.. وأخيرا انتهت محاكمة كلينتون, امام مجلس الشيوخ, باعلان براءته من التهم التي وجهت اليه. وتثير هذه النهاية عددا من التساؤلات منها : هل كانت هذه القضية في جوهرها حقوقية أم سياسية؟ ومن هي القوى التي حركتها, وماهو حجم مساهمة اللوبي الصهيوني وحكام اسرائيل في ذلك؟ وهل سيكون كلينتون بعد هذه القضية نفس كلينتون الذي كان قبلها؟ وبالنسبة لنا, فان مجرد محاكمة رئيس أغنى وأقوى دولة في العالم, تثير لدينا مدلولات عدة. وهذا المظهر الحضاري من التساوي امام القانون لا يمثل الا جانبا من الديمقراطية الامريكية, وهو الجانب الظاهر الذي تتباهى به الدولة الامريكية, اما الجانب الآخر ـ غير المرئي ــ فهو مختلف كليا. حقا, ان أي مواطن امريكي له الحق في ترشيح نفسه لأي موقع بما في ذلك شغل البيت الابيض, هذا من الناحية النظرية والشكلية, ولكن الدخول الى حلبة السباق على موقع الرئيس يتطلب قدرا من المال لا يقل اليوم عن ثلاثمائة مليون دولار للحملة الانتخابية على الطريقة الامريكية. وقد غدا عرفا وتقليدا ان تتقدم الشركات العملاقة في الولايات المتحدة (للتبرع) للمرشح الذي يروق لها بهذه المبالغ, وبهذا يتحدد, منذ البداية, لصالح من سيعمل الرئيس الموعود, ولمن ولاءه الحقيقي. ومعروف ان هناك, في الولايات المتحدة, عدا المؤسسات الدستورية ــ وهي حصيلة نضالات طويلة ــ التي يعود لها الفضل في محاكمة حتى رئيس الدولة اذا اذنب.. هناك مؤسسات اخرى, تشكلت وتطورت سطوتها ونفوذها عبر السنين. وهي التي تحدد, في آخر تحليل, الاتجاهات العامة لسياسة الدولة الامريكية, بما يخدم مصالح الرأسمال الكبير وتشمل هذه المؤسسات مجموعة من معاهد الدراسات المرتبطة بالخارجية والبنتاجون عدا عن وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن الفيدرالي وسواهما. وكل وافد جديد على البيت الأبيض, له هامش محدود من حرية الحركة والمناورة, في اطار الاتجاهات العامة للسياسة الأمريكية التي ترسمها وتحدد مرتكزاتها هذه المؤسسات. وكل رئيس يتجاهل هذه الحقيقة ويحاول التمرد وتجاوز الخطوط الحمراء المحرمة, يغامر بتعريض نفسه لمتاعب لا يمكن تحديد ماهيتها ومداها. نماذج عن معاقبة الرؤساء المتمردين وفي هذا الصدد يمكن الاستشهاد بثلاثة نماذج مختلفة, من الرؤساء الامريكيين الذين حاولوا التمرد على هذه التحديدات, خلال الأربعين سنة الأخيرة. الأول, كان الرئيس الليبرالي من الحزب الديمقراطي, جون كيندي. ويبدو انه تجاوز الخطوط الحمراء المقررة من هذه المؤسسات عندما عقد صفقة التسوية مع الاتحاد السوفييتي, أوائل الستينات, فيما عرف في حينه بأزمة الصواريخ السوفييتة التي جرى نصبها في كوبا. وقد نشأ عن ذلك أزمة وضعت العالم كله على شفا مواجهة نووية.وقد انتهت هذه الأزمة بسحب السوفييت لهذه الصواريخ مقابل تعهد الدولة الأمريكية بعدم الاعتداء على كوبا. لقد أثارت هذه التسوية أو الصفقة معارضة البنتاجون ومن ورائه مجمع صناعة السلاح الأسطوري في الولايات المتحدة التواقين الى المغامرة والتصعيد. والشيء ذاته يمكن ان يقال بصدد عدم تجاوب كيندي مع ضغوط هذه الجهات في حجم ووتيرة التصعيد العسكري في فيتنام. وكان على كيندي ان يدفع الثمن على ذلك وأن يتوارى عن المسرح. وأوائل السبعينات, دخل البيت الأبيض,الجمهوري اليميني المتطرف, ريتشارد نيكسون, مصحوبا بالتصريحات النارية ضد الاتحاد السوفييتي باعتباره (امبراطورية الشر) التي ينبغي زوالها. ولكن مع مرور بعض الوقت كان على نيكسون, كرئيس يمارس السلطة, ان يدرك ويأخذ في الحسبان ان الاتحاد السوفييتي يوازي الولايات المتحدة, من حيث القوة العسكرية. بل انه في بعض الميادين, كاكتشاف الفضاء, يتقدم عليها آنذاك. وبالتالي: كان نيكسون نفسه هو الذي اتفق مع الاتحاد السوفييتي على عقد مؤتمر الأمن الأوروبي عام 1975, والذي انعقد في هلسنكي وحمل اسمها, وشكل, في حينه, حالة من الانفراج الدولي. وكان على نيكسون الذي تجاوز الخط الأحمر بعمله هذا, ضد ارادة دعاة سباق التسلح الذين ساندوه للوصول الى البيت الأبيض.. كان عليه ان يعاقب, فكانت فضيحة (ووتر جيت) , التي بدت في ظاهرها قضية حقوقية وليس سياسية, شأن قضية كلينتون مع مونيكا لوينسكي. ومعروف ان نيكسون أقصي عن منصبه قبل انعقاد مؤتمر هلسنكي الذي شارك في الاعداد له, ووقع على وثائق هذا المؤتمر, بدلا عنه, نائبة الذي خلفه في البيت الابيض جيرالد فورد, وغني عن القول في هذا الصدد ان دوائر التجسس الامريكية تحتفظ بمخزون هائل من المعلومات, بما في ذلك عن الرؤساء الامريكيين انفسهم وعند الحاجة تخرج من ترسانتها ماتشاء ضد من تشاء. وكلينتون بدوره, يمثل نموذجا اخر من الرؤساء الذين حاولوا تجاوز الخطوط الحمراء المحرمة, فقد جاء عقب عهد الريجانية, التي شملت رئاستي ريجان وبوش وامتدت اثنى عشر عاما, ومعلوم ان الريجانية جاءت بفلسفة اقتصادية جديدة قوامها الاساسي اعفاء رأس المال الكبير من الضرائب بدعوى تشجيعه على النشاط خدمة للازدهار الاقتصادي جنبا الى جنب مع ماسمي بالليبرالية الجديدة, والتي تعني ان كل شيء بما في ذلك الخدمات العامة معروض في السوق كسلع, وضرورة تخلي الدولة عن اي دور تقوم به في هذا الميدان بما في ذلك في مجالات الصحة والتعليم والعناية بالمسنين وغيرها من مجالات الشؤون الاجتماعية. وبالنسبة لرأس المال الكبير شكلت مرحلة الريجانية شهر عسل وبالتالي لم يسلم صقور جبهة رأس المال هذا بأنهاء هذه المرحلة او النيل منها, كما يقضي البرنامج الذي انتصر كلينتون على اساسه وهزم بوش. مع ان هذه الجبهة استطاعت حتى الان ان تشل وتجهض برنامج كلينتون المذكور عن طريق الاغلبية التي تمثلها في الكونجرس لكنها تعتبر ان مجرد بقاء البرنامج يشكل تحديا مستقبليا لها. وهكذا بدأت المعركة الشرسة ذات الطابع السياسي في جوهره بين التيارين الليبرالي والمحافظ داخل معسكر رأس المال الامريكي منذ لحظة صعود كلينتون الى الحكم. وعندما كانت تحتدم هذه المعركة لم يكن الولاء الحزبي هو الذي يحدد موقف اعضاء الكونجرس من الحزبين. على صعيد اخر وقف الاعضاء التسعة من اليهود في مجلس الشيوخ وثلاثة وعشرين من اصل اربعة وعشرين في مجلس النواب الى جنب كلينتون ولاسيما في التصويت بينما اتخذ لنتانياهو كما هو معروف, ومنذ لحظة صعوده الى سدة الحكم كممثل لليمين الاسرائيلي موقفا مغايرا واصبح جزءا من جبهة اليمين الامريكي المعادي لكلينتون. كلينتون مابعد البراءة واليوم, ولقد اسقط مجلس الشيوخ التهم الموجهة الى الرئيس كلينتون فهل يواصل الاخير التمسك ببرنامجه والدفاع عنه ومباشرة تنفيذه, فيما تبقى له من مدة في البيت الابيض, ام انه استوعب (الدرس) وبالتالي سيتخذ مسارا معاكسا للذي اتخذه نيكسون الذي دخل البيت الابيض (صقرا) وخرج منه (حمامة) هذا مع العلم بأن المراقب المتتبع لتطورات الازمة لم يتوقع ان يواصل الجمهوريون الضغط حتى طرد كلينتون من البيت الابيض, مفضلين على ذلك الاحتفاظ به حتى نهاية ولايته, التي لم تعد بعيدة, كرئيس ضعيف في ظروف هيمنتهم على الكونجرس. ومما يطرح هذا التساؤل حول توجهات كلينتون مابعد البراءة, الاجراءات التي اتخذها في الآونة الاخيرة, ولا سيما حين وصلت ازمته عنق الزجاجة, عشية التصويت في مجلس الشيوخ ويأتي في عداد هذه الاجراءات ميزانية وزارة الدفاع الامريكية التي طرحتها ادارته للعام الفين ومقدارها 268.2 مليار دولار بزيادة 2.1% عن ميزانية عام 1999 (وتقدر هذه الزيادة بمبلغ 5.6 مليارات دولار) وهي اول زيادة في نفقات الدفاع منذ 1985 حين كان الاتحاد السوفييتي مازال قائما والحرب الباردة مستمرة وفي اطار هذه الميزانية ارتفع المبلغ المخصص لشراء الاسلحة من 49 مليارا عام 1999 الى 53 ملياراً عام 2000 هذا الى جانب مباشرة العدوان من جديد على العراق والغارات الجوية المستمرة عليه بشكل شبه يومي, وكذلك التهديد بضرب جمهورية الصرب اليوغوسلافية دون قرار من مجلس الامن. فهل هذه وسواها من الاجراءات المشابهة هي مناورات تكتيكية حتي تمر العاصفة ام نهج جديد لادارة كلينتون, يستجيب لرغبات اليمين الامريكي التواق الى المزيد من التدخل في شؤون البلدان الاخرى ومزيد من التسلح والعدوان. هذا ما ستكشفه المدة القصيرة المتبقية من رئاسته, والتي ستقرر من اي باب من ابواب التاريخ سيدخل كلينتون. اما الميعار بالنسبة لنا فهو سلوكه تجاه نتانياهو الذي وقف بتحد في معسكر خصومه, بخاصة فيما يتعلق بالزام الاخير بتنفيذ الاتفاقات الموقع عليها بضمانه كلينتون نفسه.