في يوليو من عام 1987 احتفلت (دولة) اسرائيل بالذكرى ثمانمائة لمعركة حطين.ربما تأخذ القارئ الدهشة من سبب احتفال(اسرائيل)بهذه المناسبة, وما علاقتها بحطين؟ لكن دهشته ستصبح أكبر حين يعلم أننا في مجلس وزراء الثقافة العرب, لم نستطع وقتها الاتفاق على احتفال عربي موحد بالذكرى , رغم ما تمثله لنا هذه المعركة, كعرب وكمسلمين, من معان تحريرية للدفاع عن أرضنا ومقدساتنا, فقد كانت تلك المعركة عنوانا لوحدة العرب والمسلمين في مواجهة أخطار الغزو الأجنبي الغربي لأرضنا ومقدساتنا, وكان النصر فيها بوابة لتحرير القدس, كما شكل بداية الطريق لتحرير كامل الأرض العربية من الاحتلال الغربي, واعادة الغزاة من حيث جاءوا بعد ان استمر بقاؤهم في أرضنا أكثر من مائتي وأربعين عاما. لم تستطع كل هذه المعاني الجليلة ان تدفعنا لتجاوز الأسباب الواهية التي ساقها البعض لتعطيل الاحتفال, مخفيا أسبابه الحقيقية, التي ربما كان لها صلة بمولد صلاح الدين وهويته, مع ان رسولنا العربي الكريم علمنا انه لا فضل في الإسلام للعربي على غير العربي إلا بالتقوى والجهد والتضحيات. أما (دولة) اسرائيل التي تحاول ان تجد لها تاريخا يربطها بهذه الأرض, والتي تحاول ان تسرق تاريخنا, فقد اغتنمت المناسبة واحتفلت بالذكرى, لمجرد ان القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي, وانطلاقاً من سماحة اخلاقه تجاه الأديان الأخرى التي علمه اياها الإسلام, فقد سمح لليهود بالدخول إلى القدس, بعد ان كانوا ممنوعين من دخولها لعدة قرون نتيجة سلوكهم تجاه الديانات الأخرى. تذكرت هذه الواقعة, حين مرت بنا ذكرى وحدة مصر وسوريا في 22 فبراير دون ان يتوقف عندها إلا قلة قليلة من جيلنا, مع ان عام 1958 الذي شهدها لا يبعد عنا أكثر من واحد وأربعين عاما. ولا تكمن فداحة النسيان هنا في أننا كعرب, بتنا لا نذكر حتى تاريخنا القريب, وانما في تجاهل المعاني التي أضفتها هذه الوحدة على تاريخ العرب الحديث, ونسيان القيم والأهداف التي سادت تلك المرحلة. لقد كانت تكل الوحدة أهم وحدة في التاريخ العربي المعاصر, فقد شكلت اختراقا قوميا لاتفاقية سايكس/ بيكو الاستعمارية التي وضعت أمتنا وأرضنا العربية تحت الهيمنة الاستعمارية الغربية المباشرة, سياسيا واقتصاديا, ومزقت وطننا العربي إلى دويلات, وفتحت باب النزعات القطرية ونمّتها ودفعتها للاحتراب والاستعانة بالقوى الأجنبية للحفاظ على كياناتها القطرية. هذه الوحدة على الرغم من بعض الشوائب التي شابت مسيرتها, وساهمت في ضربها, شكلت منعطفا هاما في تاريخ العرب الحديث, وأكدت امكانية تحقيق الحد الأقصى من وحدة العرب, وليس فقط ما نطالب به اليوم, ولا نطاله, من الوصول إلى تضامن عربي أو تنسيق أو حتى مصالحة بين الحكومات العربية. وكان في دروسها الايجابية ما يشكل غنى للتراث القومي والوحدوي العربي لا يجوز اخفاؤه عن الأجيال العربية التي لم تشهده. فقد جمعت هذه الوحدة بين قطرين عربيين هامين, مثّل لقاؤهما دوما حالة نهوض في الواقع العربي, وحالة انتصار, وجاءت ردا على تكالب القوى الغربية بالتحالف مع الوجود الصهيوني في فلسطين في العدوان على العرب كما حدث في العدوان الثلاثي البريطاني ــ الفرنسي ــ الاسرائيلي على مصر عام 1956 في أعقاب تأمين قناة السويس. وكانت استجابة لارادة جماهيرية عربية عارمة في سوريا ومصر, وفي الوطن العربي بأسره, تجاوبت معها القيادات الوطنية الرسمية والشعبية في البلدين, وحملت من معاني التضحية الكثير مما نحتاجه اليوم, فقد أقدمت القيادة الوطنية في سوريا, وقتها, على خطوة نادرة بكل المقاييس, حين تنازلت طوعا عن موقع الرئاسة, لصالح القائد العربي التاريخي جمال عبدالناصر, دون ان تتوقف عند أية مغانم شخصية, أو تتمسك بكرسي تعلم انه إلى زوال. وقد بلغ الحماس للوحدة, والتجاوب مع الارادة الجماهيرية, حدا دفع بالقيادات الجماهيرية للأحزاب والقوى السياسية إلى التضحية بالتعددية السياسية, وعدم التوقف عند توفير شروط هامة لديمومتها, دون ان تضع في حسابها, ان ذلك قد يشكل خطرا على الوحدة يؤدي إلى زعزعتها من داخلها, ويفتح الباب للمتربصين بها لطعنها أو الطعن فيها. ويبدو التذكير بهذا التاريخ القريب زمنيا, المنسي واقعيا, أكثر ضرورة للأجيال الراهنة, فهذه الأجيال تجهل تاريخها بل يجري تجهيلها به, وصرفها عن الاهتمام به, وحتى يجري تغيبه عن الكتب المدرسية أحيانا, ولم تر هذه الأجيال في الوضع العربي إلا حالة الانشقاق والتجزئة, والصراعات العربية ـ العربية بحيث باتت تتصور ان الحالة العربية الراهنة, بما فيها من هيمنة استعمارية على الثروة والقرار السياسي, هي حالة دائمة يصعب الفكاك منها. وبدلاً من ان يجري تثقيف هذه الأجيال بالفكر الوحدوي, يغيب هذا الفكر عن تربيتها السياسية, وفي أحيان أخرى عندما يؤتى على ذكر هذه الوحدة, يؤتى عليها في مجال النقد والتشويه والتجريح. وفي هذا السياق يستغل أعداء الوحدة والمرتبطة مصالحهم بالمصالح الاستعمارية, هذه التجربة للهجوم على فكرة الوحدة والهجوم على قائدها التاريخي جمال عبد الناصر, وتصفية حساباتهم معه. وزاد من الاساءة للوحدة وفكرتها ظهور بعض الدعوات الوحدوية غير الجادة, التي أطلقها بعض المسؤولين العرب, بحيث أثر ذلك في قداسة الفكرة, وفي حشد الجهد الشعبي الكافي حولها. وحتى عندما فكر البعض ان يجد صيغا أخرى للوحدة, غير الصيغة الاندماجية, فأنشأ تجمعات اقليمية, طغت المصلحة القطرية والنزعات الذاتية لدى الحكام على المصلحة القومية, فلم تتمكن هذه التجمعات من ان تعكس أمام المواطن العربي صورة ايجابية لقضية الوحدة. وما دمنا قد فتحنا باب الحديث عن الوحدة, لتعي أجيالنا الشابة تاريخها القومي وتستوعبه, فانه من حق هذه الأجيال علينا, وواجب الأمانة تجاهها, يُحتم علينا أن نصارحها بالحقيقة, وان نكشف لها نقاط الضعف التي أدت إلى انهيار تجربة الوحدة, حتى تعيد صياغة تاريخها, متجنبة الوقوع في نقاط ضعف والسلبيات, وهذا يقودنا إلى القول, بأن تجربة الوحدة, ونظرا لما مثلته من مركز قوى في المنطقة ومركز استقطاب ودعم لحركة التحرر العربي ككل,وما شهدته من التفاف جماهيري واسع حولها, أثار الخوف لدى القوى الاستعمارية على مصالحها في المنطقة, وعلى الوجود الاسرائيلي, فوجهت كل سهامها للحملة على هذه الوحدة وقيادتها, والتقت معها في هذه الحملة عناصر داخلية, سواء بتأثير مباشر من هذه القوى الخارجية, أو بتأثير من تضرر مصالحها وامتيازاتها التي مستها قوانين الوحدة وانظمتها فراحت تمارس عملية تخريب داخلية, لتقويض دولة الوحدة من داخلها, كما ان بعض النزاعات العسكرية داخل دولة الوحدة, لم يستطع التخلص من نزوعها نحو التحكم والسيطرة, وطموحها للحكم, مما دفعها إلى ضرب دولة الوحدة من الداخل. وقد ساعد على ذلك تنامي دور الأجهزة الأمنية في دولة الوحدة, وبحجة حماية الوحدة, تجاوزت هذه الأجهزة حدودها, بحيث أساءت أكثر مما أفادت, وكانت نتيجة ذلك, انها قلصت من القاعدة الجماهيرية التي تصون الوحدة وتدافع عنها. وحتى القوى الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت التي يفترض فيها انها قوة معادية للاستعمار, ومساندة لنضالات الشعوب وتطلعاتها, اتخذت انطلاقا من موقفها الايديولوجي المناهض للفكرة القومية ــ موقفا غير ودي من هذه الوحدة, وقد أثر موقفها هذا بالتبعية في موقف القوى الماركسية في الوطن العربي, فاتخذت تلقائيا موقفا معاديا للوحدة, فأسهمت جميع هذه العوامل في ضرب تلك التجربة الرائدة. من هنا فإن تلك الوحدة لم تفشل إلا نتيجة تكالب مجموعة من القوى الداخلية والخارجية عليها, نظرا لما مثلته تلك الوحدة من تهديد لمصالح هذه القوى وأهدافها, ومن المؤسف ان التجربة الديمقراطية العربية حتى ذاك الوقت, لم تكن على درجة من النضوج, حيث توفر هذه الوحدة كل مقومات الدفاع عنها, والتصدي للأخطار التي تتهددها. لكن غياب دولة الوحدة لا يعني غياب فكرة الوحدة, ولاغياب المقومات الفعلية للوحدة في الساحة العربية, لا نتحدث هنا عن اللغة والتاريخ والجغرافيا والعقيدة, وإنما نعني المصلحة الوطنية والقومية, التي تؤكد أهمية الوحدة وضرورتها, وبنظرة بسيطة على الحالة الشعبية العربية, نجد كيف يصل تجاوبها إلى أقصى درجاته, عندما يتعرض أي جزء من الأرض العربية للعدوان الخارجي, وكيف تتوحد ارادة هذه الجماهير, لكنها تصطدم بجدار الحاكم العربي, والسلطة العربية القطرية, التي تفرغ الحركة الجماهيرية من مضمونها, كذلك نحكم على تجذر فكرة الوحدة في الشارع العربي, من خلال ترابط المصالح الاقتصادية القومية والتكامل الاقتصادي الذي يمكن ان يقود إلى حالة نمو وازدهار كبيرة في كل الوطن العربي, إذا ما وضعت الثروة العربية في خدمة التنمية العربية, ومن منظور قومي وليس من منظور قطري مصلحي ذاتي. ولكن ما يعيق هذا التكامل, ليس فقط هو الهيمنة الاستعمارية الخارجية واستغلالها للثروات القومية والعربية, وإنما تعيقها مصالح قطرية ضيقة تلتقي مع التأثيرات الخارجية, فتحول دون التوجه نحو صياغة اطار وحدوي, يحقق طموحات الجماهير العربية من جهة, ويوفر شروط التنمية والقوة للأمة ككيان واحد. ان التطورات الجارية في الساحة الدولية بما تعكسه من هيمنة القطب الواحد, وبما يحاوله هذا القطب من اعادة صياغة الوضع الدولي على هواه, تحت شعار العولمة, يحتم اعادة النظر في الموقف العربي, وضرورة توجهه نحو ايجاد صيغ وحدوية, ان كان على المستوى الثقافي أو الاقتصادي, وصولا إلى المستوى السياسي, لمواجهة عصر التكتلات الدولية والاقليمية, ان مثل هذا التوجه المطلوب عربيا, يمثل ضرورة حياتية تتعلق حتى بالبقاء, ليس فقط للأمة ككل, وإنما حتى لكياناتها الصغيرة, لأن مثل هذه الكيانات تصبح أكثر تعرضا لخطر الابتلاع والتلاشي, إذا لم تتأطر في اطار وحدوي أكبر, يحميها ويحافظ على استمراريتها مع مراعاة الخصوصية لكل كيان أو قطر على حدة.