بوسعنا ان نطمئن على توسع المجتمع المدني في أكثرية الاقطار العربية في القرن الحادي والعشرين, غير انه ليس بمقدورنا حتى الآن ان نتفاءل تماما بنوعيته وجودته ونجاحه في احداث تطوير كبير لأسلوب الحياة المدنية والسياسية في أرجاء الوطن العربي. فالتطور النوعي للمجتمع المدني في أكثرية الاقطار العربية ملفوف بالغموض, وهو أسير تناقض متأصل لا يسهل حله . لقد برزت نظرية المجتمع المدني في سياق البحث عن منهجية للحد من طغيان الدولة وجبروتها. غير ان التطور النوعي للمجتمع المدني يبدو مرهونا الى حد كبير بتحول ديمقراطي ملموس. ويبدو ان من المتعذر للغاية ان يرتقي المجتمع المدني بدون ارساء أسس دولة القانون والمؤسسات, واقرار وحماية الحريات الأساسية المدنية والسياسية, وحد أدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ويتوقف ذلك في الحقيقة على النجاح في وقت الانكماش المطرد في هامش الحريات العامة في الاقطار العربية التي اخذت بالتعددية السياسية المقيدة في عقد الثمانينات, وفرض اتجاه جديد لنمو الممارسة الديمقراطية. ولا نعني بهذه الضمانات الأساسية مجرد تغيير القانون أو القوانين والتشريعات التي أخمدت أنفاس المجتمع في عدد كبير من الأقطار العربية في عقدي الخمسينات والستينات. فبزوغ وتطور نوعية أرقى للحياة المدنية يحتاج لما هو أكثر من تشريع جيد, ولكن هذا التشريع صار ضرورة حاسمة لعبور عقبة التطور المستقل لمنظمات المجتمع المدني. والى جانب التشريع, يحتاج تطور المجتمع المدني في الوطن العربي الى أربعة عناصر جوهرية, وهي النزعة التطوعية, والمواهب الادارية, والمواهب الاقتصادية, وثقافة الحل السلمي للصراعات الاهلية والمحلية. فأرقى المعاني المدنية يتجسد في التطوع, ولا شك مطلقا ان ثقافة العمل التطوعي هي الحد الفاصل بين استقلالية المجتمع المدني وتبعيته, بل في الحقيقة بين وجوده وعدمه. وحتى اللحظة الراهنة, لم تتبلور ثقافة العمل في المجال المدني العربي كثيرا, بالمقارنة بما يسميه بعض المفكرين العرب المجال الأهلي, ويتميز الأخير بارتباطه الحميم بالولاءات الأولية: أي العشائر والقبائل والعوائل والمحليات, وربما الطوائف الدينية, فالمواطن العربي يتطوع فعلا بالجهد والمال لصالح عشيرته وقبليته, ولكنه نادرا ما يتطوع لصالح أهداف ومصالح مدنية عامة تقوم على رعايتها منظمات غير حكومية تعمل على المستوى الوطني العام. ومع ذلك, فإن المجتمع المدني العربي يعاني بصورة أشد من نقص المهارات الادارية, ولا نعني بذلك نقص الكتبة أو المحاسبين أو غيرهم ممن نسميهم الاداريين, وإنما نعني العناصر القادرة على بناء المؤسسات وتنمية قدراتها على الانجاز, ومغالبة المشكلات واغتنام الفرص وتحقيق أفضل صياغات التواصل مع جمهورها, وتدعيم الثقة فيها من جانب هذا الجمهور, ومضاعفة الطلب على خدماتها... الخ. وهذا النقص مشترك بين القطاع المدني, والقطاعات الأخرى في المجتمع العربي مثل القطاع الحكومي أو حتى القطاع الاقتصادي. وثمة عدد محدود للغاية من بناة المؤسسات والذين يتمتعون بموهبة الادارة يذهب الى القطاع المدني, ويخصص له جل وقته وجهده. ويترتب على ذلك ان معظم منظمات المجتمع المدني, وخاصة التي تقوم على التطوع تدور حول شخص واحد, وتنهض على جهوده وتتقوض بذهابه, وهو ما يرسي بدوره قاعدة الشخصنة في سلطة صنع القرار, ويجعل تلك المنظمات مشابهة الى حد ما لبنية الدولة. العامل الاقتصادي وتحتاج كل المنظمات المدنية من أجل القيام بأدوارها الى موارد اقتصادية ومالية, بغض النظر عن درجة الاعتماد على الجهد التطوعي. المال لا ينشىء منظمات من أي نوع, ولكن بدون المال لا تعيش هذه المنظمات طويلا, ونادرا ما تتمكن من الوفاء بأغراضها. وهنا ايضا نلحظ هشاشة المجتمع المدني من حيث أساسه الاقتصادي في الوطن العربي, فالأعمال التطوعية والمكلفة كانت تعتمد في الماضي على التمويل الذي يأتيها من الأوقاف, ومع سيطرة الدولة على مؤسسة الوقف, صار الأساس الاقتصادي الوحيد للأعمال التطوعية والاجتماعية هو رسوم العضوية, وهي نادرا ما تكفي حتى لاستكمال البنية الأساسية للمنظمات المدنية. وبينما كانت مؤسسة الوقف الاسلامي تمول دائرة ضيقة للغاية من الانشطة الخيرية والتعليمية, فإن حاجات المجتمع المدني الحديث قد توسعت بصورة جبارة لتشمل معظم مجالات الحياة المدنية ونشاطاتها. وحتى لو توافرت قاعدة مالية واقتصادية معقولة, وموهبة ادارية لا بأس بها وشيء من التطوع لضخ الحياة في منظمات العضوية المفتوحة أو الواسعة, فقد تزدهر المنظمة غير الحكومية لفترة, واذا بها فجأة تنفجر من الداخل بسبب صراعات لا تعرف الطريق الى الحل الهادىء والسلمي أو مفهوم المفاوضة والمصالحة والحلول الوسط. واذا أخذنا بتجربة مصر مثلا, فإنه لم يسلم شيء من الصراعات العاصفة والانفجارات الزلزالية التي دمرت ما تم بناؤه بعد سنوات من الجهود الشاقة, أو على الاقل عطلت حياة المنظمات الاهلية لفترة من الزمن, ثم زعزعت الثقة بها لفترة بعدها, فحتى نقابة المحامين ــ في مصر ــ والتي لعبت خلال السبعينات دور قلعة الوطنية والحركة الديمقراطية, وجدت نفسها في بداية الثمانينات أسيرة صراعات ضارية مارستها جميع الاطراف بقدر مدهش من العنف وانعدام المسؤولية, وهي حتى الآن تعد طريحة الفراش بعد أن أصبحت جاهزة لسيطرة الدولة الكاملة عليها. وشهدت عشرات من النقابات والاحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية حلقات صراعية مشابهة لم تسلم منها حتى الآن, بل انه لا يكاد يكون ثمة ناد رياضي واحد أو اتحاد من اتحادات اللعب الرياضي يمكن اجراء انتخابات سلمية فيه بدون قدر كبير من القتال بكل أنواع الاسلحة. ومن هنا, فإن الحل السلمي للصراعات الداخلية قد يصبح الشرط الجوهري لاستمرارية المنظمات غير الحكومية عموما في لحظة اخرى. ولكي يتحقق التطور السلمي لأي منظمة, فهي تحتاج الى مرجعية تشريعية ديمقراطية وواضحة, وهو عنصر غالبا ما يكون مفتقدا, فحتى الأندية الرياضية لم تسلم من ذهنية السيطرة الحكومية والتلاعب الاداري, وهي حتى الآن محكومة بأطر وطبقات متراكمة من القوانين المكبلة لأبسط معاني الحرية. ولم تعد المشكلة هي التطور الحر للمنظمات الأهلية والمدنية فحسب, بل صار الاصلاح التشريعي الديمقراطي ضرورة للحل السلمي حتى لأبسط الخلافات, وحتى تستقر قواعد معقولة ومقبولة للانتقال السلمي لسلطة القرار, وتتأصل في الوعي العرفي والاجتماعي للناس. الدولة الحديثة على أي شيء نهض اذن المجتمع المدني في بعض الأقطار العربية, حتى الآن؟ بالطبع كان ثمة جذور وكيانات موروثة من مرحلة ما قبل نشأة الدولة الحديثة, وكانت تلك الكيانات غير الحكومية قد قامت على أكتاف الطبقة الارستقراطية, وبدرجة أقل على الشخصيات العامة والمثقفة التي نالت منزلة اجتماعية عالية بجهدها وعبقريتها. أما بعد نشأة الدولة المستبدة بكامل هياكلها وبنائها التشريعي, كما نعرفه حتى الآن, فقد نهض العمل المدني على أحد عنصرين: السياسة والمال. فالعناصر السياسية التي خدمت في جهاز الدولة غالبا ما تنزع لتكوين جمعية أو منظمة غير حكومية بهدف العودة إلى ميدان السياسة, أو الاستمرار (تحت نظر) الحكومة وقياداتها العليا, والمنظمة غير الحكومية التي يقودها ساسة الصف الثاني شائعة للغاية في الوطن العربي, وهي تقوم بادوار حقيقية, وان كان الهدف النهائي منها هو ألا يغيب هؤلاء الساسة عن الساحة كلية, وان يظلوا قادرين على القفز إلى المناصب السياسية سواء عن طريق الانتخابات أو عن طريق لفت نظر الزعماء الرسميين, وتخدم المنظمة غير الحكومية هذا الهدف عن طريق تكوين قاعدة نفوذ بين الجماهير. على ان هناك صيغة أخرى, وهي نزوع المشتغلين بالسياسة على جانب المعارضة إلى العمل من خلال المنظمات غير الحكومية, وهذه الصيغة قد تكون بديلا للأحزاب وقد تكون مكملة لها, وفي اللحظة الراهنة ثمة هروب واسع النطاق من الأحزاب, لقاء قيام الكوادر الحربية بتأسيس منظمات مدنية غير حكومية, وقد صارت هذه المسألة موضوعا لمناظرات كبرى بين المتهمين, ويطرح المتناقشون سؤالا أساسيا هنا وهو ما إذا كان هذا الاتجاه الذي يضاعف انكماش الأحزاب القائمة مفيدا للتطور الديمقراطي ام أنه أكثر اضرارا بهذا التطور؟ ثمة مدخل آخر للعمل المدني غير الحكومي يأتي من جانب رجال الأعمال الناجحين, وغالبية هؤلاء ليست لديهم مصالح سياسية, أكثر من بناء منزلة عالية وخاصة بين جماهير المناطق المحلية التي جاءوا منها, غير ان لبعضهم أجندة سياسية, حيث يصبح من الممكن عن طريق تكوين منظمة غير حكومية تعبئة أعداد كبيرة من المشايعين, وربما الفوز بانتخابات محلية أو قومية تصل برجال الأعمال إلى مكانة سياسية مرموقة. وثمة إلى جانب هذا وذاك بالطبع مدخل العمل الأهلي بالمعنى الحرفي للكلمة, أي العمل التطوعي بين الأهل: على مستوى العوائل والعشائر والقبائل والمناطق والولايات. وتتوفر لهذا النوع من العمل أفضل الموارد, وهو ما يمكن القبيلة أو العشيرة من القيام بأدوار مهمة حتى بعد ان تحلل أساسها الاقتصادي, وتشمل هذه الأدوار: الأمن, واعادة توزيع الدخل, والمساندة والتضامن السياسي. المثقفون أقل تطوراً ان هذه المداخل تحدد نوعية المجتمع المدني في الوطن العربي فأكثر مجالاته نموا هو العمل الخيري الذي يتعزز بفضل جهود الأغنياء القدامى والجدد, ويتلوها في ذلك منظمات الغرض العام التي تعتمد على مواهب ساسة محترفين سواء على جانب الحكومة أو جانب المعارضة وأكثرها نموا تلك التي يتوفر لها قدر لا بأس به من الاجماع مثل منظمات حقوق الانسان والبيئة, بينما تعاني المنظمات النقابية العمالية من ركود وخضوع شبه مطلق لسلطة الدولة, بل ولجهاز الأمن تحديدا, ويختصر دور النقابة العمالية في الأعمال الخيرية البسيطة بدلا من القيام بدورها في المفاوضات الاقتصادية الصناعية, وبالطبع, فإن مصير النقابات المهنية أفضل حالا بحكم انتمائها للطبقة الوسطى الأكثر تحررا من هيمنة الدولة, غير ان هذا الاطار المهني يعاني من أمراض كثيرة, على رأسها الصراعات السياسية الحادة التي قد تؤدي إلى الاحتكار أو الدمار. أما منظمات المثقفين فهي الأقل تطورا على الاطلاق بحكم كونها الأقل تمتعا بالتمويل والأكثر تعرضا لأمراض التسيس, هذا فضلا عن الصراعات الجيلية والمهنية والحزبية, وغالبا ما يحتقر المثقفون أو يعجزون عن الاهتمام بالمهارة في الادارة, وهي العامل الحاسم في نمو المنظمات كافة, وخاصة منظمات المجتمع المدني. ومع ذلك كله , فهناك نطاق من المنظمات المدنية قد نسميه النطاق الوسيط, وهو قليل الاهتمام بالسياسة ولكنه يعمل في مجال اغراض عامة مثل العمل الخيري والتعليم والتدريب والبيئة.. إلخ وغالبا ما يعتمد على مهارات نشأت في الواقع المحلي أو تدربت في المراكز الحكومية الوسطى, دون ان يكون لديها طموحات سياسية ولا ميل أكيد لطاعة الحكومة أو معارضتها, وتحظى هذه القيادات (غير المسيسة) بأكبر قدر من الجماهيرية والشعبية, وتعد تلك المنظمات الأكثر استقرارا من بين كافة المنظمات المدنية. وهكذا يدخل المجتمع المدني العربي إلى القرن الواحد والعشرين وهو كيان يناضل من أجل لملمة أطرافه بصعوبة, ان لديه حافزا قويا للتطور والنمو, وهو الوعي باستحالة قيام الحكومة بكل شيء, ولكنه لا يزال مقيدا بضعف ثقافة التطوع والافتقار إلى الموارد الاقتصادية. كما انه قابل للانفجار من الخارج بفضل انقلابات الحكومات, ومن الداخل بسبب الصراع حول الأفكار أو المناصب. * نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الاهرام