للانسان احتياجات كثيرة في اتجاهات العاطفة والوجدان, وفي اطار الجسد والمحسوسات, وفي معظم وقته يقضي الانسان حياته سعيا وراء هذه الاحتياجات, لكنه يسقط احيانا في حماقة كبرى هي الاهتمام بجسده فقط, فتطغى عليه لا لشيء الا لأن متطلبات الجسد في أغلب الأحيان متاحة وسهلة الاشباع, بينما مطالب النفس والعاطفة يكتنفها الكثير من الصعوبة والغموض . واندفاعا وراء جسده, نجده يلتهم أكثر مما يحتاج من الطعام, كما يراكم الانسان أحلامه المرهقة في سبيل نوعية من المنازل تكون أكبر من حدود متطلباته, ويكدس الملابس والأزياء على امتداد الفصول, كما يكدس في طريقه كل ما يمكن أن تصل اليه يداه وعيناه, في وقت يعاني فيه مالا يقل عن ثلث سكان الأرض من مستويات معيشية بائسة تندرج تحت مستوى خط الفقر. ان هذا الاندفاع وراء الحسيات والذي نلمسه جميعا, وبنهم غير مؤسس على احتياجات فعلية, يمثل الجانب الأشد تخلخلا في الموقف الانساني السليم, حيث يبدو واضحا ان احتياجات أشد الحاحا تُقذف في التجاهل بتعمد وقسوة, ما يفسر لنا هذه الظواهر التي نكابدها كل لحظة تضعنا الحياة في مواجهة أناس خرجوا من اطار انسانيتهم اختيارا, وقرروا بغباء مطلق ممارسة نوع من الارهاب ضد ذواتهم كي لا تنمو زهرة الحياة الصاخبة في عمق قلوبهم. كلنا بحاجة الى ان نُرى ونُسمع ويُشبع فينا نهم الانسان لأن نكون (نحن), بكل ضعفنا الانساني وقوتنا وسمونا وحماقاتنا وخوارقنا التي لا نكتشفها لأننا لا نقترب من انسانيتنا بشكل صحيح, ومن كمال الصحة ان نبحث عمن يسمعنا بقلبه ويحبنا مثل نفسه وان نفعل الشيء نفسه مع الآخرين. وعليه فلا مبرر لهذه السواتر والحجب التي نصطنعها كل يوم ونكرسها حائلاً بيننا وبين انسانيتنا وبين الآخرين, فلا مبرر أبداً لهذا الحصار الذي يمارسه الناس على ذواتهم, وعلى تصرفاتهم, حارمين أنفسهم متعة الاكتشاف واختيار الطريق, ونمو الفرحة في الداخل, وصناعة الاخطاء بعفوية الانسان الذي خلقه الله وأحبه لأنه خطاء وليس لأنه ملاك معصوم. فإن تكن خطاء يعني ان تتعلم فيقودك علمك لله ببصيرة, لا ان تكون صندوقاً فارغاً يملأه الآخرون بالحماقات ويحركونه بموروثات القرون, ويطلقونه في دروب الحياة بيقينيات سرعان ما تتهاوى. إذا عرف الانسان نفسه تقبلها, وتقبل كل المحيط بها, وعاش رضى هذا القبول وتبعاته, وتباعد عن صورة الشخص (الخفي), أو المستخفي الذي يرفض النظر الى أحد او الاستماع لغيره, انه الشخص الذي نعرفه جميعنا, ونلتقيه كل يوم, هو الشخص الاسبق دائما الى العمل والمكتب وقاعة الاجتماعات, ومائدة الطعام والى السرير ايضا, انه هنا وهناك دائما, لكننا لا نراه ولا ننظر اليه, لأنه وببساطة مفقود من معادلة الحب والقرب من الآخرين. كلنا بحاجة ماسة الى ان نعرف احتياجات الداخل, وان نسعى لتحقيقها بتفرد ورغبة بعيدا عن اعتبارات الواقع المضجر الذي رسمه وصاغه أناس أكثر ضجرا, هذا الواقع الذي يزيد الناس اندفاعا كل يوم نحو التشابه, وكأنه سيأتي يوم لا نجد فيه وسيلة للتعرف على شخص ما من خلال بطاقته الشخصية. * ان النظر الى أعماق القلب, وتكريس حالة من السلام والهدوء مع النفس, هي الطريقة الباقية والوحيدة للامساك بانسانيتنا وتميزنا.