منذ ان لفتت انتباهي مقالاته وابحاثه بما حملته من نقلة نوعية فكرا واسلوب نضال في مكافحة الصهيونية ايقنت اني امام (مشروع قائد) فلسطيني من طراز جديد ومتقدم عما ألفته الساحة الفلسطينية . كان ذلك منذ حوالي اربع سنوات, ولما كتبت عنه لاول مرة نبهت القارىء العربي ان يحفظ اسمه في ذاكرته لان صاحبه واعد بأن يكون رجلا ذا شأن ودعوت الله ان يحميه من شرور الصهيونية والصهاينة. انه عزمي بشارة القائد العربي الفلسطيني (الاسرائيلي) الرائد الآن الذي بدأت الديمقراطية الاسرائيلية تضيق به ذرعا واتفقت جميع القوى والاحزاب الاسرائيلية على ضرورة محاصرته واسقاطه, وربما على ما هو اكثر من ذلك بتحويل ملفه الى احد اجهزة المخابرات لتركيب فيلم حول نشاطاته يكفل نفيه عن البلاد او تصفيته لا سمح الله.. لماذا؟ وما هو سر خطورة عزمي بشارة؟ في البداية نذكر ان عزمي بشارة فلسطيني ابن فلسطيني حتى عاشر جد واكثر وهو من صمدت اسرته امام نكبة 1948 واختارت البقاء فوق تراب الوطن مهما كانت المعاناة. كان طفلا واعيا في بيت مسيس فربا وترعرع في غمار الصراع العربي ـ الفلسطيني وعاصر كل ما رافق هذا الصراع من آمال وآلام, من اوهام وحقائق, من شعارات وايديولوجيات الى ان استخلص ما استخلص من عبر ودروس الآخرين, فاستلهم ما آمن به من سبيل لتحقيق انسانيته بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى وما تمنحه من حقوق. وانطلاقا من الواقع الذي فرضته قوى القهر في فلسطين وتحويل جزء منها الى كيان غريب عنها كل الغرابة, بداية من اسمها الى هويتها فعقيدتها, نهض عزمي بشارة متحديا اسرائيل, مستخدما زعمها بأنها دولة ديمقراطية ليطالب بممارسة حقوقه السياسية بصفته عربيا غير يهودي قبل اي شىء آخر. وهنا انتصبت الاشكالية التاريخية امام ديمقراطية اسرائيل ويهوديتها بشكل مجسد من خلال حركة سياسية ناشطة. وكانت هذه الهبة نقطة انطلاق لنموذج جديد من النضال الفلسطيني داخل اسرائيل اعطى الفلسطيني هناك خيارا ثالثا غير الانضواء للحزبين الصهيونيين التقليديين, العمل والليكود, اللذين كانا ينظران الى اصوات الناخبين العرب ككتلة (كمية) يمكن تجييرها الى هذا الحزب او ذاك مقابل وعود تافهة لتحقيق مطالب معيشية محددة دون الحاجة الى اي تنازلات اساسية. ولانه ينطلق من واقع الحقيقة مدركا ايجابياتها وسلبياتها ولانه جاد في تغيير الخريطة السياسية دون انتكاس, أعلن عزمي عن تمسكه باللعبة الديمقراطية وفق ما تزعمه اسرائيل وانخرط بالنضال في اطارها مراعيا قوانينها ومفرداتها. ولذلك لم يكن يخشى الجهر بما يطالب به, بل كان يتحدى خصومه بالقول الدائم: انني ارحب بأي نقاش حول طبيعة وهوية الدولة, فبرنامجي ليبرالي ديمقراطي واذا كانوا يريدون تقديم شكوى الى لجنة الانتخابات المركزية ــ كما يهددون ــ ضد شرعية حزبي فإني أعتقد ان القضية ستتحول الى شرعية الديمقراطية في هذا البلد. وحزبه المعروف بـ (التجمع الوطني الديمقراطي) لا يشكل تحديا للحلبة السياسية اليهودية وحسب وانما للحلبة السياسية العربية داخل اسرائيل التي كانت تكتفي بلعبة بيضة الترجيح بين هذا الحزب الصهيوني او ذاك ولا شك ان التجمع الوطني الديمقراطي الذي بدأ متعثرا في البدايات, وزادت مواقف السلطة من هذه التعثرات, اصبح اليوم اوسع انتشارا في صفوف الجماهير بعد تعاظم اعداد المنضمين اليه ممن كانوا في صفوف الوطنيين الفلسطينيين, وممن كان بعضهم في الحزب الشيوعي او حركة ابناء البلد او انصار القائمة الوطنية التقدمية, مما اثار مخاوف اليمين واليسار الاسرائيليين وضاعف من محاولات اخراج عزمي بشارة وحزبه عن القانون تمهيدا للتصفية النهائية. اسرائيل دولة لجميع مواطنيها, ام هي دولة يهودية, هذا هو السؤال الاستراتيجي الذي رفعه عزمي بشارة. فإن كانت لمواطنيها ــ يسترسل عزمي بشارة ــ فلماذا يعامل العربي فيها كمواطن من الدرجة الثانية؟ بالتأكيد قانونيا ان اسرائيل (دولة يهودية) الامر الذي لا يمنح غير اليهود من الاسرائيليين حق التماثل مع الدولة ورموزها؟ واذا كانت اسرائيل دولة لجميع مواطنيها, فعليها الغاء (قانون العودة) لليهود الذي يجسد ابشع انواع التمييز العنصري, اذ يسمح لاي يهودي في اي مكان في الدنيا ان يصبح اسرائيليا حتى قبل ان تطأ قدماه مطار بن جوريون, ويحظى بأفضليات في الجنسية وما تمنحه من حقوق على العربي الفلسطيني الذي ولد وترعرع في هذه البلاد منذ مئات السنين. الى ان تقرر اسرائيل هويتها النهائية ــ يقول عزمي بشارة ــ فإني سأعمد الى ترشيح نفسي في انتخابات رئاسة الحكومة لا أملا بالفوز المستحيل ولكن من اجل التأكيد على الحق الفلسطيني قانونيا. ولكي اوجه رسالة الى الاحزاب الصهيونية و(العمل) بشكل خاص بأن الصوت العربي لن يكون مضمونا لمرشحيهم لرئاسة الحكومة قبل التجاوب مع المواقف والتطلعات العربية الفلسطينية. ان الابداعية الفكرية عند عزمي تتجلى في تمييزه بين (المواطنية) كما تدل عليها جنسية حاملها وبين الهوية القومية لهذا المواطن, وهو في هذا الصدد ودفاعا عن فكرته هذه ينادي بتطبيقها على الجميع بما في ذلك الاقطار العربية بمعنى انه يمكنك ان تكون سوريا او مصريا او اردنيا او مغربيا وتكون في نفس الوقت كرديا او عربيا مسلما او مسيحيا وطالما ان الدولة لجميع المواطنين فتنتفي عنها عندئذ اي صبغة عنصرية او عرقية, وهذا لم يحسم بعد في اسرائيل ولا يبدو انه في طريقه للحسم, طالما تتمسك الصهيونية بأن اسرائيل دولة يهودية. مرة اخرى ادعو واصلي لحماية عزمي بشارة وبكل الخشوع بعد ان شاهدنا ما شاهدناه مؤخراً من مدى القسوة والظلم وانفقاد الضمائر بالنسبة للزعيم الكردي عبدالله اوجلان الذي كان للموساد دوره الكبير في رصد حركاته وملاحقته وتمكين الاتراك من خطفه وايداعه الزنزانة في جزيرة موحشة في بحر مرمرة. لو لم تكن اسرائيل الصهيونية مثل تركيا الطورانية كيانا عنصريا يرفض الاعتراف بتعددية المجتمع القائم فيه وتنوع ثقافاته ودياناته ومنابعه ويصر على تمييز عرق ما او ديانة ما او لون ما على ما عداه لما كان هذا الحماس للموساد في تقديم خدماتها المخابراتية لضرب حزب العمال الكردستاني الذي يحاول تثبيت هويته القومية داخل الكيان التركي, بل ولما كان هذا التحالف السري التاريخي بين تركيا واسرائيل والذي بات علنيا في هذه الايام العربية الرديئة, انهم في تركيا شأنهم شأن اليهود في اسرائيل يطلقون على (الغير) حين الاضطرار للاشارة اليهم اية تسميات غير اسمهم الحقيقي وهويتهم القومية. الاكراد في تركيا يسمونهم (اتراك الجبال) وفي اسرائيل يسمونهم عرب المناطق أو ما يشابه هذه التسمية. ممنوع ذكر كلمة كردي في تركيا, تماما ككلمة فلسطيني في اسرائيل. انه تحالف يتجاوز السياسات الطارئة الى تحالف الكيانات المتشابهة, الكيانات العنصرية القائمة على مبادىء التمييز! هذا هو تحالف تركيا مع اسرائيل, وتلك هي قاعدته. واذا كانت اسرائيل اكثر حرصا من حليفتها على سمعتها الديمقراطية إلا انها من وراء ذلك القناع لا تقل عنصرية عنها ولا تقل قسوة ولا وحشية. ولذلك على جميع الشرفاء والاحرار ممن تبقى على وجه هذه الكرة في عصر مونيكا لوينسكي ان يبقوا اعينهم مفتحة يقظة على مصير رجال من امثال عزمي بشارة كي لا ينتهوا في زنازين الانفراد في الجزر المهجورة مثل عبدالله اوجلان! حماك الله يا عزمي كاتب وسياسي فلسطيني مقيم في لبنان