تستعد الجزائر لخوض انتخابات رئاسية في شهر ابريل المقبل وسط اجواء سياسية ميزها اعلان احزاب سياسية فاعلة اسماء مرشحيها وقد وصل عددهم 35 مرشحا سحبوا استمارات الترشح من وزارة الداخلية وشرعوا في الحملة التمهيدية ليتمكنوا من جمع 75 الف توقيع من المواطنين تؤهلهم الى السباق النهائي . ويوجد ضمن قائمة من رشحوا انفسهم حتى الآن شخصيات تقلدت في مختلف فترات الحكم مسؤوليات عالية منها اربعة رؤساء حكومات واربعة وزراء خارجية ومسؤولون في قطاعات حساسة اخرى ينتظر ان يكون التنافس بينها شديدا اثناء جمع التوقيعات وهي مرحلة تمهيدية اقرها قانون الانتخابات الجاري العمل به منذ العام 1995 حيث لا يمكن للمرشح التأهل الى الدور النهائي الا في حالة جمعه 75 الف توقيع من مواطنين ينتمون الى اكثر من نصف عدد ولايات البلاد البالغ 84 ولاية وهي عملية معقدة قد يقصى عندها عدد كبير من المرشحين. فأثناء الاستعداد للانتخابات الرئاسية العام 1995 تقدم في المرحلة التمهيدية نحو ثلاثين مرشحا لكن اربعة فقط تمكنوا من جمع عدد التوقيعات الضروري للتأهل وبالمواصفات التي يحددها القانون وهم اليمين زروال ومحفوظ نحناح وسعيد سعدي ونور الدين بوكروح وستكون المواجهات ساخنة خلال الحملة الانتخابية بالنسبة لمن يتأهلون لخوضها وقد بدأ بعضهم في التراشق بالكلام منذ الآن عبر مقالات تنشرها الصحف الجزائرية الا ان الانطباع الذي ستجري فيه الانتخابات الرئاسية تمثل في عدم ابداء غالبية الشعب حماسا لاعتقاده ان الانتخابات قد لا تحل المعضلة الامنية والاقتصادية بعد ان تضاعف عدد القتلى المدنيين في الاسابيع الاخيرة وراح رجل الشارع يتساءل عن جدوى انتخابات في جو مشحون بالمخاطر والتهديدات واكثر من ذلك كله في جو تضاءلت فيه القدرة الشرائية للمواطن عندما ارتفعت الاسعار بشكل جنوني!!! وعلى الرغم من ان الخارطة السياسية الجزائرية افرزت المرشح المحتمل لقيادة الجزائر مستقبلا متمثلا في شخصية عبدالعزيز بوتفليقة, الرجل الذي صاحب الرئيس الراحل هواري بومدين ولمع حينها كوزير للخارجية ومثل الجزائر في المحافل الدولية وحقق نجاحا كبيرا في هذا الشأن مما جعل اتباعه اليوم يذكرون بهذا الماضي المجيد ويركزون عليه لجلب انصار واصوات انتخابية, ومع ذلك كله دخلت شخصيات تاريخية وسياسية المنافسة كحسين آيت احمد زعيم جبهة القوى الاشتراكية, والذي عاد الى الجزائر مؤخرا بعد ان كان غادرها عقب توقف الانتخابات عام 1991 واحمد طالب الابراهيمي نجل البشير الابراهيمي ثاني شخصية بعد عبدالحميد بن باديس في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست العام ,1931 ويعتبر قائد التيار الاسلامي داخل جبهة التحرير الوطني وقد التقى قبل ترشحه بعبدالقادر حشاني الرئيس السابق لجبهة الانقاذ ودرس معه امر تأييد بقايا الحزب المحظور له كما يمكن ان يحصل على اصوات كثيرة من حزب النهضة ومن حركة مجتمع السلم. ومن المرشحين مولود حمروش رئيس الحكومة في عهد الرئيس الاسبق الشاذلي بن جديد وهو يحظى بتأييد اوساط سياسية وشعبية لا سيما من المثقفين وقد ترشح حرا مع انه ينتمي الى قيادة جبهة التحرير الوطني التي زكت مرشحا آخر هو عبدالعزيز بوتفليقة. بوتفليقة... والاجماع الوطني لقد بات واضحا ان الجزائر مقبلة على مرحلة سياسية هامة من تاريخها السياسي الحافل بالانجازات التاريخية, والدبلوماسية اكسبتها مصداقية دولية معتبرة, وتتطلب هذه المرحلة ان تجد الجزائر مخرجا للمعضلة الامنية بعد ان تمكنت من استكمال مؤسساتها المنتخبة بدءا بالمجالس البلدية ثم المجالس الولائية, فالبرلمان ومجلس الامة ثم مؤسسة الرئاسة وينظر لعبدالعزيز بوتفليقة, الرجل الذي عاصر الرئيس الراحل هواري بومدين كرجل المرحلة المقبلة الذي بمقدوره لم شمل الطبقة السياسية باقناعها بضرورة التوحد لمواجهة التحديات الداخلية بترك المصالح الحزبية والعمل بجدية من اجل مصلحة الجزائر. ويقال ان الرجل يتمتع بمواقف سياسية معتدلة ستلقى اجماع الاحزاب السياسي الفاعلة كالتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم او حتى بعض الشخصيات الاسلامية المحسوبة على الجبهة الاسلامية للانقاذ المحظورة. ومعنى ذلك ان الاجماع القائم, خاصة من مؤسسة الجيش والتي تعتبر المؤسسة الاكبر التي لا تزال تتمتع بمصداقية لدى الشعب الجزائري, حيث تمكن الجيش من تضييق الخناق على الجماعات المسلحة خلال الاشهر الاخيرة, واعلن عن التزامه الحياد وعدم المشاركة في الحياة السياسية, رغم مساندته الضمنية لعبدالعزيز بوتفليقة... ولكن الاجماع الوطني هذا ليس معناه الانقاص من الدور الذي يلعبه بقية المرشحين والذين يلقون تأييدا معتبرا من الطبقة السياسية, الا ان الملاحظ من خلال تحليل الطروحات السياسية, ومواقف الشارع الجزائري, ان المرحلة المقبلة, ليست للشخصية التي تحمل برنامجا سياسيا واقتصاديا شاملا وانما للشخصية القادرة على التكيف مع التحديات الداخلية والخارجية, فمعظم البرامج الاقتصادية والسياسية فشلت في اخراج الجزائر من مأساتها واعادتها الى حيويتها الدولية التي كانت تعرف الجزائر بها, فالشخصية المقبلة والتي قد تكون شخصية عبدالعزيز بوتفليقة ينتظرها عمل كبير بالداخل والخارج, فالجزائر غرقت في ازمة ديونها ودخلت مرحلة ثانية من اعادة جدولة ديونها ولم تتمكن انعاش اقتصادها اثر انخفاض اسعار النفط ــ كما ان المشكلات الاقتصادية والامنية منذ سبع سنوات كانت سببا في تراجع الجزائر عن المشاركة في حل النزاعات الاقليمية والدولية, ولوحظ انه منذ سنوات فقدت الدبلوماسية الجزائرية التأثير الذي كانت تتمتع به كإحد اقوى الآليات الدبلوماسية المؤثرة في العلاقات الدولية وربما هذا احد اسباب اجماع المؤسسة العسكرية والاحزاب على شخصية عبدالعزيز بوتفليقة المعروف بالحنكة الدبلوماسية التي كان يتمتع بها خلال فترة السبعينات... ان هذه التحديات هي التي سيواجهها الرئيس المقبل واذا ما تمكن من مواجهتها فإن الجزائر ستعود الى مجدها... باحث وصحفي