تؤكد السلطة الفلسطينية في لقاءات قياداتها مع مختلف مسؤولي دول العالم ان الرابع من مايو المقبل هو موعد مقدس لاعلان الدولة الفلسطينية حسب الاتفاقات التي وقعتها السلطة مع الجانب الصهيوني بدءا من (اوسلو) وحتى (واي ريفر) . ويبدو ان الموعد المقدس لن يرى النور حسبما تؤكد كل المعطيات والمعلومات التي ترشح بين الفترة والاخرى وبعيد اي لقاء يعقده ياسر عرفات مع نظرائه الاوروبيين والامريكيين. بعض المعلومات التي تؤكد ازدياد الضغط على الجانب الفلسطيني تفيد بأن منتدى دافوس الاقتصادي يعيش في ارتباك تعزز مع الموقف الامريكي الذي عبر عنه الرئيس كلينتون الذي جدد معارضته قبل ايام لاعلان الدول في موعدها المحدد من قبل السلطة الفلسطينية. فمن الواضح ان الحديث عن اعلان الدولة المستقلة لم يأت إلا بعد ان (رفضت) تل ابيب اتفاق اوسلو اولا ومن ثم اتفاق واي ريفر الاخير باعتبارها هي الاقوى وهي التي تحدد ماهية اي اتفاق والشروط التي يجب ان يسير عليها, والنتائج المطلوبة منه, فقد كانت احدى البنود في الاتفاق الاخير, ان تلتزم السلطة بالقضاء على المعارضة الفلسطينية وتفكيك بنيتها التحتية وارسال عناصرها الى المعتقلات حتى (تتوقف العمليات الارهابية ضد اسرائيل (حسب تعبيرات القادة الصهاينة) , وحين نفذت السلطة هذا البند وجرى التأكد من شمولية الالتزام عبر الوسيط الامريكي قفزت اسرائيل ووضعت عراقيل اخرى ادت الى تجميد اتفاق واي فضلا عن الغاء ما يخصها من اتفاق اسلو. فالكيان الصهيوني يريد مسائل واضحة من الجانب الفلسطيني دون اي التفافات او مواربة فهو يريد استمرار عملية الاستيطان في الاراضي المحتلة التي تزمع السلطة اعلان دولتها عليها, وتريد تل أبيب من عرفات التوقف عن وصف القدس (الشرقية) عاصمة للدولة المقبلة وتريد اقتصادا تابعا وحدودا غير واضحة المعالم , بل تريد في كل بلدة ان يرتفع علم النجمة السداسية معززا بطرق ثقافية تلتهم الأرض ومن عليها. وفي هذا المقام الاستيطاني ليس هناك فرق كبير بين تحالف الليكود الذي يقوده بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الحالي وبين حزب العمل الذي يحاول تجديد شباب (قيادته بزعامة ايهود باراك) فالطرفان لهما ذات الاهداف, انما الوسائل مختلفة, ففي الوقت الذي يمارس فيه الليكود لي اعناق الفلسطينيين امام العيان تحت تفسيرات ضرورات الامن الصهيوني, يفضل حزب العمل التهام الموقف بطريقة فيها من المواربة والحنكة ما يجنبه انتقادات خارجية. وفي حقيقة الامر يعمل الليكود على تنفيذ وعوده للناخب الصهيوني الذي انتخبه بناء على شعارات رفعت ابان الحملة الانتخابية السابقة اكد خلالها نتانياهو انه لن يوقف الاستيطان في الاراضي المحتلة, بما فيها القدس المحددة وفق اتفاقية اوسلو بان تناقش في المفاوضات النهائية الى جانب مستقبل اللاجئين. فحين رفعت امامه اتفاقيات وقعت عليها الحكومة السابقة (تملص) منها وصدر المشكلة لواشنطن التي احتضنت اتفاق (واي ريفر) وحتى هذه الاخيرة ارسلها نتانياهو الى السلطة لممارسة التزاماتها دون ان يمارس هو اي شرط وقع عليه. والواضح ان الحديث عن موعد اعلان الدولة الفلسطينية تحول الى نقطة تجاذب بين الاطراف المتصارعة على السلطة داخل الكيان, ففي حين هدد وزير الخارجية الجزار ارييل شارون انه سيحتل الاراضي الفلسطينية بمجرد اعلان عرفات عن دولته, تسربت انباء , في ذات الوقت, مفادها ان حزب العمل طلب من عرفات تأجيل الاعلان الى مابعد الانتخابات الصهيونية المبكرة المزمع تنظيمها في السابع عشر من شهر مايو المقبل, تحت ذريعة تفويت الفرصة على المتطرفين من استغلال هذا الحدث ونسف العملية السلمية, وكأن المفاوضات الآن قائمة ولا تحتاج الا الى اعلان من عرفات يلغي فيه اعلان قيام دولته, لكي يتحقق السلام! وحتى يجيء الرابع من مايو المقبل, سيكون (الموعد المقدس) قضية تثار لاقناع الناخب الصهيوني بصحة موقف كل طرف, ذلك ان الكيان القائم اصلا على الاستيطان وحكم الجيش لا يستوعب العملية الانتاجية الا من زاوية احتلال المزيد من الاراضي وتوجيه الضربات المتواصلة للذين يرفضون رؤيته في مسألة التسوية. وليست عملية عناقيد الغضب التي قادها حزب العمل ابان وجوده في السلطة, ضد لبنان, الا نموذجا واضحا على طريقة التفكير في كيفية اقناع الناخب داخل الكيان. كما ان (الموعد المقدس) قد بهت لونه ولم يعد له لاطعم ولا رائحة في ظل الرفض الامريكي - الاوروبي, حيث تؤكد مواقف تلك الدول بوضوح لا لبس فيه, وحيث وضعت السلطة (بيضها) كله في تلك السلة, واصبحت مسألة الالغاء او التأجيل ليست سوى مسألة وقت. فالدول المانحة لن تقدم المزيد من الاموال اذا لم تتوافق مواقف السلطة الفلسطينية مع مرئياتها في الازمة الراهنة, والولايات المتحدة لن تدخل في متاهات اعلان الدولة في ظل الظروف الحالية التي تعيشها ادارة البيت الابيض والجدل الدائر حول بقاء او رحيل الرئيس بيل كلينتون بسبب الازمة المعروفة بـ (فضيحة مونيكا جيت) . كل هذه المعطيات تؤكد ان الموعد الذي حددته السلطة الفلسطينية لم يعد مقدسا, بل بدأ يشكل عبئا حقيقيا على قيادة السلطة التي تبحث الآن عن مخارج جديدة, فربما تتفق القريحة لزج اعلان مقدس آخر عن شيء آخر غير الدولة التي تلاشت سبل تحقيقها في ضوء الاصرار الصهيوني على عدم التنازل عن اي شبر حتى وان وقع ارييل شارون على اتفاق بخصوصه. ولايبدو امام السلطة الفلسطيني, الآن, سوى السباق مع الزمن للعودة الى الداخل الفلسطينية والمحيط العربي الذي يشكل السياج الحقيقي لحماية القضية من الضياع. فالانفتاح على الداخل يعني انفراجا, بشرط الا يكون هذا تكتيكا جديدا خارج اطار الحسبة الاستراتيجية فقد دفعت الاراضي المحتلة ثمنا باهظا بسبب هذا النمط من التكتيك الذي لايبدو ان له نهاية, وحان الوقت الذي لابد من العودة للداخل والتحول الى ممارسة سلطة الجميع بخلق شروط قيام السلطة الحقيقية المدافعة عن الاراضي والبشر على حد سواء.