضة ونضالها لتجاوز اتفاقيات اوسلو وواي بلانتيشن واعادة بناء الوحدة الشاملة لمنظمة التحرير الفلسطينية على اسس ديمقراطية ووطنية, نقول ان الضجة المثارة حول اللقاء الساخن مع وايزمان تحمل قدرا من الافتعال. فهذا اللقاء ينسجم مع الخط التكتيكي للجبهة الديمقراطية الذي يرى أن المصلحة الوطنية تتطلب اقامة علاقات مع القوى السياسية الاسرائيلية والتي تقف إلى يسار الائتلاف اليميني الحاكم بهدف تشجيع كافة الاتجاهات لتطوير موقفها تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية والحل المتوازن على اساس الشرعية الدولية وهذا يأتي في سياق رؤية للبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الذي يدعو إلى تسوية تضمن قيام دولة فلسطينية على جميع الاراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس وضمان حق العودة. ان مضمون اللقاء كان من موقع الرفض للسلام الاسرائيلي ومن موقع المعارضة للاتفاقيات غير المبنية على اساس قرارات الشرعية الدولية, وهو يمثل اقرارا اسرائيليا بموقع المعارضة الفلسطينية ومكانتها ويعبر عن التناقضات بين الاتجاهات السياسية الاسرائيلية الاساسية. ان حملة بعض الاطراف على اللقاء انما تستهدف سياسة وموقع الجبهة الديمقراطية ورفضها البدائل عن منظمة التحرير, وسياسات الانشقاق والانقسام. فاللقاء ليس تفاوضا أو مصالحة أو تطبيعا, ولا نضع البرنامج المرحلي في مواجهة الميثاق الوطني الفلسطيني لأنهما متكاملان, فسوريا تفاوض ولبنان يفاوض, ولكن على الجميع التمييز بين مفاوضات الشرعية الدولية ومفاوضات الخطوة خطوة غير المتوازنة من اوسلو إلى واي بلانتيشن. ان لجنة المتابعة المنبثقة عن مؤتمر الشتات ليست جبهة وطنية مستندة إلى برنامج مشترك يمثل قاسما مشتركا, بل هي اطار يبلور مهاما نضالية مشتركة تلبي المصلحة الوطنية, وهي ليست مخولة بالتدخل في سياسة عمل كل جهة من جهاتها المكونة, حيث الخصوصية والتمايز والتداخل, وليست مخولة باصدار اوامر بيروقراطية بحق فصيل رئيسي من فصائل الثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية. لقد اختلفنا كثيرا في منظمة التحرير الفلسطينية في محطات سابقة ووصلت الاتهامات إلى ذروتها, ولكن لم تصل الامور إلى فصل احد من اللجنة التنفيذية لانها منتخبة من المجلس الوطني ولا يحق لغيره البت بعضويتها, وهذا الامر بالاحرى ينطبق على لجنة المتابعة, ولهذا بالضبط ادانت لجنة المتابعة في الضفة الفلسطينية خطوة مجموعة جبهة الانقاذ ومن حولها في دمشق. فعلى طريق بناء الائتلاف الوطني يتم حل التباينات بالحوار بين الآراء المختلفة, والا كيف ننادي بالحوار الوطني الشامل ووحدة الصف, وكيف يمكن ان نسير نحو بناء الوحدة الوطنية الائتلافية الجامعة والموحدة لكل قوى الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.