ما الذي حدث في العراق طوال الايام القليلة الماضية بعد اغتيال العلامة آية الله محمد صادق الصدر ؟ هل صحيح ان ثمة انتفاضة جديدة؟ هل صحيح ان هناك معارك تجري وقتلى وعمليات قصف مدفعي يقوم بها الجيش العراقي ضد مدنيين مزعومين؟ لا ريب ان التعبير عن الغضب تجاه اغتيال الصدر امر وارد, بما انه رجل له وزنه ومكانته الدينية. لكن هذا شيء والحديث عن اضطرابات واحتجاجات ذات طابع طائفي ضد الحكومة شيء اخر, وربما سعى من روجوا هذا الحديث الاخير الى بث فتنة طائفية في العراق, على غرار ما يفعلون في مناطق اخرى من العالم. لكن لحسن الحظ كان المواطنون العراقيون اكبر من ان ينجروا الى هذه الفتنة, وما وراءها من مخططات جهنمية. وحسن الحظ هنا ليس مرتبطا بمسار تطور الاحداث نفسها, حسن الحظ ان ما قيل لم يكن هو الحقيقة عينها. ان من قرأ أو سمع ما قالته المعارضة العراقية حول هذه الاحداث سوف يدرك على الفور, ان بعض هذه الجماعات باتت جزءا في اطار السيناريو الامريكي تجاه العراق. وسوف يدرك ان تلك المعارضة تعيش في احلام اليقظة وتستحوذ عليها الخيالات من كل جانب وهي قد تكون معذورة لانها تعيش خارج العراق, لكن حجم المبالغات والترهات لا يكشف ايضا سوى عن حالة افلاس غير معهودة. سيظل صحيحا كذلك القول بأن بغداد لم تتعامل بما يكفي من الشفافية مع هذه القضية, وهي لو فعلت لربما كانت وفرت على نفسها وعلى الاخرين الكثير من البلبلة والتشويش. والواقع اننا لم نكن لنتوقف كثيرا عند هذه المسائل, لولا ان لها ارتباطا وثيقا بأحداث سبقتها, لو لم يكن لها ارتباط بالجهد الامريكي اياه لانفاذ التغيير في العراق. لقد اتضح ان عدوان الاربعة ايام الذي شنته واشنطن ولندن على بغداد في ديسمبر الماضي, لم يكن سوى حلقة ضمن سيناريو اكبر هدفه النهائي هو اسقاط النظام. وحسبما يتضح الآن فقد كان هذا السيناريو معداً كي يشيع حالة من البلبلة والفوضى من خلال الضربات الجوية, التي استهدفت بدورها اغتيال المسؤولين العراقيين, وفي الوقت نفسه عزل بغداد عن باقي المناطق بعد تدمير البنى التحتية للقوات المسلحة وقطع الاتصالات بين وحداتها. وفي هذه الاثناء تكون مجاميع من المعارضة العراقية قد تسللت الى داخل العراق مستغلة الوضع الناجم عن القصف الجوي. وفي مرحلة لاحقة وبعد ان تكون هذه المجاميع قد تغلغلت بين السكان, تقوم بتعبئتهم ودفعهم للتمرد والعصيان, مع افتعال مواجهات دامية مع الجيش العراقي لاذكاء الغضب الشعبي. الهدف المرحلي لهذا السيناريو هو فصل الجنوب عن باقي العراق, واقامة محمية امريكية فيه, تكون منطلقا لعمليات عسكرية موجهة نحو بغداد. والواقع ان هذا السيناريو الامريكي قد ابلغ الى العديد من الجهات والاطراف, وعلى الاقل ضمن خطوطه العريضة, وبعضها بنت حساباتها على هذا الاساس, اساس ان النظام في العراق سوف يسقط بنتيجة هذه العمليات. على أي حال المخطط الامريكي لم ينجح, ومعظم العناصر التي قدمت الى العراق تم احتواؤها, سيما بعد ان اكتشفت ان ما قيل لها عن الوضع الامني ليس صحيحا. وربما كان قرار الادارة الامريكية ايقاف القصف بعد اربعة ايام يعود الى فشل هذه الخطوة بالذات. لكن بالطبع قد يكون بعض تلك العناصر نجح في الافلات من قبضة القوات العراقية, وربما وجد طريقه الى داخل العراق. واغتيال اية الله الصدر ليس بعيدا عن هذا السيناريو, في ظل فشل سيناريو الضربات العسكرية, فقد كان واضحا ان الهدف هنا ايضا هو دفع السكان الشيعة بأية وسيلة للخروج للشارع والتصادم مع قوات الامن. والملاحظ كذلك انه في الحالتين كان اسلوب التعامل الاعلامي واحدا. في القصف الجوي كان المخططون الامريكيون يتصورون ان هناك مظاهرات في الجنوب, ولذلك كانت المناشير التي اسقطها الطيارون الامريكيون والبريطانيون في هذه المناطق والموجهة لافراد الجيش العراقي, تقول جملة واحدة هي بما معناه ـ لا تقاتلوا السكان المدنيين ونحن لن نتعرض لكم. وفي حالة اغتيال الصدر كان هؤلاء يتصورون ايضا ان الاضطرابات تعم العاصمة العراقية بغداد ومناطق الجنوب, وان الوقت قد حان للشروع في عملية اسقاط النظام. ولهذا اعدت جميع وسائل الاعلام الغربية وبضمنها وكالات الانباء نفسها, على هذا الاساس, واتسمت تغطيتها الاخبارية بنفس تصعيدي واندفاع غير مسبوق متصورة ان الامر سوف يطول. لكنها تراجعت بعد ان اكتشفت حقيقة الواقع, واضرار الدعاية غير المنطقية. ومن هذا يتضح انه ليس فقط جماعات المعارضة هي بعيدة عن الواقع وتحلق في الخيال, اتضح كذلك ان واشنطن هي الاخرى قد ادمنت على احلام اليقظة فيما خص العراق.