منظمة ايتا .. بين الثورية وعنصرية نقاء العرق ! بقلم- الدكتور طلعت شاهين

كثيرا ما يدافع البعض عن قضايا الآخرين دون ان تكون لديه فكرة واضحة عن تلك القضايا وخلفياتها, او لان تلك القضايا شبيهة بقضاياه الخاصة , او ان النضال يدخل في اطار نضال عام من اجل قضايا تبدو متشابهة مما يتطلب معه الوقوف صفا واحدا من اجل تحقيق هدف متشابه او يبدو متشابها, خاصة بالنسبة لبعض القضايا المعقدة التي تتطلب تعبئة وتحالفات كثيرا ما تبدو غريبة ومعقدة تكاد تقربها من مجموعات لها علاقة ومصالح متشابكة مع العدو نفسه, اما تحت استراتيجية عزل العدو من خلال ان الصداقة ربما تحرم العدو من دعمه, او على الاقل يتم تحييد عنصر مهم من عناصر الدعم الذي تقدمه بعض تلك المجموعات للعدو. وهناك ايضا من يدعم قضايا الآخرين لمجرد تنفيذ شعارات خاصة بالايدلوجية التي ينتمي اليها او يعتنقها البعض دون تفكير او بحث في ماهية تلك الهوية الحقيقية التي تنتمي اليها تلك المجموعات التي ترفع شعارات عالمية على الرغم مما يكون من اهداف حقيقة تختبىء وراء تلك الشعارات, وربما يكون الهدف الحقيقي معاكس تماما للقضايا التي تبرزها تلك الشعارات. في هذا الاطار كثيرا ما دافع اليسار في الوطن العربي عن جماعات ترفع راية النضال تحت شعار هذه الايدلوجية او تلك دون التفكير في الهدف الحقيقي الذي يكمن خلف تلك الشعارات المعلنة, والتي ربما تتعارض مع القضايا العربية الملحة والمطروحة على ساحة النضال. من الجماعات التي رفعت راية النضال وحصلت على تأييد الجماعات اليسارية العربية بشكل عام, والثورية منها بشكل خاص كانت منظمة (ايتا) الباسكية الانفصالية, التي بدأت نضالها المسلح منذ سنوات حكم الجنرال فرانكو, رافعة شعار الانفصال عن اسبانيا, ولكن تحت غطاء انعدام الديمقراطية في ذلك الوقت, واستخدموا في دعاياتهم عمليات الاعدام التي كان يتعرض لها المنتمون الى المنظمة في الدعوة الى تأييد نضالهم, وطلب العون من جماعات ثورية مسلحة اخرى في جميع انحاء العالم تحت راية التضامن في النضال لتحقيق تطلعات شعوبهم المشتركة للخلاص من الاستعمار, وفي حالة منظمة ايتا الباسكية التخلص من (الاستعمار الاسباني) الذي يرون انه يحتل بلادهم. خلال الستينيات والسبعينيات من هذا القرن, الذي يوشك على الانتهاء, حصلت منظمة ايتا على دعم ابرز الفصائل الثورية الفلسطينية باعتبار ان المنظمة الباسكية ايضا لها شعارات متشابهة دون ان يدور بذهن الزعماء الثوريين الفلسطينيين بان ايتا لها جذور اخرى, ربما تكون شبيهة بالجذور العنصرية اليهودية, وايضا لها علاقات مع اسرائيل, او جماعات ارهابية صهيونية, وانها ترى في (الكيان الصهيوني) نموذجا يحتذى في تحقيق الدولة الباسكية المستقلة, من خلال استخدام الوسائل الصهيونية ايضا في الارهاب لتحقيق هذا الهدف الذي يصبون اليه, بل انهم احيوا اللغة الباسكية من العدم تماما كما فعل الصهاينة مع اللغة العبرية. كانت تلك الشعارات خافية وغير معلنة بالنسبة لجمهور العامة, لكني لا اعتقد انها كانت خافية على محترفي فن السياسة, الا انه برحيل الجنرال فرانكو, وقيام حكومات ديمقراطية بدأت بوسط اليمين المتمثل في حكومات حزب (اتحاد الوسط) بزعامة رئيس الوزراء السابق ادولفو سواريث, الذي كان اول من اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني, حتى حكم اليسار المتمثل في الحزب الاشتراكي, ثم بعودة حكم اليمين المتمثل في حكومة رئيس الوزراء الحالي خوسيه ماريا ازنار, ومنذ ذلك الوقت بدأت تفقد راية النضال المسلح التي ترفعها منظمة ايتا ضد الحكومة المركزية الاسبانية فعاليتها, خاصة بعد ان قامت عدة احزاب تمثل جميع الاتجاهات في بلاد الباسك, منها حزب (ايري باتاسونا) الذي يعتبر الجناح السياسي لمنظمة (ايتا) , واصبح من الممكن التمتع باستقلالية القرار في ظل الدستور الاسباني الذي يقسم الوطن الى اقاليم تكاد تتمتع بالاستقلال الذاتي, مما ادى الى تخلي الكثير من الجماهير في الداخل عن هذا الدعم, على الرغم من هذا ظلت بعض القوى الاجنبية , ومنها بعض جماعات اليسار العربي تقدم دعمها لنضال تلك المنظمة. الا ان الممارسة السياسية والديمقراطية التي عاشتها اسبانيا منذ أول انتخابات جرت عام ,1978 كشفت الكثير عن المسكوت عنه في أيديولوجية المنظمة والجماعات السياسية المحيطة بها, أو المؤيدة لاستمرارها في عمليات مسلحة ضد قوات البوليس الاسباني في كامل التراب الاسباني بما فيه منطقة الباسك ذاتها. هذه الشعارات الخفية بدأت في الظهور في الفترة الاخيرة من خلال رفع شعارات تنشر القشعريرة في الجسد لعنصريتها, منها على سبيل المثال اعلان دعائي تم اعداده في التلفزيون المحلي يقول: (أنا أبيض باسكي وأوروبي بالميلاد, وما ذنبي في هذا) . هذا الاعلان الواضح العنصرية أثار من الفزع بين الباسكيين أنفسهم, أكثر مما أثاره بين باقي فئات الشعب الاسباني, وتم سحب الاعلان بعد ان تصاعدت الاحتجاجات, وحتى لا تنتكس القضايا التي تتمسك منظمة ايتا بالنضال من أجل تحقيقها, وحتى لا تفقد ما تبقى لها من دعم بين بعض سكان الاقليم الباسكي. هذه الشعارات ليست وليدة اليوم, ولكنها مترسخة في كتابات منظرها الايديولوجي (سابينو أرانا) , الذي يضع مواصفات (جينية) خاصة تميز الجنس الباسكي عن غيره من كل سكان الكرة الارضية, مذكرا بالايديولوجية النازية التي ترى في الجنس الآري خصوصية لا توجد في الاجناس الاخرى, أو الصهيونية التي ترى في الجنس اليهودي ايضا خصوصية ترفعهم على غيرهم من بني البشر. في تصنيفه يضرب المنظر الباسكي بالتزاوج الذي يجري بين عائلات باسكية وغيرها من باقي سكان اسبانيا عرض الحائط, إذ انه ينزع صفة الجنس الباسكي عن النسل المولود من هذا التزاوج, فهو يؤكد ان لقب (الباسك) لا يجدر ان يحمله من لا ينحدر عن أربعة ألقاب باسكية أصلية, أي ان ينتمي الى الباسك حتى الجد الرابع, وهو الأمر الذي يمكن ان يضعف من القضية نفسها نظرا لندرة عدد السكان المقيمين في اقليم الباسك تحت هذا التصنيف, والذي يؤكد كتاب احصائي ان نسبة سكان الاقليم الذين ينطبق عليهم هذا التصنيف لا يزيدون على 19%, والباقي يحملون ألقابا لها أصول تنتمي الى باقي أقاليم اسبانيا المختلفة. في الوقت نفسه ينتشر أبناء الباسك في العديد من الاقاليم الاسبانية الاخرى, بل ويشكلون في بعضها نسبا كبيرة من عدد سكان تلك الاقاليم التي تقع خارج (الوطن الباسكي) حسب توصيف (سابينو أرانا) . حيث يذكر كتاب (مزيج الشعب الباسكي) للصحافي (خوسيه أراندا أزنار) الذي صدر قبل أسابيع قليلة ان نسبة الباسكيين في محافظات مجاورة مثل (فيثكايا) يصلون الى 40%, وفي محافظة (ألبا) يصل تعدادهم الى 37%, وفي باقي الاقاليم تتراوح نسبة الباسكيين من سكان المحافظات الاخرى ما بين 17 و13%, أي انهم يشكلون نسبا لا بأس بها. هذه الأرقام لها دلالاتها الواضحة, ويمكنها أن تحول التأييد الخارجي لها الى (قنبلة موقوتة) قد تنفجر في أي وقت مدمرة اسبانيا المعاصرة, التي لاتزال تعيش آثار حربها الاهلية حتى الآن على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على نهايتها. لأن قيام دولة باسكية كما تطالب منظمة ايتا لن يقل في بشاعته عن قيام دولة صربية في البوسنة والهرسك, قيام هذه الدولة في اقليم الباسك من شروطه ترحيل سكانها الذين ينتمون الى أصول غير باسكية الى مناطق أجدادهم القديمة, أي ترحيل 81% من عدد السكان لتلبية مطالب أقلية لا تزيد على 19% من تعداد الاقليم الحالي. ولو نجحت منظمة ايتا والاحزاب المناصرة في تحقيق هذا الهدف المستحيل بسبب الأوضاع السياسية الحالية في أوروبا والعالم, فإن الأقاليم الاخرى لن تقف مكتوفة الايدي, بل ستدخل المعمعة بترحيل ذوي الاصول الباسكية من سكانها, وستدخل معركة اجتماعية مع الذين لا يحملون الالقاب الباسكية الاربعة, والمولودون من تزاوج باسكي وغير باسكي. هل فكرت الجماعات الثورية العربية في كل هذا قبل ان تشارك في جنون الدم العرقي الذي يهدد أوروبا في جميع أطرافها. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات