ستشكل تظاهرة الربع مليون التي نظمها التيار المتشدد من اليهود المتدينين, في القدس يوم الاثنين الماضي, علامة هامة في مسيرة صعود التيار الديني في اسرائيل, ومرحلة متقدمة من مراحل الصراع بين التيارين الديني والعلماني فيها , وهي بحسب وصف المحللين الاسرائيليين ظاهرة من ظواهر الحرب الثقافية التي تدور رحاها بين (طوائف) المجتمع الاسرائيلي. بهذا المعنى فإن التظاهرة المذكورة, ليست مجرد استعراض عضلات, ولا مجرد استنفار قوى في سياق التحضير للانتخابات الاسرائيلية, وهي أيضا ليست احتجاجا مقتصرا على قرارات محكمة العدل العليا الاسرائيلية. وفي الواقع فقد انتشرت الأصولية الدينية ــ اليهودية في أوساط واسعة من المجتمع الاسرائيلي, بسبب تناقضات الصهيونية وبسبب تناقضات اسرائيل ذاتها. فرغم ان الحركة الصهيونية من الأساس حركة علمانية, الا انها عملت على توظيف الدين اليهودي في خطتها لخلق جاذبية لمشروعها بين أوساط يهود العالم. وهذه الحركة في محاولتها صوغ (قومية) يهودية تبنت تفسيرا دينيا خرافيا يتناقض مع توجهاتها العلمانية. وفيما بعد يتطور هذا التناقض ليأخذ أبعادا أخرى, اذ نشأ في اسرائيل تجمع استيطاني محدد الملامح, يختلف بشكل ما, باهتماماته وثقافته, عن التجمعات اليهودية الاخرى في العالم, وهذا بدوره خلق تناقضات بين مشروع الامة اليهودية, وبين مشروع الأمة الاسرائيلية, أو بين الهويتين: الاسرائيلية واليهودية. وطرح هذا الوضع تساؤلا حول مرجعية اليهود ومركزهم, على نحو هل تشكل اسرائيل مركزا ليهود العالم أم انها أحد مراكزهم؟ وعلى شكل من يحدد سياسات اسرائيل وأولوياتها هل هي أم اليهودية العالمية؟ ثم طرحت قضية تعريف من هو الصهيوني وعلاقة ذلك بالقدوم الى اسرائيل والاقامة فيها؟ فضلا عن هذا وذاك فقد عرفت اسرائيل ذاتها على انها دولة يهودية ديمقراطية, وهي بذلك وجدت نفسها في تناقض مع ذاتها, فكيف لها وهي دولة يهودية, ان تكون بالوقت نفسه دولة ديمقراطية بينما حوالي 20% من سكانها هم من العرب, أي ليسوا يهودا, ولا يتمتعون بحقوق اليهود!؟ وبغض النظر عن هذه المقدمات فقد عمدت الحركة الصهيونية والتيارات الدينية الى ايجاد شكل من أشكال المصالحة بينهما, بخاصة بعد قيام الدولة الاسرائيلية, في العام 1948, حيث أصبح التيار الديني المتشدد له اليد الطولى في القضايا المدنية, وقدمت له الدولة العديد من الامتيازات. وقد استطاعت الأحزاب الدينية, بفضل نظام الامتيازات هذا, وبفضل طبيعة النظام السياسي الاسرائيلي, بخاصة بعد اقرار نظام الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة, الذي طبق لأول مرة في العام 1996, من زيادة نفوذها في المجتمع الاسرائيلي, وفي الحياة السياسية الاسرائيلية. فهذا النظام أدى الى تقليص نفوذ الاحزاب الكبيرة, لصالح الأحزاب الصغيرة, وقد أجادت هذه الأحزاب وبالأخص منها الأحزاب الدينية اللعب على التناقضات بين الحزبين الأساسيين, العمل والليكود, لتعزيز أوضاعها. وفي انتخابات 1996 حصلت الأحزاب الدينية الثلاثة (شاس ــ المفدال ــ يهوديت هاتوراه) على 23 مقعدا في الكنيست, بينما كانت تحوز على 16 مقعدا في الكنيست السابق (الثالث عشر), هو وضع لم تحصل عليه يوما منذ قيام اسرائيل, وهذه المكانة التي حققتها الأحزاب الدينية, هي التي جعلتها لاعبا رئيسيا في حكومة نتانياهو ومكنتها من تحقيق مكتسبات كبيرة, ساعدها على ذلك وضع نتانياهو الحرج وميله الدائم لاسترضائها. من هذه الناحية, فإن حكومة نتانياهو الحرج وميله الى حد كبير ببقائها واستمرارها للتيار الديني, فهي خضعت الى ابتزاز القوى الدينية في العديد من الأمور المدنية, وفي شؤون التربية والتعليم, وخصوصا في شأن الجدال على تعريف: من هو اليهودي؟ والذي يمكن التيار الأرثوذكسي في اسرائيل من احتكار منح صفة اليهودي لليهود القادمين من الخارج. وقد أدى ذلك الى تفاقم التناقض بين التيارين: الديني والعلماني في اسرائيل وهدد صورة اسرائيل كدولة علمانية, كما انه من ناحية ثانية خلق انشقاقا بين اليهود, فالتيار الأرثوذكسي هو التيار الأغلب بين اليهود المتدينين في اسرائيل بينما هو أقلية بين اليهود المتدينين في الخارج, فهؤلاء ينتمون في أغلبيتهم إلى التيارين الاصلاحي والمحافظ وقد عبر قادة هذين التيارين في اسرائيل وخارجها عن استنكارهم لهذا التوجه الذي من شأنه ان يحدث انشقاقا في صفوف اليهود, وان يضعف من شعورهم بضرورة دعم اسرائيل كما انه يزيد الهوة بين الجاليات اليهودية في العالم وبين اسرائيل. وفي الاونة دخلت محكمة العدل العليا الاسرائيلية على هذا النقاش بطلب من التيارات العلمانية وكانت النتيجة اصدار قرارات تكسر احتكار التيار الارثوذكسي للمجالس اليهودية, وتؤكد على مشاركة المتدينين من التيارين الاخرين: الاصلاحي والمحافظ كما تطالب بتجنيد طلاب المعاهد الدينية, وتقر بصلاحية اجراءات التهويد التي يقررها الحاخامات الاصلاحيون والمحافظون لليهود القادمين من الخارج وكانت هذه القرارات بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير, وهي التي ادت الى اتخاذ القرار بالتظاهر وعن هذا الوضع قال الحاخام مناحيم بوروش زعيم حزب (اغودات اسرائيل) اذا لم تقتنع المحكمة العليا منطقيا بالكف عن التدخل في الشؤون الدينية فستقع الحرب, لا تعتقدوا للحظة انها النهاية بل هي فقط البداية وقال زعيم حزب ديجيل هاتوراه (الديني) موشي غافني (ان على أية دولة ديمقراطية ان تأخذ بالحسبان رغبة مئات الاف الناس الذين ينزلون الى الشارع والا فاننا سنتجه نحو الكارثة اما التيار العلماني الذي نظم تظاهرة موازية فقد حذر من (حرب ثقافية) داخل المجتمع الاسرائيلي وقال زعيم حزب (ميريتس) يوسي ساريد: العلمانيون يرون ان القيم الديمقراطية على المحك, نحن نقاتل للحفاظ على قواعد لعبتنا. ومن الجدير بالذكر ان التيار الديني المتشدد كان له دور كبير في التحريض على اغتيال رئيس الوزراء الاسبق اسحاق رابين (اواخر العام 1995) فقد دخل اسحق رابين في حينه في صراع مباشر مع مجموعة من رجال الدين من حاخامات اسرائيل الذين يملكون نفوذا في الاوساط الدينية ـ المتطرفة وقد تجلى ذلك في الفتوى التي اصدرها ما يسمى (اتحاد الحاخامين من اجل ارض اسرائيل) والتي دعا فيها هؤلاء الجنود الاسرائيليين الى عدم اطاعة اوامر الحكومة بشأن الانسحاب من الاراضي المحتلة, واجازوا فيها تمرد الجنود على الاوامر المعطاة لهم بهذا الشأن (ابان المرحلة الاولى من (اعادة الانتشار) بحسب اتفاق اوسلو مع الفلسطينيين) وقد رد رابين حينها بقسوة على هذه الدعوة بقوله (هذا اخطر ما يمكن ان تفعله مجموعة صغيرة من الحاخامين لانتصور ان تتحول اسرائيل الى جمهورية موز, وفي حينها عبر الرئيس الاسرائيلي عيرز وايزمن عن خشيته من تفاقم الامر بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية بالقول: اخشى ان تؤدي (الفتوى) الى انشقاق في صفوف الشعب والى حرب اهلية. من الواضح انه ثمة عوامل عديدة تدفع الى بروز التناقضات الاسرائيلية, منها عوامل ذاتية, ناجمة عن الشعور بتراجع الخطر الخارجي والاحساس بالامان, وناتجة عن تبلور المجتمع الاسرائيلي بعد نصف قرن على قيام اسرائيل, ومنها عوامل موضوعية اخرى تتعلق بتأثيرات عملية التسوية, من الناحية السياسية, وموجة مابعد الحداثة من الناحية الثقافية والعولمة من الناحية الاقتصادية وكل هذه العوامل متضافرة تدفع اسرائيل الى تكييف اوضاعها بناء على المتغيرات الدولية والاقليمية وبناء على التطورات في اسرائيل ذاتها, اما ظهور هذه التناقضات سواء تعلقت بعملية التسوية, او تعلقت بالدين والعلمانية على هذه الحدة, فيعود الى تركيبة اسرائيل وطبيعتها كدولة مصطنعة في المنطقة فقد بات يمكن التكهن بأن التناقضات والتباينات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الاسرائيلية, والتي جرى طمسها طوال الفترة الماضية, لمواجهة العدو الخارجي, ستعود للبروز كما هي في اية دولة اخرى وقد رصد المحلل الاسرائيلي زئيف شطرنهل هذا التغير في مستوى التناقضات بقوله (كانت الصهيونية حتى الاعوام الاخيرة مصنوعة من قماش واحد وكانت الفوارق بين التيار الديني والتيار العلماني, بين اليمين واليسار, بين الاشتراكيين والاخرين برمتهم فوارق في الدرجة واللون لا في الجوهر. ويصل شطرنهل الى الاستنتاج الهام التالي: مستعمرتنا هذه شأنها شأن جميع المستعمرات السابقة لها مصيرها الى الزوال وماليس واضحا بعد هو فقط الثمن الذي سندفعه ريثما يحدث ذلك. توضيح: نشرت صحيفة (البيان) بتاريخ 14/2/1999 في صفحة قضايا ودراسات تعقيبا للسيد رضوان الشيخ محمد حول مقال لي كنت قد نشرته بنفس الصفحة بتاريخ 24/1/1999 وعنوانه (اثر الهجرة اليهودية في قيام اسرائيل واستقرارها) في هذا التعقيب اشار السيد الشيخ الى انني تحدثت عن ولادة اسرائيل من رحم الحركة الصهيونية مستنتجا من ذلك ان تلك المؤسسة هي التي صنعت الدولة الاسرائيلية) . بداية اشكر السيد الشيخ محمد على اهتمامه واود ان اشير الى انني لا اختلف معه على محاولته (تسليط مزيد من الضوء على خلفيات وابعاد الهجرة اليهودية الى فلسطين, ولكنني اود ان الفت انتباهه اولا الى انني في مقالي المذكور تحدثت عن ان نجاح الحركة الصهيونية باقامة اسرائيل لم يكن نجاحا لها بذاتها, وان هذه الحركة أقامت دولتها اساسا بفضل الاعتماد على دعم القوى الامبريالية بخاصة بريطانيا ثم امريكا, ثانيا, الغرض من مثل هذه المقالات القاء الضوء على مسألة محددة, والمسألة كانت في المقال المذكور تتعلق بالحديث عن اثر الهجرة اليهودية (حصرا) في قيام اسرائيل, وليس من المعقول ان يتحدث الكاتب في مقال واحد عن كل شيء ثالثا يمكن مراجعة العديد من مقالاتي التي نشرتها في (البيان) والتي خصصتها للحديث عن عوامل قيام دولة اسرائيل وطبيعتها وعلاقاتها بالمصالح الامبريالية, ودورها السياسي الوظيفي في المنطقة وتناقضاتها. اخيرا المقال لم يتطرق الى المشاريع او الاطروحات الاسرائيلية المتعلقة بتهجير الفلسطينيين المقيمين في فلسطين المغتصبة 1948 او في فلسطين المحتلة عام 1967 اما المسائل الاخرى التي وردت في التعقيب فهي رأي للكاتب وقد اتفق او اختلف مع استنتاجاته وآرائه, بكل الاحوال ليس لي اعتراض على التعقيب وليس لي خلاف مع الافكار التي وردت فيه, وهذا التوضيح لمنع الالتباس.