بعد توقيع اتفاق واي بلانتيشن وعودة الوفد الاسرائيلي من الولايات المتحدة, طلب أرييل شارون وزير الخارجية الاسرائيلي من المستوطنين ان يستولوا على كل قطعة ارض فلسطينية تقع تحت أيديهم, مطلقاً بذلك حملة مسعورة من احتلال المنازل والأراضي , خاصة في مدينة القدس, وينسجم هذا الموقف مع رؤية الليكود لوظيفة الاستيطان في الأراضي المحتلة, ويشكل استكمالاً لنوع الاستيطان الذي اطلقه الليكود بعد وصوله الى السلطة في العام 1977 ومنذ الأيام الأولى لتشكيله الحكومة الاسرائيلية في العام 1996 ابلغ نتانياهو المستوطنين بأن عهد (تجفيف المستوطنات) انتهى. وبعد ايام اتخذت الحكومة الاسرائيلية قرارها بالغاء القيود على الاستيطان التي وضعتها حكومة رابين. ان الاستيطان في الأراضي الفلسطينية حسب رؤية الليكود, يعمل ــ بالاضافة الى وظائفه التاريخية ــ على محاصرة قضايا الحل النهائي التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستيطان, وتكرس (اللاءات) التي طرحها نتانياهو فالاستيطان يكرس ضم القدس, ويمنع اعادة رسم الحدود, كما يمنع اقامة الدولة الفلسطينية, ووضع موضوع السيادة خارج دائرة البحث, ويقنن صلاحيات السلطة الفلسطينية الى حدها الأدنى.. الخ. فهو يمس مباشرة كل قضايا الحل النهائي, واذا اضفنا (لاء) اللاجئين, والتي يعتبر الليكود انها غير قابلة للنقاش, لمنع السلطة الفلسطينية من اغراق الاراضي الفلسطينية بهم, حسب تعبيرات الليكود, فإن قضايا الحل النهائي تصبح مغلقة بشكل نهائي. لقد اختلفت طبيعة الاستيطان بين حزبي العمل والليكود, فبعد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية في العام ,1967 شرعت حكومات حزب العمل التي تعاقبت على السلطة في اسرائيل ببناء المستوطنات في مناطق امنية, اعتماداً على مشروع آلون الذي نادى باعتماد خط أمني ــ استيطاني يفصل اراضي اسرائيل عن جيرانها العرب. لذلك تم توجيه الاستيطان نحو غور الاردن والسفوح الشرقية المحاذية لنهر الأردن, والصحراء المطلة على البحر الميت, اضافة الى الجولان والحدود الفاصلة في رفح بين قطاع غزة وسيناء في مصر. بذلك امتنعت خطط حزب العمل الاستيطانية عن الدعوة الى الاستيطان في المناطق المأهولة بالسكان العرب للابقاء على 60 في المئة من المنطقة على شكل جيوب ليتم تسليمها للأردن في حال الوصول الى التسوية التي كان يتصورها مشروع آلون. لم تستطع هذه السياسة استقطاب استيطان مكثف في الاراضي المحتلة, فمنذ العام 1967 حتى العام ,1977 عندما غادر حزب العمل السلطة في اسرائيل لم يتجاوز عدد المستوطنين في الاراضي الفلسطينية المحتلة ــ عدا القدس ــ العشرة آلاف مستوطن. مع صعود الليكود الى السلطة في العام ,1977 اختلفت الصورة, فقد تميزت فترة حكمه ببذل الجهود الحثيثة لتكثيف الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية, وارتكزت تلك الجهود على وجهتي نظر متقاربتين: الاولى, وجهة نظر ايديولوجية, تستند الى البعد الديني التاريخي بأرض (اسرائيل الكبرى) , وتسعى من خلال الاستيطان الكثيف الى منع امكانية تقسيم الضفة الغربية والعمل على ضمها الى اسرائيل لاحقاً, والثانية التي كان يقودها ارييل شارون, حيث نادى ورسم الخطط الاستيطانية للاستيطان في قلب المناطق العربية الخالية من السكان, من اجل جعل التجمعات العربية عبارة عن جزر غير مترابطة مع بعضها البعض, وذلك من خلال شق الطرق بين المستوطنات للسيطرة على المناطق المأهولة بالعرب, وقد اختار شارون لتنفيذ خططه مناطق مثل قمم الجبال الواقعة الى الغرب من خط آلون, وكذلك في عمق الضفة الغربية للسيطرة على كل من رام الله ونابلس, وكذلك الاستيطان في منطقة الخليل. مكنت هذه الخطط شارون في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من رسم خرائط تقسيم اطلق عليها اسم (خطة شارون) , والتي تبين ان 50 في المئة من مساحة المناطق المحتلة فقط معدة للتسوية مع العرب في حال حصولها, وهي الخرائط ذاتها التي اخرجت من الادراج في الاشهر الاخيرة ووضعت في التداول. وبخلاف خصومهم في حزب العمل, كان استراتيجيو الليكود يقدرون ان القرار حول مستقبل المناطق المحتلة, سينتج عن الصراعات السياسية في الجسم السياسي الاسرائيلي, وليس نتيجة للضغوط العسكرية او السياسية الخارجية, لذلك تتجه استراتيجيتهم نحو خلق حقائق سياسية داخلية اكثر من خلق حقائق جغرافية استراتيجية وتستهدف هذه الاستراتيجية انشاء (لوبي) محلي يتألف من المستوطنين في الضفة الغربية واولئك الذين لهم مصالح اقتصادية فيها. ولا فرق ان يكون هؤلاء يستوطنون بالقرب من الخط الاخضر ام في عمق الضفة الغربية, طالما انهم يوجدون في المناطق المحتلة. ولا حاجة لان يوافق مستوطنو الضفة الغربية على ايديولوجيا الليكود, فهم سيكونون عائقاً فعالاً امام اي بديل سياسي يتضمن حلاً اقليمياً, لانهم ببساطة سيرغبون في حماية استثماراتهم في نوعية حياة أرقى وأكثر رخاء. هكذا ساهمت هذه السياسة في مضاعفة اعداد المستوطنين في الأراضي المحتلة, وبعد ان كانوا عشرة آلاف عند استلام الليكود للسلطة في العام 1977 اصبحوا اكثر من مئة الف في نهاية حكم الليكود في عام 1992. يراهن الليكود على ان الاستيطان المكثف يؤدي وظيفته في نهاية الأمر, ويدرك مدى الضغط الذي يولده على قضايا المفاوضات النهائية, مما يفرض, حسب اعتقاد الليكود, استجابة الطرف الآخر للشروط التي وضعها, والتي باتت معروفة, وهي التخلي عن جميع قضايا الحل النهائي, وعقد السلام النهائي بما تم التوصل اليه. كاتبة فلسطينية