وهاهو الحلم الامريكي البالغ الطموح يكاد يتشكل، ويترجم الى حقائق على ارض الواقع: ثم محالفة بين تركيا واسرائيل شأنها ان تحول موازين القوى في المنطقة.مع مطلع العام الحالي, توقف المراقبون المعنيون بأمور السياسة وقضايا الاستراتيجية في الشرق الاوسط عند المناورات البحرية التي شاركت في اجرائها سفن عسكرية, بين كل من تركيا واسرائيل وامريكا . المناورات كانت قد تعرضت مرتين للتأجيل بسبب معارضة دول المنطقة, التي مابرح العالم يعدها بمثابة برميل بارود قابل في اي لحظة للاشتعال .. ورغم ان المناورات لم تستغرق سوى اربع ساعات فقط لاغير, ورغم ان الادارة الامريكية الحالية جهدت في ان تغلف اجراءها, فضلا عن مشاركة البحرية الامريكية فيها, باكبر كمية تستطيعها واشنطن من اسباب التخفيف والتهوين لدرجة ان صرحت امريكا رسميا بأن المناورات البحرية الامريكية - الاسرائيلية - المشتركة انما اجريت لاسباب انسانية (!) ورغم محدودية السفن التي شاركت في المناورات المذكورة من حيث العدد على الاقل: خمس سفن من الأطراف الثلاثة بالاضافة الى عدد من طائرات الاستطلاع والهليوكبتر, رغم هذا كله, فقد جاءت الموقعة البحرية الجديدة رمزا وصفه الدارسون بانه آية على تعميق التحالف الاستراتيجي بين الاطراف الثلاثة المذكورة اعلاه وبشيرا او فلنقل نذيرا, بامكانية تغيير ميزان القوى في منطقة الشرق الاوسط وما وراءها وكل لك بفضل الرابطة التي وصفوها بانها متنامية بين كل من تركيا واسرائيل. وهناك من الاكاديميين من وصف هذه المناورات وقد حملت اسم. عروس البحر المأمونة او التي يمكن الاعتماد عليها بانها امر يتم لصالح امريكا في التحليل الاخير ومن ثم فان لدى واشنطن من الاسباب الوجيهة التي تدعوها الى مؤازرة جهود الطرفين الشرق اوسطيين في انقرة وتل ابيب, وفي دعم التحالف الاستراتيجي المتطور فيما بينهما. عاملان اساسيان. هذا الاهتمام والحرص الامريكي الحادب على هذه الرابطة التركية - الاسرائيلية يرجع بداية الى عاملين اساسيين يعود كل منهما الى كل من طرفي التحالف الجديد الخطير: (1) تركيا: تملك اكبر قوة عكسرية في المنطقة ولديها ثاني اكبر جيش في اطار حلف الاطلسي. (2) اسرائيل: تملك, بفضل الدعم الامريكي او فلنقل الغربي الذي ظل متواصلا على امتداد عقود من الزمن, قرارات تكنولوجية ومهارات علمية متطورة ومتقدمة وهي لا تتورع عن استخدامها لاستمرار وتكريس التفوق العسكري الذي تريد الحفاظ عليه في الشرق الاوسط, سواء بسبب هواجس الامن التي تستبد بالعقلية الصهيونية او بحكم دواعي السياسة المحلية والانتخابية ولتلبية مطالب التحالفات والترابطات الحزبية التي تجنح باستمرار الى المزايدة في اسواق الامن والقوة العسكرية والتوسع الاقليمي في ضوء اهداف المشروع الاستيطاني الصهيوني في القلب من منطقة المشرق العربي او الشرق الاوسط. نشر (دوف واكسمان) دراسة مهمة في احدث اعداد فصلية, واشنجتون كوارترلي المعنية بقضايا الاستراتيجية شتاء عام 1999 ويلفت فيها النظر الى ان السلام الامريكي في الشرق الاوسط ( باكس امريكانا) او هو السلام المفروض من جانب امريكا وطبعا الهادف الى تحقيق مصالحها - لا يمكن ان يسود او يحقق اهدافه المنشودة فيما تظل امريكا كواقع جغرافي بعيدة عن حدود المنطقة بكل اهميتها من حيث الموقع والموضع والنفط والبشر وفي هذا يقول الباحث المذكور: ثمة حلم كان بعيد المنال ... ظل يراود افئدة الساسة الامريكيين عهودا طويلة وهو يتمثل في تخفيف تعاطيهم المباشر مع امور منطقة الشرق الاوسط الشديدة الالتهاب, مع العمل في الوقت ذاته على ضمان السلم والاستقرار في المنطقة لتحقيق وتكريس المصالح الامريكية العليا بطبيعة الحال. ترجمة الحلم الى واقع لكن هاهو الحلم الامريكي البالغ الطموح يكاد يتشكل ويترجم الى حقائق على ارض الواقع: ثمة محالفة بين تركيا واسرائيل من شأنها ــ والحديث لايزال للاستاذ واكسمان ــ ان تحول موازين القوى في المنطقة الى صالح هاتين القوتين: تركيا واسرائيلي ( ومن ثم صالح امريكا ذاتها). ثم يتبرع السيد واكسمان, وهذا طبيعي في الولايات الامريكية والغربية بشكل عام باضفاء الصفات البالغة الايجابية على طرفي التحالف المذكور وفي مقدمة هذه الأوصاف انهما: ــ أكثر الاطراف في المنطقة اتباعا للديمقراطية. ــ وأشدها تحمسا وتطبيقا لاقتصاديات السوق. ــ وأقربها إلى صداقة الغرب وتأييده له والضرب بسيفه كما قد نقول. أوهام الديمقراطية والسوق وللمحلل العربي ان يتوقف كثيرا عند مقولات الممارسة الديمقراطية التي يراها تصطبغ بالانتقائية بل والتمييز العرقي لصالح فئات حاكمة سواء في اسرائيل أو تركيا, ولغير صالح فئات وقوميات محكومة في كل من الكيانين عربا كانوا أو أكرادا أو يهودا شرقيين (سفارديم) أو غيرهم من الأمم والشعوب, أما حكاية اقتصاديات السوق فقابلة بدورها للنقاش والتقييم وخاصة في مراحل التحولات الاقتصادية الكبرى حيث يمكن أن ينجم عن اقتصاد السوق عذابات بغير حصر وتكاليف لا تطاق تقع على كاهل أفقر الفئات وأشدها حرمانا وتهميشا.. ناهيك عن ان اقتصاد السوق في اسرائيل مثلا لا يمكن وصفه ــ في المطلق ــ بأنه اقتصاد سوق بالمعنى الدقيق بل هو اقتصاد ظل معانا ومدعوما وموصولا بأكثر من شريان يأتي من الخارج على شكل منح لا ترد وقروض بغير سداد ومعونات وتبرعات ظلت تهطل كالمطر وخاصة من يهود الولايات المتحدة.. فما بالك وقد قام الاقتصاد الاسرائيلي وما برح يقوم على نمط خبيث من النهب الكولونيالي لموارد الشعب الفلسطيني الذي أقيم الكيان الصهيوني فوق أرضه بالارهاب والغصب منذ نصف قرن أو يزيد قليلا.. ثم تعال إلى النمط الاقتصادي المتبع في القرى والمزارع الجماعية في اسرائيل وهو أبعد ما يكون عن الاقتصاد الموجه نحو السوق. والحاصل ان العاملين الأول والثاني لتكريس المحالفة التركية ــ الاسرائيلية فيهما قول كثير ويحفهما جدل ومحاجة أكثر, مما يبقي في النهاية على العامل الثالث وهو الأهم في رأينا ومؤداه ان هذا التحالف الجديد إنما قام أساسا لكي يخدم مصالح أمريكا والغرب بشكل عام, وهو ينال الدعم من أمريكا والغرب سواء بمنطق التأييد السافر, أو من خلال أسلوب التغاضي أو السكوت أو المؤازرة المستترة بحكم انه يقوم بين طرفين هما الأقرب إلى وجدان الغرب وفؤاد أمريكا في نهاية المطاف. من التعاون إلى التحالف إن دراسة (الواشنجتون كوارترلي) التي أحلنا إليها.. تعبر عن الأسى لأن الأمر لم يصل بعد إلى حد انشاء تحالف عسكري كامل ومعلن بين تركيا واسرائيل, ثم تتبرع باستدعاء أنظارنا إلى اتفاقيتي التعاون العسكري (وليس التحالف الكامل) الموقعتين بين الطرفين في فبراير وأغسطس من عام 1996. ورغم ان محتويات هذين الصكين ما زالت سرية(!) إلا ان المفهوم عند العارفين ببواطن مثل هذه الأمور انهما ينصان على عدد من البروتوكولات المتعلقة بتبادل الزيارات بين الضباط والعاملين وعلى مستوى القادة العسكريين, بالاضافة إلى تبادل زيارات السفن في موانىء الطرفين وتسهيل الوصول إلى مؤسسات التدريب العسكري على صعيد كل منهما, فضلا عن المشاركة في عمليات التدريب ذاتها في الجو وفي البحر, اضافة إلى التعاون في مجالات أمن الحدود (الهاجس الاسرائيلي المستمر) والتصنيع العسكري (تركيا تطمح إلى تصدير معدات عسكرية متطورة وخاصة إلى أسواق العالم الثلاث) وأخيرا تأتي الجهود المشتركة في مجال مكافحة الارهاب (ولعل أبرز ثمراتها التي شهدها العالم مؤخرا ما تردد عن دور الموساد في اعتقال الزعيم الكردي السجين حاليا, عبدالله أوجلان). ويؤكد هذا الدور, ما يذهب إليه الأستاذ واكسمان من ان ابرز اشكال التعاون بين أنقرة وتل أبيب ما يتمثل في مجال الاستخبارات حيث يتعاون الطرفان في ضوء أجندة المشاكل التي تواجه كلا منهما: اسرائيل لديها مشاكل الوجود الفلسطيني والعداء العربي (الشعبي والجماهيري بالذات) ولديها أيضا دور ايران المناهض لوجودها ونضال حزب الله والمقاومة اللبنانية الموجه ضد احتلالها لأراضي جنوب لبنان. أما تركيا فلديها خصومتها التاريخية مع اليونان ولديها دورها في مشكلة قبرص فضلا عن مشاكلها الداخلية وفي مقدمتها ــ كما أصبح معروفا في الآونة الأخيرة ــ قضية الوجود الكردي في غرب وجنوب الأناضول. من ناحية اخرى, ورغم غياب المحالفة العسكرية الكاملة والمعلنة بين اسرائيل وتركيا, فان مجرد وجود هذا النمط من انماط العلاقة والتعاون العسكري بين الطرفين يشكل بحد ذاته عامل تهديد حتى لا نقول عامل ردع بالنسبة لخصوم اي من الجانبين في الشرق الاوسط.. بل قد يذهب بنا الظن الى ان الحرص على سرية مواد اتفاقيتي التعاون السابق ذكرهما, هو امعان في تجهيل عناصر الخطر المرتقب وهو بدوره نمط من انماط الردع المعنوي بالنسبة لخصوم الطرفين في المنطقة, حيث لايعرف اي خصم مدى وشكل وحجم الاضرار التي قد تلحق به في حالة نزاع ينشب ضد تركيا أو اسرائيل, في هذا السياق بالذات ينشر الباحث السياسي الامريكي (مايكل ايز نستاز دراسة اصدرها في صيف عام 1997 معهد دراسات السياسة للشرق الاوسط ويقول فيها: ــ من المرجح ان تعمد تركيا الى مساعدة المجهود الحربي الاسرائيلي(في حال نشوب حرب تخوضها اسرائيل) ولكن بهدوء, بمعنى ان تمدها, بمعلومات المخابرات وبيانات الانذار المبكر (هجوم) الصواريخ وتكفل لها ملجأ تأوى اليه الطائرات او السفن الحربية الاسرائيلية المعطوبة, وتركيا بهذه الطريقة يمكنها ان تساعد اسرائيل على معاقبة جار مشاغب لها (!) وان تكسب ثقة زعماء اسرائيل السياسيين والعسكريين دون ان تتحمل انقرة في هذا مخاطر جسيمة) . بيد ان هناك الساسة والمحللين في امريكا ذاتها من يحذر من ان تنامي اواصر التعاون بين تركيا واسرائيل معناه اثارة المزيد من التوجس والقلق في العالم العربي, وهم في هذا المضمار لايخشون المساس باحاسيس اهل المنطقة قدر خشيتهم من ان يؤدي التعاون الاسرائيلي ــ التركي ــ الى اشعال شرارة تحالفات مضادة وانماط مكافئة من التعاون بين سائر الاطراف في الشرق الاوسط.. وهم يرصدون في هذا الخصوص اي حالات للتقارب, فضلا عن الشراكة والتفاعل والتفاهم بين سورية وايران, او بين سورية والعراق, ثم مؤخرا, بين سورية والاردن في ظل التطورات الاخيرة وفي هذا الاطار يرصدون خطوات قد تفوت عفوا, او تتوه في غمار توالي الاحداث والخطوب ومن ذلك مثلا, زيارة وفد سوري برئاسة رئيس غرفة التجارة الى بغداد او اعادة فتح ثلاثة مراكز حدودية بين سورية والعراق في صيف 1997, وهم يتوقفون كثيرا أمام نجاح ايران في الفترة الاخيرة في تجربة صاروخ باليستى متوسط المدى وقد رأى فيه المعنيون ان مداه يمكن ان يطال اسرائيل او تركيا, وانه بهذا كان بمثابة رسالة موجهة على عنوان كلا الطرفين, بل قد تصل عمليات الرصد الى متابعة التحركات المصرية منذ خريف العام الماضي حيث لو خطت القاهرة خطوات في تحقيق المزيد من التقارب مع كل من دمشق والرياض. وثيقة تأمين سياسية وسواء كانت تحركات القاهرة تتم من خلال القناعات المصرية المبدئية بضرورة الحرص على سلامة بل ودفء العلاقات العربية بوجه التحديات الناشبة من داخل المنطقة او من خارجها, او كانت تلك التحركات مقصودة من حيث المغزى او مستهدفة عمدا من حيث التوقيت, فان معناها في كل حال ان ثمة متغيرات تلحق بموازين القوى في الشرق الاوسط, وان هناك وعيا عربيا وخاصة على صعيد الدول الفاعلة المؤثرة على صعيد المنطقة ــ المشرق العربي ــ بتلك المتغيرات وبما يمكن ان ينجم عنها من اثار على مصالح اهلها وشعوبها. نحن اذن بازاء تعاون يمكن ان يصل الى مستوى التحالف المعلن والمكتمل بين طرفين غير عربيين في المنطقة التي نعيش فيها وهما تركيا واسرائيل, وما برح القوم سواء داخل هذين الطرفين, او في اطار شركائهما داخل المحالفة الغربية الاطلسية, او في امريكا ذاتها, يتحسبون لردود افعال العرب ومقاومتهم خطر التعاون التركي ــ الاسرائيلي باساليب شتى, لكن القوم في انقرة وتل ابيب, وفي اوساط الناتو وفي واشنطن يتحسسون جيوبهم ويتصورون انها تحوي وثيقة تأمين تضمن لهم الامان والاطمئنان ازاء اي رد فعل عربي فاعل وجاد وموثوق. .. هل تدرى ماذا يقول هذا الضمان وماهي طبيعته؟ ها نحن نحيل مرة اخرى الى (دوف واكسمان) الذي يقول في دراسته: ــ لقد حقق العرب فشلا منقطع النظير (!) في محاولاتهم انشاء تحالفات بينهم في الماضي وخاصة فيما يتعلق برص الصفوف في مواجهة اسرائيل, ولا يكاد يلوح في الافق ما يعد بأنهم سوف يحققون نجاحا في هذا الصدد في المستقبل, انهم (العرب) يصادفون من المشكلات الناجمة بين صفوفهم قدر مايواجهون من مشكلات ازاء تركيا او اسرائيل.. ولا يلوح في الافق اي احتمالات تذكر وتنبىء بانهم سوف يتغلبون على تلك المشكلات.