قدمت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مبادرات واقتراحات عديدة بشأن تدابير لنزع السلاح تتعلق بمناطق معينة. وكانت معظم الاقتراحات تتعلق في بادئ الأمر بمنطقة أوروبا لانها كانت أشد المناطق تسلحا, ولانه رأى ان الحرب إذا اشتعلت في هذه المنطقة ستتخذ مرة أخرى ابعادا عالمية النطاق . وفي مناطق أخرى أيضا أدى توقع تكثيف سباق التسلح على الصعيد المحلي واحتمال ارتباطه على نحو متزايد بسباق التسلح العالمي إلى بذل جهود لنزع السلاح على الصعيد الاقليمي. وأصبح منع انتشار الأسلحة النووية بوجه خاص موضع اهتمام بالغا من جانب البلدان في هذه المناطق. وبتزايد المخاوف من أن تحصل بعض القوى الاقليمية على الأسلحة النووية أو ان تسمح بوضعها أو تجربتها في أراضيها فإن الجهود الرامية إلى انشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية امتدت في الستينات إلى افريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وجنوب آسيا. وفي كل حالة كانت هذه الجهود تجد حافزا لها في تطورات اقليمية معينة ويتحدد شكلها حسب الأحوال الخاصة بكل منطقة. ان الصعوبات التي ووجهت في المفاوضات المتعلقة بنزع السلاح العام الكامل زادت من أهمية اتخاذ نهج أكثر واقعية يكون نزع السلاح على الصعيد الاقليمي أحد جوانبه. واجتمعت بضعة عوامل في أواخر سنوات السبعين مبينة ان جهود نزع السلاح على الصعيد الاقليمي يمكن أن تؤدي دورا هاما بوصفها واحدا من بضعة مقومات لنهج تدريجي لنزع السلاح العام الكامل.. ففي المقام الأول كانت النتائج التي خيبت الآمال والتي أسفرت عنها جهود نزع السلاح المبذولة عبر عقود, وهي الجهود التي لم تستطع إيقاف سباق التسلح المطرد, داعيا إلى استكشاف سبل مختلفة. وواقع الأمر ان دورة الجمعية العامة الاستثنائية العاشرة المكرسة لنزع السلاح قد عقدت في سنة 1978 لهذا السبب بالذات. وقد ثبت ان النهج الاقليمي يمكن أن يحقق نتائج في ميادين هامة مثل عدم الانتشار النووي. ويمكن للمناطق الخالية من الأسلحة النووية أن تسهم في تحقيق الاستقرار والأمن الاقليميين وان تقلل من احتمال استخدام الأسلحة النووية ضد بلدان المنطقة. ومما ساعد في حالات كثيرة على القيام بدراسة نشطة لمجالات معينة حدوث تطورات اقليمية معينة, مثل احتمال ادخال الأسلحة النووية في بعض المناطق والمخاوف التي سببتها البرامج النووية الخاصة ببعض الدول الاقليمية. وعلى مر السنين قدمت اقتراحات وبذلت جهود كثيرة في مجال انشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية. وقد نظرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في بعض هذه الاقتراحات. ففي عام ,1959 ابان الدورة الرابعة عشرة التي عقدتها الجمعية العامة, قدمت ايرلندا, بالاضافة إلى مشروع قرار قدمته بشأن منع انتشار الأسلحة النووية على الصعيد العالمي, اعتمد بوصفه القرار 1380 (الدورة 14), اقتراحا يقضي باتباع نهج اقليمي حيال عدم الانتشار النووي. وفي الوقت الذي أيد فيه الاقتراح الايرلندي فكرة انشاء مناطق لا نووية في العالم بصفة عامة ارتأى ان تتعهد أولا الدول غير الحائزة للأسلحة النووية في منطقة معينة بألا تنتج أو تمتلك أسلحة نووية أو غيرها من أسلحة الدمار الشامل, وأن تخضع نفسها لتفتيش من جانب الأمم المتحدة. ومقابل ذلك تتعهد مقدما الدول الحائزة للأسلحة النووية وجميع الأعضاء الآخرين في الأمم المتحدة بمساعدة أعضاء المنطقة في حالة تعرضها لهجوم, وتتم هذه المساعدة عن طريق قوة دائمة تابعة للأمم المتحدة. وفي سنة ,1961 في الدورة السادسة عشرة التي عقدتها الجمعية العامة, اقترحت السويد نهجا عاما لا يتصل بأي منطقة بعينها يتبع حيال مسألة عدم انتشار الأسلحة النووية. ووفقا لهذا المقترح, الذي يشار إليه أحيانا كثيرة باسم خطة أوندين لاقامة ناد لا نووي, كان على الأمين العام للأمم المتحدة أن يستقصي آراء الدول الأعضاء من أجل تحديد الشروط التي بموجبها قد تبدي الدول غير الحائزة للأسلحة النووية استعدادها للالتزام بتعهدات صريحة بالامتناع عن صنع هذه الأسلحة أو حيازتها بأية طريقة أخرى, وبرفض تلقي الأسلحة النووية في المستقبل فوق أراضيها لحساب أي بلد آخر, على أن يعقد, إذا ما كانت نتائج الاستقصاء ايجابية, مؤتمر لوضع بعض الترتيبات التي تحظى بموافقة جميع الدول. وقد أقرت الجمعية العامة المقترح السويدي في قرارها 1664 (الدورة 16) المؤرخ في الرابع من ديسمبر 1961. وأجرى الأمين العام الاستقصاء. وقد وردت ردود من اثنتين وستين دولة من الدول الأعضاء. وفيما يتعلق بما ذكرته الحكومات التي أرسلت ردودها من شروط للانضمام إلى المعاهدة كان شرط التبادل والمعاملة بالمثل شرطا لتحمل الالتزامات المرتقبة. وجعلت بعض الدول انضمام بعض الدول أو جميع الدول الواقعة في منطقتها شرطا مسبقا لانضمامها, وطالبت دول أخرى بأن يكون الانضمام على نطاق عالمي. ودعت بعض الدول إلى اتخاذ تدابير تمس الدول الحائزة للأسلحة النووية, ونظر البعض الآخر إلى الهدف في اطار نزع السلاح العام الكامل. وفي القرار 3261 واو (الدورة 29) المؤرخ في التاسع من ديسمبر 1974 قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجراء دراسة شاملة لجميع نواحي مسألة المناطق الخالية من الأسلحة النووية وطلبت أن يقوم بالدراسة فريق مخصص من الخبراء الحكوميين المؤهلين تحت رعاية مؤتمر لجنة نزع السلاح. واضطلع فريق مخصص بهذه الدراسة التي استكملت في عام 1975 والتي أحالها رئيس فريق الخبراء الحكوميين في 18 أغسطس 1975 إلى رئاسة مؤتمر لجنة نزع السلاح. ونظرا إلى الأهمية الخاصة لمفهوم المناطق الخالية من الأسلحة النووية في منع انتشار هذه الأسلحة سنتناول بايجاز فيما يلي الاقتراحات المتعلقة بانشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية ومسؤوليات الدول الأخرى, ولموضوع التحقق والمراقبة, وللعلاقة بين المناطق الخالية من الأسلحة النووية والقانون الدولي, وذلك كما ورد في الدراسة. وكان العامل المؤثر في اثارة الاهتمام بمفهوم المناطق الخالية من الأسلحة النووية هو الرغبة في ضمان الخلو التام من الأسلحة النووية لاجزاء من العالم تتوفر فيها ظروف مناسبة لانشاء هذه المناطق, وتجنيب الدول المعنية خطر الهجوم النووي أو التورط في حرب نووية, والاسهام بفعالية في نزع السلاح العام الكامل ولا سيما نزع السلاح النووي, ومن ثم توطيد السلم والأمن الدوليين. ولقد نبع مفهوم المناطق الخالية من الأسلحة النووية من الادراك ان عددا من الدول في مناطق لديها القدرة أو يمكن أن تكون لديها القدرة على أن تكون لها قوة نووية في فترة قصيرة نسبيا, وان من الممكن أن تقرر دول أخرى أن تفعل ذلك, الأمر الذي يمكن أن يشكل تهديدات جديدة لا من الدول الواقعة في مناطق خالية حاليا من الأسلحة النووية, وأن يعجل بحدوث سباق تسلح نووي في هذه المناطق. وبنظرة أوسع إلى هذا الموضوع فإن الغرض من المناطق الخالية من الأسلحة النووية هو توفير وسيلة أخرى للحيلولة دون انتشار الأسلحة النووية ولايقاف سباق التسلح النووي. كما يمكن أن يكون هذا المفهوم أداة أخرى وهي خلق اطار للتعاون الاقليمي في مجال استعمال الطاقة النووية في الأغراض السلمية. إن تأمين عدم الوجود الكامل لهذه الأسلحة في المناطق الخالية منها من شأنه أن يحقق المصالح القومية والاقليمية في هذه المناطق. ونجاح أية منطقة خالية من الأسلحة النووية مرهون بوجود اتفاق عام على ان استحداث أي عضو في المنطقة للأسلحة النووية واستحواذه عليها يعرضان المنطقة كلها للخطر.