ايام في ايران: بقلم الدكتور ـ محمد الرميحي

ليس من رأى كمن سمع وحتى من رأى ليس بالضرورة انه رأى نفس ما يراه الآخرون, فبعض المراقبين يأتون الى بلد ما وعلى عيونهم نظارة تلون الاشياء بلون زجاجها, هذه النظارة قد تكون خبرة سابقة او تحيزا تاريخيا او قراءة خاطئة للاحداث, او وهما عالقا منذ زمن غذته الخرافة وسقاه التعصب . لم ازر ايران منذ ما قبل الثورة الايرانية وكانت زيارتي الاولى لها حدثا يوصف فقد قررت حكومة الشاه في النصف الثاني من السبعينات ان تقيم جامعة تسمى جامعة الخليج, ولم اكن من المقبولين وقتها لزيارة ايران, ولما كنت اشرف على اصدار مجلة اكاديمية في جامعة الكويت هي (دراسات الخليج) وبصفتي تلك دعاني المنظمون وهم مجموعة من اساتذة جامعة هارفرد الامريكية, وجامعتي القاهرة وبيروت الامريكية للمساهمة في النقاش الاكاديمي حول الجامعة المزمع اقامتها, كان ذلك على وجه الدقة في اليوم الاخير من شهر ديسمبر 1977. وصلت الى طهران بسبب اختلاف في مواعيد الطيران بعد يوم من الموعد المضروب, وحيث ان الاجتماع كان في الشمال في مدينة (مازندران) وقد سبقني الفريق العلمي اليها, كان علي ان اقضى الليلة في احد فنادق طهران غريبا ومستوحشا. في تلك الليلة كان نومي قلقا وفتحت الراديو مبكرا على اذاعة الكويت, وكان الخبر المفجع الذي سمعته هو انتقال المرحوم الشيخ صباح السالم طيب الله ثراه, الى الدار الآخرة بعدها بقليل حوالي الساعة السادسة صباحا, سمعت ضجة في الشارع الخلفي للفندق الذي سكنت فيه, اطللت فوجدت حوالي مائة من المواطنين الايرانيين يبدو من ملابسهم انهم طلاب, وخلفهم ثلة من الجنود بخوذاتهم يطاردونهم كان منظرا غير متوقع في هذه الفترة المبكرة من الصباح وفي العاصمة الايرانية وفي ذلك الوقت من الزمن. بعد وصولي الى مازندران وكانت الاجتماعات تعقد في فليلا منعزلة في تلك المدينة الجميلة والوقت كان البدايات الاولى من شهر يناير 1978 قصصت ما شاهدت على المجتمعين وكان من بينهم عرب وامريكان وايرانيون كلهم من الاكاديميين, وكان كل ايراني تقريبا في تلك المجموعة يأخذني في فسحة الشاي بعيدا في حديقة الفيلا كي اقص عليه بالتفصيل ما شاهدت في طهران, وبعد ان انتهي من رواية ما شاهدت كان يمط شفتيه ويقول: مظاهرة في طهران لابد انها من تنظيم السافاك؟ (الشرط السرية لحكومة الشاه) لم يكن احد يصدق. لم يكن احد حتى الاكاديميين, والذين من المفروض ان تكون لهم نظرة اعمق فيما يدور حولهم.. يعتقد او يتصور ان تقوم في طهران مظاهرة صغيرة بالحجم الذي وصفت في شتاء ذلك العام, فما بالك بثورة عارمة تقلب كل شىء, شهر يناير ذاك هو الذي زار فيه الرئيس الامريكي جيمي كارتر طهران, وشرب (نخب واحة الاستقرار في الشرق الاوسط) . هذه الحادثة التي رويتها علمتني شخصيا درسا بالغ الثراء وهو ان تتوقع في السياسة غير المتوقع فما بالك ان كان هذا المتوقع له مقدمات ومظاهر لا تخطئها الاعين؟ لم تمر على مشهد تلك الليلة في طهران عشرة اشهر إلا واصبح في ايران حكم مختلف وفكر في السياسة والادارة مخالف جذريا لما كان عليه من قبل بل اصبح هناك طبقة كاملة من الحكام بعضهم لم يتصور فى اعلى مراحل الحلم, ان يكونوا في سدة الحكم قبل اشهر قلائل من الوصول اليه بالفعل في تلك السنة الحاسمة في تاريخ ايران المعاصر والتي قاد فيها رجال الدين في ايران تحالفا واسعا مكونا من كل القوى التي ناصبت الشاه العداء لقلب النظام وانشاء الجمهورية الاسلامية. مرت على تلك الحادثة سنوات طويلة كما مرت سنوات طويلة نسبيا على الثورة الايرانية خاضت فيها معارك خارجية وداخلية شرسة ومعقدة, ولم يكن اخطر ما خاضته هي المعارك في الخارج على اهميتها ولكنه الصراع الداخلي الذي لايزال محتدما على طاولة المهتمين بادارة شؤون البلاد والعباد حول شكل الحكم ونوع المؤسسات المطلوبة, ودورها في الحكم هذا هو اهم ما واجه ويواجه جمهورية ايران الاسلامية وهي تستعد لمواجهة دورة سادسة من الانتخابات التشريعية في العام القادم. افرزت الثورة الايرانية مجموعة من المؤسسات تباعا وهي تتدرج في تاريخ حكم ايران, وهي مؤسسات غير مسبوقة في تاريخ الامم لها مشابهات ولكن ليس لها مثيل, فالانتخابات للمجالس التشريعية عامة ولكنها مشروطة, وكذلك الترشيح للمناصب السياسية الكبرى كما ان هناك مؤسسات مراقبة عضويتها خليط بين الانتخاب والاختيار. يطلق على حكم حجة الاسلام السيد خاتمي الذي انتخب رئيسا لايران بأغلبية مطلقة في الاسبوع الاخير من مايو 1997 انه حكم الجمهورية الثالثة بعد ان تحول بندول الثورة الايرانية من اليسار (الديني) الى اليمين الديني في غضون السبعة عشر عاما السابقة لانتخابات خاتمي ولم يكن ذلك التحول بين الاقصيين إلا جزءا من جهود البحث عن طريق للحكم في اطار المبادىء العامة التى ارساها قائد الثورة الامام الخميني, وهي مبادىء مثل الكثير من المبادىء تحتمل في معظمها اكثر من تفسير واكثر من اجتهاد في مجال التطبيق. المطلعون على الامور يعتقدون ان المنافسة الاساسية في اللحظة التاريخية الحالية هي بين تيارين تيار يدعو الى اعتماد مبدأ التسيير اي ان الناس مسيرون في امورهم الدنيوية طبق مقولات ثابتة وقوالب معدة عبر الموروث التاريخي فيما التيار الثاني يدعو الى اعتماد مبدأ التخيير اي ان الناس مخيرون في انتخاب الاصلح بين المقولات المستجدة في ادارة امورهم الدنيوية من خلال استخدام عقولهم واجتهاداتهم. هذه الاطروحات ليست جديدة على التراث الايراني السياسي الديني فقد طرحت نفس او ما يقارب هذه الافكار منذ بداية القرن في الثورة الدستورية الاولى سنة 1906 وكان التعبير وقتها بين (المشروطة) والتي كانت ترى ان التغيير في الملكية على اساس دستوري وبرقابة رجال الدين وبين الرؤية (المشرعة) اي تطبيق الشريعة الاسلامية على يد رجال الدين فورا وبالشكل الثوري. والمطروح اليوم في ايران هو نفس المطروح على الكثير من الشعوب الاسلامية بشكل او آخر الجمهورية الثالثة تأخذ في نظر خاتمي ومؤيديه بالعقل قبل النقل وبالتدرج قبل القفز وبالمزاوجة بين الدين والحريات في ابتداع خلاق معايش للعصر, وقد نقل عنه قوله (ان وضع الدين بوجه الحريات خسارة للدين وللحريات معا) . المعركة السياسية في جمهورية ايران داخليا هي من نوع الجهاد الاكبر حيث ان الايرانيين جميعا لديهم اجماع تام على حفظ وطنهم من اي اعتداء خارجي, فهم متحدون خارجيا ومتحاورون (وبكثير من الحدة داخليا) . هذا الحوار الذي يشجعه خاتمي وانصاره يفتح في ايران ابواب الكثير من الاجتهادات والاجتهادات المضادة ولسوف يستمر هذا الحوار ملقيا بظلاله على نتائج الانتخابات البلدية التي جرت في نهاية الاسبوع الماضي, وكذلك على نتائج الانتخابات النيابية في السنة القادمة التي سوف تعقبها انتخابات اخرى لرئاسة الجمهورية, فعلى نتائج هذه الانتخابات يعتمد تطوير ايران المستقبلي وانتقالها من (تثوير) الشارع الايراني الى (تنظيمه) ولكن المهمة ليست سهلة. هناك منطقتان مهمتان في السياسة الخارجية الايرانية هما ما يتعلق بالخليج ووسط آسيا وتعقد لهما الخارجية الايرانية سنويا مؤتمرا يضم بعض الاكاديميين العرب والاجانب بجانب الايرانيين ويحضر هذا الملتقيات سفراء ايران في هاتين المنطقتين, وكان الاجتماع الاخير ـ آخر فبراير ـ هو التاسع من نوعه, وتريد ايران الرسمية بذلك ان تقوي علاقاتها ـ ولو المعرفية ـ بهاتين المنطقتين استراتيجيا واقتصاديا. هناك فقر معلوماتي متبادل بين ايران ومنطقة الخليج ولعل افضل وصف لذلك هو انه حتى اليوم مازلنا نرى بعضنا بعضا من خلال نظارة تحدد (شخصية نمطية ايرانية) لدى معظم عرب الخليج وكذلك (شخصية نمطية عربية) لدى معظم الايرانيين بسبب التراكم التاريخي السلبي بين هاتين المنطقتين والثقافتين, رغم انهما من اقرب المناطق جغرافيا لبعضهما وهناك تداخل في النسيج الاجتماعي والثقافي بين ضفتي الخليج الذي يمتد لتاريخ طويل من الزمن, اما التاريخ الاقتصادي فقد كان دائما متواصلا. لذلك فإن الفهم المشترك هو اولى الخطوات المطلوبة وهذا يتطلب الفهم الثقافي المشترك, ففي جمهورية ايران الاسلامية هناك عناية معقولة باللغة العربية, وهي زاوية لم يهتم بها الحكم السابق, بل وربما حاربها, اما العربية في ايران اليوم فهي مقبولة بل ومطلوبة ايضا لاسباب عديدة فالانتاج الثقافي العربي مرحب به وقد وجدنا ان المنتج الثقافي العربي من الكويت مطلوب ولعل ذلك احد ابواب الوفاق والفهم المشترك. التصالح التاريخي بين الناس والدين في اطار نظام حكم اسلامي يأخذ بالمعاصرة قولا وفعلا ويحترم الحريات هو الذي يسعى اليه الايرانيون في ظل الخاتمية, وهو تصالح بالضرورة يحترم تجارب الآخرين ولا يفرض شيئا من مقولاته عليهم حيث ان من يحترم حريات الايرانيين بالضرورة سيحترم حريات الآخرين, فطرق الوصول الى الله هي بعدد انفاس الخلائق. كما ان الدعوة الى التصالح مع الجوار هي دعوة مرحب بها في الخليج وهي اولى بأن تتابع فالشعب العربي في الخليج كما هو الشعب الايراني يحتاج الى الاستقرار والتنمية والدعوة التى اطلقتها ايران لحوار الحضارات والتي تبنتها الامم المتحدة لسنة 2001 هي اجدر ان تبدأ بين العرب والايرانيين, الان قبل الغد. في ظل فهم للمصالح وعلاقات جوار حسنة ونامية تدخل العلاقات الايرانية ـ الخليجية مدخلا تاريخيا جديدا ظل العقلاء على الضفتين يدعون اليه, فهل تحقق الخاتمية في حال سيادتها وبوسطييها اصلاحا داخليا عميقا ووفاقا اقليميا سياسيا؟ نرجو ذلك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات