لم يكن أحد يصدق قبل نحو عامين أن نصل إلى اليوم الذي يتبارى فيه الإسرائيليون ويتنافسون على الانسحاب من لبنان, وأن يكون موضوع الانسحاب وسرعته شعاراً انتخابياً ومادة إقناع للناخب الإسرائيلي , فقد كانت هناك قلة تطالب بالانسحاب, فيما الحكومة باستمرار ومعها مؤيدون تعارضه. وهكذا فقد عرفنا في مواقف الحكومة الإسرائيلية المتعاقبة, والمتوالية في الوقت نفسه من العمل إلى الليكود والعكس, إصراراً على الاحتلال والبقاء في جنوب لبنان, تحت مختلف الذرائع التي تبدأ من أمن شمال إسرائيل ولا تنتهي بالمطالبة بالسلام ضمن الشروط الإسرائيلية, حتى أن الانسحاب بدا على الدوام مع الإصرار الإسرائيلي على التمسك بالأراضي والمياه وغيرها بعيد المنال, وكانت مطالبة إسرائيليين معارضين لسبب أو لآخر بالانسحاب تفسر بشيء من الخيانة لحقوق إسرائيل وأحلامها وسياساتها التي منها التوسع. غير أن الحال انقلب من المنافسة والسباق على بقاء الاحتلال والاحتفاظ بأراضي الجنوب اللبناني وقراه وبلداته ضمن ما سمي بالشريط الأمني, ودخول هذا العنصر إلى ساحة الانتخابات, إلى التنافس الانتخابي على الانسحاب, مع تقديم وعود للناخبين بسرعة إنجاز هذا الانسحاب, في مزايدات علنية. هذا ما رأيناه في أعقاب العملية الفدائية الجريئة في جنوب لبنان الأسبوع الحالي التي أدت إلى مقتل الجنرال إيرز غيرشتاين والتي سبقتها عملية تحرير بلدة أرنون من قبل الطلاب والقرويين, حيث وعد زعيم المعارضة إيهود باراك بالانسحاب من لبنان قبل يونيو عام 2000 في حال فوزه بالانتخابات, ومن دون الربط مع أي توصل لحل سلمي مع سوريا, فرد عليه نتانياهو رئيس الحكومة والمنافس في الانتخابات بوعد بالانسحاب خلال عام في حال فوزه برئاسة الحكومة. طبعا نتانياهو من الصعب تصديقه, لأنه منذ توليه رئاسة الحكومة وهو لا يفعل شيئا سوى الكذب, وهو يكذب هذه المرة أيضا, لا في وعده الحالي فحسب, بل في وعوده السابقة لناخبيه, التي منها شعاره الانتخابي الرئيسي, أي أمن اسرائيل, الذي من أجله عرقل كل وسيلة ممكنة لتنفيذ أي اتفاق مع الفلسطينيين حتى الآن, فيظهر كذبه هذه المرة حين يعجز عن حفظ أمن جنوده في لبنان, بما في ذلك الرد على العمليات الفدائية, فهذه لم تزد على قصف جوي اعلامي لامتصاص الغضب ليس إلا. وسواء كان نتانياهو يكذب هذه المرة أيضا فيما يتعلق بوعده الانتخابي بالانسحاب من لبنان أم لا, فإن كذبه لن يهم كثيراً, طالما أن الانسحاب من لبنان دخل موضوعاً أساسياً في الانتخابات وطالما أنه يلقى دعماً كبيرا من غالبية الاسرائيليين, الذين يرون أن في بقاء القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان, ليس استنزافاً فحسب, وخسائر بشرية ومادية, وإنما تهديداً مباشراً لأمن الإسرائيليين الذين تمطرهم بين حين وآخر صواريخ كاتيوشا, فإسرائيل ليست نتانياهو وحده. وبطبيعة الحال فإن إسرائيل لن تنسحب من لبنان, لمجرد أن نتانياهو أو باراك يريدان الانسحاب, أو لمجرد أن وجودها في لبنان قد حقق أهدافه وهو ما لم يحدث, أو لمجرد رغبة في السلام, وإنما إسرائيل تنسحب مكرهة ومرغمة, لأن المقاومة اللبنانية حققت انتصارات فعلية عليها, وهو ما نتمنى أن يحدث مع المقاومة الفلسطينية فتعود إليها الروح, كما كان الحال مع الانتفاضة مثلاً, لأن إسرائيل لن تنفذ الاتفاقيات مع الفلسطينيين إلا مرغمة, والدرس اللبناني خير شاهد.