مع تطور الاهتمام بظاهرة الفساد, راح بعض الدارسين يبتكرون أدوات تحليلية يقيسون بها درجاته في البلاد المختلفة. حدث ذلك على الرغم من عدم الاتفاق على تعريف عام للفساد. وكان مما تذرع به هؤلاء, أن للظاهرة ملامح بارزة يمكن اتخاذها قاعدة للتصنيف. ومن ذلك الرشاوى التي تقدمها شركات كبرى للمسؤولين في الدول النامية, لكسب أفضلية في عروض التعاقدات . وهكذا, ظهرت في منتصف التسعينات دراسات تقوم درجات الفساد في أداء الخدمات العامة في نحو أربعين دولة, ومن هذه النتائج جرى رسم خريطة تحوي الدول الأقل والأكثر فسادا. ومن تأمل هذه الخريطة نجد ان الفساد في أوساط الموظفين العموميين لا يتعلق بمجموعة معينة من الدول, بسبب مستواها على سلم التقدم أو التخلف الاقتصادي. فثمة مزيج عجيب يؤكد امكانية النظر للظاهرة في سياق عالمي. فمن بين الدول الأكثر تورطا في الفساد, نجد من ينتمي إلى مجموعة الدول المميزة صناعيا, مثل ايطاليا واسبانيا. وهذه تندرج جنبا إلى جنب مع دول أقل شأنا بكثير أو قليل من هذه الناحية كاندونيسيا وتايلاند والهند والمجر والصين وتركيا واليونان والباكستان. ومن المثير ان دولا مثل المانيا والولايات المتحدة وفرنسا والنمسا وبلجيكا, صنفت وفق الدراسات نفسها بين الدول التي تعاني من درجة متوسطة للفساد. وقد جاورها في هذه الفئة كل من جنوب افريقيا وتايوان وماليزيا والبرتغال واليابان وهونج كونج. ومبعث الاثارة هنا, ان بعض هذه الدول الأخيرة, كألمانيا والولايات المتحدة, أولت عناية مبكرة, مقارنة بغيرها, من أجل مكافحة الفساد العام, بما في ذلك احتمال ممارسته خارج الحدود. وحين نستعرض المحاجات التي تمت بهذا الخصوص, نعثر على آراء وفتاوى مدهشة, توضح إلى أي حد أصبحت بعض الشركات العالمية مسوقة إلى ممارسة الفساد سوقا بقوة الدفع التي خلفها شيوع هذه الممارسة عبر القارات. ففي الولايات المتحدة, أقر الكونجرس عام 1977 (قانون ممارسات الفساد الأجنبي) , وذلك في أعقاب كل من فضيحة ووترجيت, وكشف الرشوة المنتشرة بين الشركات الأمريكية للحصول على صفقات في البلاد الأجنبية. ولم يلبث المعنيون بالقانون إلا قليلا حتى تصاعدت شكواهم, ليس من تأثيره على أعمالهم الخارجية, ولكن من انهم لا يستطيعون الأخذ به في عالم مفعم بالمنافسين الذين يحصلون على عقود في البلاد الأخرى, دون الخوف من التجريم. وفي ألمانيا حدث الشيء نفسه, إذ رأى أصحاب المصالح, انه ليس بوسعهم محاكاة السابقة الأمريكية واستحداث قانون يمنع الرشاوى مثلا, طالما ان المنافسين الأوروبيين أو اليابانيين أو غيرهم, مستمرون في مستنقع الفساد, لتسهيل صفقاتهم في أرض الله الواسعة. كأننا والحال كذلك, بصدد شكوى من ازدواج المعايير, فحتى الراغبين في مواجهة الفساد عن حسن نية, يخشون من أن يصبحوا من دعاة الطهرية في مناخ موبوء. وهذا يعني أن تتضرر مصالحهم من دون جدوى بشأن استئصال الظاهرة كليا. وبشيء من التحريف, يجوز القول بأن القوى العاكفة على تنظيف مجال التجارة العالمي, تتساءل: من الذي يعلق الجرس في رقبة المفسدين؟. إن الصعوبات التي يواجهها تعريف الفساد, لا تقل عن العقبات التي يجابهها مكافحوه. فمن هي القوى التي يمكنها البدء بنفسها والتضحية بمصالح يضمنها استمرار الفساد؟. ولعله من الواضح في سياق كهذا, ان محاربة الفساد لابد أن تجري في اطار من القبول العام, والتجريم العام الذي يعاقب كل القائمين عليه.. وهذه مهمة عسيرة حقا. ولهذا, وجدنا بعض شركات البلاد الاسكندنافية, كالدانمرك والسويد وهولندا والنرويج, التي تفخر بوقوعها في خانة (الأقل فسادا) , بدأت تنحو للاستفادة من ممارسات الفساد في بعض أنشطتها الخارجية. ويردد المسؤولون في هذه الشركات, الحجة التقليدية المشار إليها: اننا لا نستطيع تمرير صفقاتنا بلا رشاوى, طالما ان غيرنا قد يستأثر بهذه الصفقات, عبر الأبواب الخلفية التي يشرعها الفساد التجاري والسياسي. ومع ذلك, لا يبدو ان المجال قد أغلق تماما على ممارسات الفساد. فثمة من يحدوهم الأمل في ملاحقة الظاهرة, هناك الجهود الحكومية التي تضطلع بها مثلا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية, وجهود الحكومة الأمريكية, فضلا عن محاولات بعض حكومات دول العالم الثالث, التي تبغي جميعها مواجهة أعمال الفساد من خلال اجراءات قانونية معينة. وبموازاة هذه الجهود, هناك بعض الأنشطة شبه الخاصة, غير الحكومية, أبرزها في الوقت الراهن (منظمة الشفافية الدولية) التي أسسها (بيتر إيجن) عام ,1993 وهو ألماني خدم سابقا في البنك الدولي. وقد حظيت هذه المنظمة بتأييد مجموعة من الشركات والأفراد والهيئات الحكومية من بلاد متعددة, للنهوض ببرنامج واسع الانتشار للاعلان عن وقائع الفساد وقضاياه في كثير من البلاد, لا سيما في العالم النامي. على هذا الصعيد, تحققت خطوات ملموسة. ففي مايو 1994 أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي توصية حول الرشوة في المعاملات التجارية الدولية, وكانت بمثابة أول اتفاق دولي لمكافحة رشوة المسؤولين الأجانب. ومن بين نصوصها (اتخاذ الخطوات من جانب الدول الأعضاء, لمنع ومكافحة رشوة الموظفين العموميين الأجانب, وأن تعدل هذه الدول قوانينها الجنائية والتجارية والضرائبية ولوائحها, وأن تراقب السجلات المصرفية والأعمال المحاسبية وتعيد النظر في منح الاعانات والتعاقد على مشتريات الحكومات) . وقد جاءت الخطوة التالية في منتصف يناير ,1999 حين بدأ تنفيذ بنود الاتفاقية, التي نجمت عن توصية ,1994 بعد أن وقعت عليها 27 دولة. ومن هذه البنود في شكلها النهائي: حبس من يدان بالرشوة عشر سنوات ودفع غرامة قدرها مليون فرنك فرنسي, وتخويل الدولة فقط حق متابعة قضايا الرشوة والتحقيق فيها, ومنح منظمة الشفافية الدولية حق متابعة هذه القضايا في البلاد الموقعة وغير الموقعة على الاتفاقية. وشأن كل المحاولات الرامية إلى ملاحقة ظاهرة مراوغة, عابرة للحدود والذمم, لا يصعب على المراقب التشكيك في جدوى القيود القانونية في استئصال الفساد. إذ كيف تتوفر المعلومات حول استعدادات الدول وحكوماتها لمحاربة الفساد خارج حدود الوطن؟ وما هي الشركة التي ستبادر إلى فضح عملائها من رجال السياسة والإدارة في الدول الأخرى؟ ثم ان المرتشين غالبا ما يتبوأون مراكز تمكنهم من الاحاطة بمعاونيهم الصغار وقت اللزوم. ومن المرجح دوما لجوء هؤلاء إلى التستر على رؤسائهم, كونهم يدركون هذه الحقيقة.. وفي هذا الاطار لا يبدو ان ثمة وسيلة ناجعة لكشف المستور من الفساد, سوى تضارب مصالح الراشي مع المرتشي في لحظة ما. فعندئذ تتصاعد فرص محاولات الايقاع المتبادلة بينهما وتتكشف بعض الحقائق (الفضائح). ولعل أكثر ما يدعو للأسف في غمرة الرغبة في معالجة الفساد, هو الأفول الملحوظ للبعد الأخلاقي في التعامل الاقتصادي على نطاق عالمي. نقول بذلك, ونحن نستبصر غياب الرموز الوطنية التي تحضها الغيرة على المصالح العامة في بلادها. ففي مقابل ضعف القدرة على احكام الخناق حول رقاب المفسدين من المدخل القانوني, لا يبقى غير الارتهان لحافز الضمير والأخلاق, فإن اختفى هذان, أي القانون والضمير, شاع الفساد في البر والبحر, بلا معقب. * كاتب وباحث فلسطيني مقيم في القاهرة