أكثر من واقعة توالت خلال أيام لتثبت أن الخصم العاقل أنفع من بعض المؤيدين, وأن بعض الصغار بمحاولاتهم المغالاة, في إظهار التأييد يسيؤون للكبار , وأن محاولة التقرب من المسؤولين بسبب الخصوم أو البطش بهم لا تؤدي فقط إلى خنق الحوار ومصادرة الأفكار, ولكنها تؤدي ايضا الى صدور طبعات متجددة من حكاية الدبة التي تقتل صاحبها وهي تدعي الدفاع عنه, ذلك إذا لم ينتبه المسؤول في الوقت المناسب إلى الفخ الذي ينصبه هؤلاء الذين أصبحوا يتكاثرون بسرعة في الحياة السياسية العربية, ويتحولون إلى فيلق كامل من الدببة التي تدوس على كل شيء وهي تدعي ــ صدقا أو كذبا ــ أنها تحمي المسؤول وتدافع عن النظام وترد كيد الأعادي. فيلق الدببة هذا تلقى أكثر من صفعة, في أكثر من واقعة تستحق أن نقف عندها, لنرى مأساة بعض المثقفين حين يتخلون عن دورهم الحقيقي ليتحولوا الى أدوات تخنق الفكر والإبداع, ولنقف على مأساة أجهزة تعلمت ان كلمة (لا) هي رجس من عمل الشيطان في كل الأحوال ومهما كانت الظروف, ولندرك ــ في النهاية ــ أن هناك أملاً ولو صغيرا في أن يتجاوز المثقفون محنتهم, وأن تتجاوز الأنظمة أزمتها, وأن نعانق المستقبل ونحن أكثر ديمقراطية وأشد إصرارا على مواجهة السلبيات وكسر القيود التي تعرقل خطواتنا. ** هناك أولا قصة الشاب محمد طيفور الذي يعاني مع عائلته مما يعتقدون أنه ظلم فادح حاولوا رفعه فلم يستطيعوا أن يصلوا الى ما يبتغونه, ولكي يلفت الشاب نظر المسؤولين حاول أن يرسل برقية للرئيس مبارك يقول فيها انه يعترض على ترشيحه لولاية جديدة في الرئاسة بسبب ما وقع له ولعائلته, وكانت النتيجة اعتقال الشاب ومأساة جديدة للأسرة, لأن البعض من (فيلق الدببة) بدلا من أن يسأل, ويبحث عن الحقيقة, ويرفع الظلم إذا كان هناك ظلم, لجأ للطريق الآخر, متصورا أنه يحقق عددا من الانتصارات .. فهو من ناحية يغلق بابا قد تجيء منه المتاعب وقد يمس قوما لهم نفوذ, وهو من ناحية ثانية يزايد على الجميع ويعلن أن كلمة (لا) ثمنها في أحسن الظروف هو الاعتقال أو الحبس. وأثيرت القضية في بعض صحف المعارضة .. ثم كان قرار الرئيس مبارك بالافراج عن الشاب فوراً بعد أن علم بمأساة الشاب وأسرته. ** الواقعة الثانية كانت في ختام معرض القاهرة للكتاب, وفي ندوة كان ضيفها الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي لرئيس الجمهورية, وقام أحد الحاضرين بتوجيه سؤال حول سبب عدم شغل موقع نائب رئيس الجمهورية, وانتفض البعض وكأن السؤال غير جائز, وحاول بعض المسؤولين عن الندوة إغلاق الباب, لكن الدكتور الباز أخذ المبادرة وأجاب على السؤال بإفاضة وشرح وجهات النظر المختلفة حول الموضوع, وبين ان السلطة ترى في تعيين النائب نوعاً من الحجر على الارادة العامة, وأنها تفضل أن تترك الباب مفتوحا خاصة وأن آلية انتقال السلطة في مصر مقررة دستوريا, ولا خوف من حدوث فراغ تحت أي ظرف, أو تفجر صراع على السلطة. وقد يكون ما قاله الدكتور الباز محل مناقشة, ولكن المهم انه طرحه بوضوح وبدون أن يخشى مناقشة القضية لأنها بالفعل قضية لابد أن تشغل بال الجميع في مصر, خاصة في ظل الظروف الخطيرة التي تمر بها المنطقة, والمناقشة العامة واحترام رأي الجميع أشياء لا ترضي فيلق الدببة الذي يتصور أنه بمنع الحديث ومصادرة المطلوب وإشاعة نوع من التحريم حول التساؤلات المشروعة يخدم السلطة أو يساعدها على أداء مهمتها! ** الواقعة الثالثة كانت حين أثارت بعض صحف المعارضة عددا من التساؤلات حول مشروع توشكى, وهي تساؤلات قديمة بدأت مع انطلاق المشروع الكبير وللأسف لم تجد الاهتمام الكافي من المسؤولين, ولم تطرح في مناقشات علمية أو طرحت في ندوات مغلقة لم تصل للرأي العام في الوقت المناسب وبالصورة المطلوبة في مثل هذه المشاريع الكبيرة. وللأسف فقد طرحت الاسئلة مرة أخرى, فتحول الأمر الى معركة سياسية, وبدلا من المناقشة العلمية الهادئة وصل الأمر إلى السباب المتبادل, وبدلاً من حديث الأرقام التي لا تكذب وجدنا اتهامات بالعمالة والخيانة تقابلها بإهدار المال العام وإساءة استخدام الموارد المتاحة. الرئيس مبارك انتهز فرصة زيارته لتوشكى أخيرا, ليصد فيلق الدببة, ويعلن ان النقد ليس تشكيكا, وأن كل نقد موضوعي يفيد المسؤولين, وأنه لا مجال لاتهام كل من ينتقد مشرعا بالخيانة والعمالة, وأن المطلوب أن يرتكز النقد على حقائق موضوعية ليحقق الغرض منه. وهو كلام لا يرضي بالطبع فيلق الدببة, ولكنه قد يفتح باباً للحوار الغائب في الحياة السياسية .. فهل يحدث ذلك؟ الإجابة مؤجلة في أحسن التقديرات, ولكن أسلوب التعامل مع هذه الوقائع التي أوردناها يعطي دلالات لابد من استكمالها, حتى يتحول الأمر الى منهج للتعامل وليس جرد وقائع فردية. يهمنا ــ مثلاً ــ أن نعرف ماذا سيحدث للمسؤولين عن مأساة الشاب طيفور, وهل ستتم محاسبتهم على الخطأ الفادح الذي حدث في حق الشاب وفي حق الوطن, ان الشاب لم يرتكب جريمة حين حاول لفت النظر الى الظلم الذي يقع عليه وعلى أسرته, فشرع في إرسال البرقية التي يقول فيها انه يعارض انتخاب الرئيس لولاية جديدة, لم يرتكب الشاب جناية ومع ذلك انتاب الذعر بعض صغار المسؤولين, وتحرك فيلق (الدببة) فإذا بالشاب مقبوض عليه, والأهم أن تسارع النيابة فتقلب الأمر من مجرد شكوى لمواطن يسعى لإيصال صوته للمسؤولين الى جريمة من جرائم لخمسة عشر يوما أخرى, ولولا تدخل الرئيس مبارك ــ وهذا حقه الدستوري ــ لكان الشاب طيفور ما زال رهن الحبس. تصرف الرئيس استحق الشكر بلا شك, ولكن ماذا عن فيلق الدببة, وهل سيحاسب الذين أساؤوا استخدام القانون؟ وكيف نضمن ألا يتكرر هذا الأسلوب؟ وإذا كانت الصحافة قد استطاعت تسليط الأضواء على مأساة الشاب طيفور فجاءه الخلاص على يد رئيس الجمهورية .. فماذا سيفعل آخرون من ضحايا فيلق الدببة لا تصل أصواتهم إلى الصحف؟ ثم .. ماذا سنفعل مع (فيلق الدببة) بجناحيه .. الجناح المرتعش الذي يخشى من مناقشة أي موضوع هام خوفا من الخطأ وإيمانا بالمثل القائل (الباب الذي تأتي منه الريح .. سده واستريح) والذي يبدأ يومه وينهيه بأغنية سعاد حسني (الدنيا ربيع .. والجو بديع .. قفل لي على كل المواضيع) ! ومع ذلك فهذا الجناح أخف وطأة من الجناح الآخر الذي يتصور أنه يؤدي خدمة للسلطة حين يلجأ لأسلوب (الردح) مع كل نقد يوجه اليها, ويطلق الاتهامات بالعمالة والخيانة (عمال على بطال) ومع كل خلاف صغير أو كبير .. بدءا من الخلاف حول السياسات العامة وحتى الخلاف حول مسلسل بالتلفزيون أو هدف في مرمى الأهلي أو الزمالك! (فيلق الدببة) لا يحمي السلطة بل يسيء إليها, والأخطر من ذلك أنه يسيء للوطن .. حين يصادر على الحوار, ويرتعش من النقد, ويمارس الإرهاب بإطلاق اتهامات الخيانة والعمالة والتآمر على كل من يوجه كلمة نقد ولو كانت لوجه الله والوطن. ونتيجة ذلك كل هذا الضعف الذي تعاني منه الحياة الحزبية, وهذا التباعد عن العمل السياسي, وأن ينشأ جيل جديد لا يعرف قيمة الحوار, ولا يهتم بالشأن العام, ولا يدرك ان الحقيقة ليست حكراً لأحد. ونتيجة ذلك كله لايمكن أن تكون في صالح النظام ولا يمكن أن تكون في صالح الوطن, وإنما في صالح التطرف والإرهاب الذي يجد في هذا المناخ فرصته الذهبية, فيعيث في الأرض فسادا. ولقد سعد الناس بالصفعات التي تلقاها (فيلق الدببة) في الأيام الأخيرة, ولكن الكل يدرك أن المعركة ضدهم لم ولن تكون سهلة, فهم لا يستسلمون بسهولة, وهم يجيدون الالتفاف والبحث عن الثغرات لينفذوا الى السلطة, وهم يعرفون كيف يستغلون الضعف الانساني عند الجميع, وهم سيقاتلون بشراسة للحفاظ على مواقعهم .. ومع ذلك فالمعركة ضدهم واجبة, وفضحهم أمام الرأي العام ضروري, والتخلص منهم هو حماية للمسؤولين من أنفسهم, وهو تحصين للوطن ضد أعدائه. و... اللهم احمنا من (فيلق الدببة) حتى نستطيع أن نواجه أنفسنا ونواجه الأعداء.