على الرغم من أن استفتاء الشعب السوري على بيعة الرئيس حافظ الاسد لولاية خامسة مدتها سبع سنوات مقبلة كانت نتيجته معروفة سلفا, الا أن الظروف الموضوعية التي تواجه سوريا داخليا وخارجيا, لم تكن لتسمح بغير هذا الخيار الوحيد سواء من حيث الشكل او المضمون ! واذا كانت معادلة الصراع العربي الاسرائيلي قد وضعت على كاهل مصر مسؤولية الحرب, فبدون سوريا يستحيل ان يتحقق السلام, وذلك ان القاهرة معقل قيادة المسيرة العربية, كما وأن دمشق القلب النابض دوما بالعروبة ومرجعيتها القومية والوحدوية, ولاشك ان الرئيس حافظ الاسد قد استطاع بحنكته السياسية وارادته الحاسمة على مدى 28 عاما من حكم سوريا, ان يجنبها ويلات الخلافات الحزبية العقيمة ومسلسل الانقلابات العسكرية العبثية, وأن يؤمن وحدتها الوطنية كمقدم اساسي لمجابهة مهام البناء في الداخل, ومواجهة العدوان الذي يتربص بها من الخارج! ومن هنا يكمن مغزى ودلالات المسيرات الشعبية الطوعية التي زحفت على مقرات الاستفتاء لبيعة الرئيس الاسد, وتلك الاحتفاليات الباهرة التي أعربت عن تمسكها بقيادته وثقتها في حكمته, خاصة في الوقت الذي باتت سوريا في موقف لا تحسد عليه بين مطرقة اسرائيل وسندان التحالف التركي الاسرائيلي, وبين التزاماتها بأمن واستقرار لبنان ودعم المقاومة في جنوبه المحتل, وبين مخاوفها من مخاطر اختراق اسرائيل للجبهة الاردنية اثر توقيع اتفاقية (وادي عربة) مما قد يؤدي الى تشتيت مجهودها الحربي الدفاعي او الوقائي. والشاهد انه لولا مبادرة الرئيس حسني مبارك الى نزع فتيل الازمة المفاجئة بين تركيا وسوريا قبل انفجارها, بالتزامن مع رحيل عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني الى روسيا ثم ايطاليا وأخيرا إلى تركيا, لكانت انقرة قد نفذت تهديدها ضد سوريا, كما وان مشاركة الرئيس حافظ الأسد في تشييع جنازة الملك حسين الى مثواه الأخير, كانت بمثابة لفتة سياسية بارعة وفرصة مواتية لتلطيف اجواء التوتر في العلاقات السورية الاردنية, وسد المنافذ امام المؤامرات الاسرائيلية الرامية للوقيعة بين البلدين. لكن وفي نفس الوقت يتعين النظر بعين الاعتبار, الى أن مبادرة الرئيس حسني مبارك كانت موقوتة بظرف طارئ, وان تأثيرها غير قابل للاستمرارية على المدى البعيد في اثناء تركيا عن السير قدما في تحالفها الاستراتيجي مع اسرائيل, وتهديده المباشر للأمن القومي السوري تحديدا لاسباب عديدة.. لقد اعترف وزير خارجية امريكا الاسبق هنري كيسنجر بأن الرئيس حافظ الاسد اصلب الزعماء العرب واكثرهم صمودا امام الاغراءات او التشديدات التي استهدفت سوق سوريا الى حظيرة السلام, وكان يعني السلام الاسرائيلي الذي يرفض عودة كامل تراب الجولان السليب الى الوطن الام, فهل من المعقول اذن ان تغامر تركيا بالاعلان جهارا عن استعدادها لضرب سوريا الا ان تكون قد تلقت من امريكا الضوء الاخضر, وان تكون على رأس مهام التحالف التركي الاسرائيلي تهديد سوريا وتليين موقفها من السلام؟ اسرائيل من ناحية تمثل اداة امريكا للحفاظ على مصالحها وتنفيذ استراتيجيتها الكونية في الشرق الاوسط, مقابل السماح لها بتنفيذ مراحل مشروعها التوراتي على حساب الوجود العربي, ولاشك ان كسر صمود الجبهة السورية يصب في مصلحة تجسيد قيام اسرائيل الكبرى, وتركيا عضو عامل في الحلف الاطلسي منذ الخمسينات, وكانت من قبل شريكا ضالعا في مختلف الاحلاف الغربية المشبوهة التي شهدها الشرق الاوسط وباءت جميعها بالفشل بفضل الدعوة الى استقلالية ووحدة الارادة العربية التي تبناها الرئيس جمال عبدالناصر انذاك. وتركيا اليوم تطمح عبر تحالفها الاستراتيجي مع اسرائيل, الى انجاز هدفين: الأول: الرهان على نفوذ اسرائيل في الانضمام الى عضوية الاتحاد الاوروبي. الثاني: استعادة سابق نفوذها في المنطقة العربية كقوة اقليمية, وفقا للخطة التي وضعها مارتن انديك عام 1993, ابان كان مستشارا مقربا للرئيس كلينتون قبل ان يشغل منصب مساعد وزيرة الخارجية الامريكية لشؤون الشرق الاوسط والمشرف على الملف العراقي. فاذا وضعنا في الحسبان مخاوف تركيا من تنامي القوة العسكرية الايرانية, واعلان القيادة الايرانية في اكثر من مناسبة عزمها على التدخل العسكري المباشر اذا ما تعرضت سوريا للعدوان, فضلا عن دعمها للمقاومة في الجنوب اللبناني بزعامة حزب الله, عندئذ تتضح معالم الصورة الكلية لمبررات التحالف الاستراتيجي التركي الاسرائيلي وأهدافه المرحلية والبعيدة, خاصة وان التقرير العسكري الذي وضعته الجامعة العربية امام الدول الاعضاء اواخر العام الماضي, يؤكد على ان المناورات العسكرية التركية الاسرائيلية الاخيرة التي اطلق عليها (حورية البحر) , لم تكن تتعلق على نحو ما أعلن ــ بالتدريب على وسائل الانقاذ البحري, وإنما التدريب على (بروفة) احتلال منطقة قريبة من لواء (الاسكندرونة) الذي اقتطع من سوريا ابان الانتداب وتم استيلاء تركيا عليه عام 1939! المعروف ان الرئيس الاسد التقى بالرئيس كلينتون على خلفية تشييع جنازة الملك حسين, وبعدها صدر عن بنيامين نتانياهو تصريح يفيد استعداده للتفاوض مع سوريا قبل نهاية العام الحالي حول مصير الجولان, لكنه لم يحدد الموعد ان كان قبل اعلان نتيجة الانتخابات الاسرائيلية ام بعدها, خاصة وان احتمال فشل الليكود وارد, في الوقت الذي انهى الكنيست قراءته الثالثة لقانون يكرس ضم الجولان الى اسرائيل, الامر الذي رأت فيه دمشق مجرد مراوغة ومحاولة لكسب الوقت من جانب نتانياهو.. على ان الرئيس الاسد لا يضع رأسه في الرمال, ويدرك ان اسرائيل تضع في حسبانها منذ عام 1968 الماضي احتمالات شن عدوان عسكري على الجبهة السورية, في ضوء ما كشفت عنه المخابرات الاسرائيلية عن قدرة سوريا على خوض حرب صاروخية ضدها, من الممكن تزويدها برؤوس كيماوية, مصحوبة بهجوم بري واسع على الجولان, ورغم ان المراقبين يستبعدون هذا الاحتمال الا اذا اجبرت سوريا على الدفاع عن النفس, لكن زئيف ماعوز رئيس مركز (يافي) للدراسات بجامعة تل ابيب اكد على أن الخطة الاسرائيلية باتت جاهزة للتنفيذ في الوقت الملائم, وهو ما يفسر عزم سوريا مؤخرا التعاقد مع روسيا على تزويدها بصفقة سلاح قوامها مليارا دولار, بينها صواريخ دفاع جوي طراز (اس ــ 300) يصل مداها الى 150 كيلومترا, علما بان ديون سوريا العسكرية للاتحاد السوفييتي السابق تصل الى 12 مليار دولار, فهل تستشعر الدول العربية مسؤولياتها القومية ازاء دعم صمود سوريا في ظل ولاية الرئيس الأسد الخامسة بالفعل.. لا بمجرد العبارات الحماسية والتمنيات الجوفاء التي لا تجدي في كبح جماح الخطر الاسرائيلي التركي الذي يتهدد الوطن العربي برمته ــ هذا هو السؤال!