أدت العمليات البطولية التي نفذها حزب الله ضد القوات الاسرائيلية في جنوب لبنان, الى احتدام الجدال في اسرائيل حول جدوى وجود هذه القوات في الاراضي اللبنانية, طالما انها لم تستطع كسر شوكة المقاومة اللبنانية, وطالما انها لم تجلب الامن والسلام لاسرائيل, منذ اقامة المنطقة الآمنة في جنوب لبنان في العام 1978 . وفي الواقع فقد تحولت الاراضي اللبنانية الى فخ كبير لجيش الاحتلال الاسرائيلي, فمنذ بداية حرب لبنان 1982 قتل هناك 1539 جنديا, منهم 319 جنديا قتلوا منذ الانسحاب الى الحزام الامني في يونيو 1985 وحتى اليوم (بما في ذلك قتلى المروحيات). في النهاية 162 قتيلا من هؤلاء (اي اكثر من النصف) سقطوا في عهد نتانياهو ذاته وتبين استطلاعات الرأي الاسرائيلية بأن حملة الانسحاب من لبنان توسعت بشكل كبير, فقبل عامين ايد 15% فقط من الاسرائيليين الانسحاب من طرف واحد, واليوم يؤيد هذا الانسحاب لا أقل من 50%. وتدل هذه الوقائع انه الى جانب الخسائر البشرية الفادحة فإن ثمن البقاء في لبنان كان مكلفا الى حد كبير, فها هي هيبة اكثر الوحدات تدريبا تتمرغ في الوحل اللبناني امام مقاتلين يتسلحون بايمانهم وبأسلحة بسيطة, في مقابل العتاد الهائل تقنيا الذي يتسلح به جنود الوحدات الخاصة المختارة من الجيش الاسرائيلي, وبذلك تضعضعت مصداقية الجيش الاسرائيلي التي قامت على اسطورة الجيش الذي لا يقهر!, والذي اعتاد المبادرة ونقل المعركة الى ارض العدو. وعموما فقد وجدت السياسية الاسرائيلية نفسها تتخبط في المستنقع اللبناني, فاسرائيل غير راغبة في الانسحاب من الاراضي اللبنانية من دون ثمن يقدمه لبنان على شكل معاهدة سلام مع اسرائيل تتضمن تنازلات بشأن ضمان امن اسرائيل وعقد اتفاقات بشأن مصادر المياه والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية. وقد جربت اسرائيل هذه الطريقة في اتفاق مايو 1983 ولكن هذا الاتفاق سرعان ما ثبت فشله, اما الانسحاب من طرف واحد فإن اسرائيل غير قادرة على ولوج هذا الطريق الذي ترى فيه سابقة تهدد مكانتها كقوة اقليمية رادعة في المنطقة, وهذا الخيار ترى انه يشجع الاطراف الآخرين. وبين هذا وذاك فقد فضلت اسرائيل العض على اصابعها وانتهاج خيار استمرار الامر الواقع وتحمل آلام الوجود في لبنان. واليوم, تواجه اسرائيل وحكومة بنيامين نتانياهو خصوصا, مأزقا كبيراً في لبنان, فقد اصبح الوجود الاسرائيلي جزءا من السجال الانتخابي, والمعارضة الاسرائيلية مصرة على احراج نتانياهو وحكومته وتصوير الوضع في لبنان على انه إحدى الثغرات التي تعتري سياسة نتانياهو ازاء عملية التسوية, فالرجل الذي جاء ليجلب الامن قبل السلام لاسرائيل لم يفلح في جلب الامن, والانكى من ذلك انه اضاع منجزات السلام, فضلا عن ان ذلك ادى الى تراجع مكانة اسرائيل في الساحة الدولية. اما نتانياهو فيجد نفسه في ورطة معقدة فهو غير قادر على تحمل ضربات حزب الله, واستمرار النزيف في الاراضي اللبنانية, لانه بالضرورة سيتحول الى نزيف سياسي سيدفعه لاحقا من رصيده في صناديق الاقتراع في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة, خاصة انه يعرف هذا الدرس من تجربة سلفه شمعون بيريز الذي سقط بعد عملية عناقيد الغضب التي شنها على لبنان في ابريل ,1996 كما ان حزب الليكود دفع سابقا, ثمن عملية سلامة الجليل في العام 1982. والخيار الاخر المطروح امام نتانياهو هو الخيار الذي رسمه رئيس اركانه شاؤول موفاز, وهو المتمثل بشن حرب برية وبحرية وجوية ضد لبنان, ولكن نتانياهو يدرك ان يد اسرائيل مقيدة, فهذا الخيار لا يمكن التكهن بنتائجه, وفي الرمال اللبنانية المتحركة قد يؤدي ذلك الى مزيد من الغرق الاسرائيلي, فضلا عن ان اسرائيل على ابواب الانتخابات, والاهم من ذلك ان شن حرب على هذه الدرجة من الخطورة تحتاج الى اجماع اسرائيلي يفتقد نتانياهو له في هذه المرحلة وخاصة ان حزب العمل واحزاب المعارضة تتطلع الى تحقيق المزيد من البلبلة والتخبط لنتانياهو, وهي بالاصل ترفع شعار الخروج من لبنان وان من طرف واحد, او عبر اتفاق تسوية شامل مع سوريا ولبنان. اما على الصعيد الدولي فإن الاوضاع غير مناسبة, ولا تسمح للحكومة الاسرائيلية بانتهاج خيار شن عدوان واسع على لبنان, خاصة ان العلاقات الامريكية ــ الاسرائيلية ليست بأحسن احوالها, جراء برنامج نتانياهو الذي يعرقل برنامج التسوية الامريكية للمنطقة كما تنتهجها ادارة كلينتون. وهكذا فإن نتانياهو يجد نفسه امام خيارين احلاهما مر, فلا هو قادر على ترك الامور على حالها باستمرار النزيف الاسرائيلي, ولا هو قادر على شن حرب في هذه الظروف الصعبة في اطار حسابات سياسية عقلانية, ويبقى الخيار المتاح امامه هو المتمثل بشن غارات جوية على مواقع حزب الله في الاراضي اللبنانية, ولكن هذا الخيار عديم الجدوى, ولا يضعف من عزيمة المقاومة للاحتلال, بل انه يثبت عقم الحلول التي يصر نتانياهو على انتهاجها في عملية التسوية, والتي تتمثل بمقولته الامن قبل السلام!. في هذا الاطار يمكن فهم الاقتراح الذي تقدم به وزير خارجية اسرائيل ارييل شارون بشأن تشكيل حكومة طوارىء, اي حكومة وحدة وطنية لمعالجة ملف لبنان وملف التسوية مع الفلسطينيين, ولكن قادة حزب العمل سرعان ماعبروا عن رفضهم لهذا الاقتراح الذي رأوا فيه محاولة لتعويم سياسات نتانياهو. في كل ما يجري اليوم من سجال اسرائيلي حول لبنان, يمكن استخلاص العديد من العبر التي من اهمها ان هذه الدولة المصطنعة لا تحتمل مقاومة عنيدة ومتواصلة, وان المقاومة في جنوب لبنان وفي فلسطين, وهما الجبهتان المفتوحتان ضد الاحتلال, استطاعت ان تعمق ازمة الكيان الصهيوني, وان تشكل جرحا نازفا له من النواحي البشرية والمعنوية والاقتصادية والسياسية, وان اطار المقاومة هو وحده الذي يمكن ان يجبر اسرائيل على انتهاج سياسات تجبرها على اجراء مراجعة لمنطلقاتها العنصرية والعدوانية والاستعلائية, ولنفكر انه اذا استطاعت المقاومة في فلسطين وفي لبنان بامكاناتها البسيطة تحقيق كل ذلك, فكيف سيكون عليه الامر في حال استطاع العرب تعزيز تضامنهم ووحدتهم في مواجهة التحديات الاسرائيلية؟.