الاحتفاء بالهوس! بقلم- د. حنيف القاسمي

التغطية الاعلامية التي حظيت بها التصريحات الاخيرة لمولانا (أبي حمزة) بشأن انهاء السيطرة الغربية في مجال الطيران , بلغت حدا يستدعي الانتباه, ويثير حول (ظاهرة) مولانا العديد من التساؤلات المشروعة وغير المشروعة . من مظاهر الاحتفال بتلك الضجة الهائلة ان العديد من الصحف تناولتها بعناية وحرص كبيرين, وبشكل اوحى بان هناك شغفا ولهفة شديدين لتلقف فكرته الرائدة, والواردة في خطاب ذلك العبقري, ومن ثم كان الاحتفاء بها على النحو الذي شاهدنا مظاهره في الايام الماضية من الامور الطبيعية التي عادة ما تصاحب الافكار النادرة والاعمال المتميزة. وتبدو ثمة اهمية, بل وضرورة, في الاشارة الى مضمون تلك الفكرة, وذلك لتعريف من فاته (شرف) السبق في متابعة اطلاقها في وقتها, منذ نحو اسبوعين. تتلخص فكرة (انهاء السيطرة الغربية في مجال الطيران) في خطة تقضي بتفجير طائرات مدنية وعسكرية في الجو, وذلك من خلال وضع الغام طائرة يمكن تعليقها ببالونات معينة واطلاقها في الهواء لعرقلة حركة الطيران العالمية, والهدف الرئيسي من هذه الخطة حسب رأي (مولانا) العبقري يتمثل في (دفع الغرب الى اعادة التفكير في طريقة استخدام سلاحه الجوي المتفوق ضد الدول الاسلامية) . ونقل عنه في هذا الشأن قوله: اما ان تكون الاجواء للجميع او لا تكون لاحد!! ( الشرق الاوسط: 1/3/1999) انباء هذه الخطة التي تم الاعلان عنها في عاصمة غربية (لندن), حملت كذلك استياء (مولانا) من الغطرسة الغربية الناشئة عن التقدم التكنولوجي الهائل الذي يتمتع به الغرب, واسفه على عجز المسلمين عن اللحاق باسباب ذلك التقدم.! والغريب ان اطلاق مثل ذلك الكلام ( اذا شئت الدقة: هذيان) قد جرى في محفل عام, حضره جمع من اتباع الشيخ ومريريه, مع حشد كبير من مراسلي وكالات الانباء العالمية والصحف الغربية, الذين سعدوا ايما سعادة بتلك الهدايا الثمينة والمجانية التي انهالت عليهم من الناطق الرسمي باسم (جمعية الانحراف الفكري والاختلال العقلي) وهذا الوصف الاخير يعد ابلغ تعبير عن تلك الفئة المنتمية الى ذلك الفكر الغريب ومما يجب اثباته في شأن ذلك الخبر, ان (الاحتفاء) الغربي بمثل ذلك الهوس مفهوم, وله خلفيته التاريخية ومبرراته الفكرية, واسبابه السياسية. ومن ثم كان الترويج لمقولات مخترعي ذلك الهوس امرا ليس فيه اية غرابة, لكن الذي لايمكن فهمه, فضلا عن تبريره, تلك اللهفة الكبرى لدى العديد من وسائل الاعلام العربية وصحفها (المحترمة) وتهافتها على تلقف ذلك الخبر وتقديمه بحسبانه معبرا عن التيار الاسلامي, وناطقا رسميا باسمه , وممثلا شرعيا ووحيدا للاسلام والمسلمين! والمؤسف كذلك, ان الترويج لذلك الخبر على النحو الذي اشرنا اليه قد جرى دون كشف لشذوذ ذلك الفكر الذي كان وراء تلك الظاهرة كما انه كان دون بحث في اسبابها, ولا النظر في شأن المتورطين فيها الامر الذي احدث التباسا شديدا في الموقف الصحيح الذي يجب اتخاذه من ذلك الفكر وسلوكه. من أين جاء هذا الهوس؟ لا شك ان هذا الهوس المشهود هو احد افرازات الخلل العام, بل وانعكاس لازمة امة مازالت تتعثر في مسيرتها الحضارية, وتبحث في وسط هذا الظلام عن مشروعها القومي المنتظر. ومعنى ذلك انه لايمكن بتر هذه الحقيقة عن السياق الذي برزت فيه (حالة) ابي حمزة الذي يعد احد امثلة واقع كثير من البلاد العربية الذي افرز تلك النبتة الغريبة. وبقدر مايجب ادانة الهوس والمهووسين وجب كذلك النظر في البيئة التي انتجتهما, ثم القضاء على اسبابهما الحقيقية. وحتى لايبقى هذا الكلام مجرد (نظرية) يتم ترديدها فانه يجب الالتفات الى قضايا اساسية مثل الديمقراطية الغائبة, والحريات المصادرة, وحقوق الانسان المهدورة, والاوضاع الاقتصادية المتردية والتخلف العلمي والتكنولوجي المخيف. تلك اسباب واوضاع لاشك انها تلقي بظلال قاتمة على الواقع العربي, وهي يقينا احد اهم اسباب حالة التراجع السائدة, والتي من مظاهرها البائسة ذلك الهوس ذو الصوت المرتفع. امر آخر يجب رصده واثباته وهو العدوان على الاعتدال الديني ومحاولة تشديد الخناق عليه, وتشويه صورته تمهيدا وتبريرا لاستئصاله والغائه وفي غياب الفكر الذي يمثل هذا الاتجاه المعتدل يطل الشذوذ الفكري برأسه , ويتجلى الهوس الديني, ويبرز العنف والارهاب والتطرف.. إلى آخر تلك القائمة الحافلة بالمصطلحات التي احتلت حيزا كبيرا من قاموس هذا الزمان وخطابيه الثقافي والسياسي, وعندما يكون الاعتدال الإسلامي محظورا, والالتزام الديني مشبوها فإن التطرف ــ بلا شك ــ سيكون مرشحا قويا, يفرض نفسه, وان صغر حجمه, خاصة في ظل تراجع فكر الاعتدال ورموزه. والمحزن في هذا السياق ان يتم تصنيف الفكر الديني برمته في خانة التشدد أو التطرف, ووضع كافة من كُتب عليهم الانتماء إلى هذا الفكر في سلة واحدة, دون تفرقة بين صحيحه وسقيمه, وهذا التعميم في اطلاق ذلك الحكم محظور وقع فيه غلاة العلمانيين الذين لا يتورعون ـ في سبيل ادعاءاتهم ـ عن اختلاق الحكايات ونسبتها إلى الفكر الديني المخالف, وإليك أحد الأمثلة الصارخة والشائعة لذلك الغلو (الآخر) . نموذج علماني بائس قرأت لأحدهم مؤخرا كتابا أطلق عليه مؤلفه هذا الاسم (اعتدال أم تطرف) يسعى فيه لاثبات تطرف المعتدلين, وعقد في أحد فصوله مقارنة, ولكن بين مَن ومَنْ؟ بين الدكتور يوسف القرضاوي والزعيم الشيوعي لينين!! وأورد ذلك الكاتب المتطرف عددا من أقوالهما, على ان الأول قد اقتبس من الثاني بعض ارائه وأفكاره! كما ادعى انه اقتبس من ستالين خليفة لينين وميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العربي إلى غير ذلك من الادعاءات التي ضمنها كتابه الغريب. ولم يفت كاتبنا العربي (المحترم) ان يشكك في موقف الدكتور القرضاوي من مسألة الحريات والديمقراطية حيث قال : قد يبدو د. القرضاوي أكثر حماسا للديمقراطية الليبرالية, غير ان (النظام الإسلامي) الذي يطالب به د. القرضاوي أكثر جذرية وتشددا مما توحي به عبارات التطمين والتهدئة التي يبثها عادة في كتبه ومقالاته لكسب ثقة المحافظين, ونقل عنه قوله: (ان ما تريده الصحوة الإسلامية أكبر من مجرد تعديل مواد القوانين الوضعية, بمواد اسلامية, فالقانون وحدة لا يبني المجتمعات ولا يحيي موات الأمم, ولهذا ينكر الإسلاميون الواعون حصر الدعوة إلى الإسلام في الجانب القانوني, وحصر الجانب القانوني في تنفيذ الحدود والعقوبات.. انا نريدها حياة إسلامية متكاملة) . أما تعقيب صاحبنا على الكلام السابق فهو : أي ان المطلوب دولة عقائدية لا مجال فيها لغير الإسلاميين, لاحظ كيف تم (تقويل) الشيخ القرضاوي ما لم يقله. والهدف من ذلك كما هو معلوم هو نسبته إلى الفئة التي لا تقبل بأي (آخر) بل ربما ذهب إلى أبعد من ذلك عندما يقال بأن المشروع الإسلامي يضيق بالآخر, وربما حكم عليه بالنفي والاستئصال, وما الكلام الذي يردده من يُطلق عليهم (رموز الاعتدال) وتياره إلا تلبيس لحقائق الأمور وايهام للناس والهدف من ذلك تحقيق شعبية وجماهيرية وكسب مزيد من تأييد المحافظين! والذي يهمنا من ذلك كله : لمصلحة مَن يجري تشويه صورة الاعتدال ورموزه؟ وما هو المطلوب من المشروع الإسلامي تقديمه حتى يكون مقبولا لدى الفكر الآخر؟ هل هو إعلان البراءة التامة من كل قيمة دينية وثابت عقدي, أو اجتماعي له صلة ما بالثقافة العربية الإسلامية؟ أم هو (الذوبان) الكامل في ثقافة (الآخر) ومشروعه, بحيث لا يكون لمسألة الهوية وخصوصيتها أي أثر في حياة الانسان, فكره وسلوكه, وهكذا يتخلص المرء من ربقة الرجعية وينأى عن التخلف ويحقق التقدم المنشود.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات