تعكس حادثة مقتل آية الله محمد صادق الصدر في العراق, وهو أعلى مرجع للشيعة هناك, مدى خطورة الوضع العراقي. فان يعمد النظام الى قتل رجل في منزلة الصدر وفي وضعه الديني والاجتماعي والسياسي هو دليل اضافي على عمق أزمة النظام بل الاسوأ في هذه الحادثة انها تأتي وسط حاجة العراق الماسة لدعم العرب ولدعم كل من يسعى لتخفيف العقوبات عن العراق, وكما جرت العادة, تمارس الحكومة العراقية وبأسلوبها المتكرر ما يفسد على العراق التعاطف والدعم والتأييد, ويزيد الأمر غرابة ان يقوم الحكم بعمل كهذا بينما يتحرك وزير الخارجية العراقي الصحاف من دولة عربية إلى أخرى بهدف كسب الدعم لصالح رفع العقوبات عن العراق, بل نجد في حادثة الاغتيال دليل جديد على ان المشكلة الحقيقية في العراق هي بين الشعب العراقي وبين النظام, وان عمق الهوة في العراق بين الشعب والنظام هي التي لعبت دورها في تفجير الأزمة بين العراق ودول المنطقة ثم بين العراق ودول العالم. وقد يكون التساؤل مشروعاً: هل فعلاً قام النظام العراقي بهذه العملية؟ ان الذي يحول الانظار نحو الدولة في العراق هو مسلسل الاغتيالات الذي لم يتوقف في العراق منذ استلام الرئيس العراقي الحكم عام ,1979 في هذا المسلسل تم قتل العديد من رجال الدين والأئمة واختفاء العديد من العراقيين سواء أكانوا مواطنين أم مسؤولين حكوميين سابقين لمجرد انهم اختلفوا مع النظام أو مع أحد رموزه أو لمجرد ان الشكوك حامت حول امكانية اختلافهم, وليست هذه الحادثة الأولى ولن تكون الأخيرة .. ففي تاريخ الحكومات العراقية في ظل الرئيس صدام لم يتغير الاسلوب, فمنذ اغتيال أو اعدام زملاء له في قيادة الحزب مع بداية عهده عام 1979 مرورا باغتيال السيد محمد باقر الصدر احد كبار رجال الدين والعلماء مرورا بمقتل حسين كامل واخاه وصولا الى هذه الاغتيال لم يتوقف المسلسل الدموي في العراق, والأخطر في كل هذا المسلسل ان العراق لم يسبق له ان حاكم أحد محاكمة علنية وواضحة تبرأ النظام وتدين مجرمين. يمكن القول ان عملية الاغتيال تعود الى طبيعة النظام الذي لا يتحمل ادنى اختلاف في السياسة الداخلية فبالنسبة اليه المواطن تابع والشخصيات الاجتماعية والدينية قوى رجعية عليها ان تتبع النظام في كل شيء والا صفيت اذ يعتبر النظام كل ما هو خارج عن سيطرته الشاملة وكل من يخرج عن دائرة المخابرات والاجهزة القمعية هو خارج عن التعريف الوطني وبالامكان تصفيته بتهمة الخيانة أو العمالة أو الانهزامية. ان اغتيال الصدر دليل ضعف ومأزق, بل ان النظام القوي ليس مضطرا لهذه الممارسات التي تسبب له مزيدا من المتاعب والتفكك والتي تحشد مزيدا من القوى الداخلية والخارجية ضده, بل ان الاغتيال مثله مثل التهجم على الدول العربية وتهديد تركيا والسعودية والكويت يعكس تخبط في السياسة وعجز عن مواجهة جوهر المشكلة وربما عدم استعداد للتعامل مع عالم متغير لم يعد يتحمل هذه الممارسات مهما كان مصدرها وفي اي دولة كانت. ولهذا قد لا يكون سبب الاغتيال مجرد اختلاف لا يتحمله النظام بل لو كان هذا هو السبب لتحمله الرئيس العراقي لفترة من الزمن على الأقل الى ان تمر الأزمات من حول العراق, ولكن اغتيال الصدر يعكس حالة الخوف من الغليان في العراق, فالدولة تشعر بالتجمعات الدينية وتشعر بحالة التذمر الشاملة وقد يكون الصدر قد تحول من خلال موقفه الى رمز ومرجع تنفس الجموع الشعبية من خلاله عن ذاتها وتعبر عن طموحاتها, وقد يكون الصدر قد تحول لرمز من رموز التغيير الهادئ الذي لا يتحمله النظام مهما كانت طبيعته ومهما كان ايجابيا. من الواضح ان الشعب العراقي سأم الحالة التي يعيش في ظلها وهو يعرف كل يوم ان المستقبل في ظل الرئيس العراقي هو مستقبل مع الحرب والتجنيد والمواجهات مع دول العالم وبالتالي مع الألم, حالة الغليان في العراق ليست جديدة: انتفاضة 1991 كانت مخبأة في العراق وكان دليل كبير على سعي العراقيين للحرية, ان عناصر التغيير قائمة في العراق كما كانت قائمة في السابق, اذ لايوجد شعب يختار العبودية او يختار ان يعيش في ظل ظروف استثنائية كهذه بل قد تكون عملية الاغتيال نقطة تحول في وضع المعارضة العراقية وفي حالة المواجهة بين الجيل العراقي الصاعد وبين النظام قد تكون هذه الحادثة نقطة تحول لصالح استعداد قطاعات أخرى من المجتمع لمواجهة القوانين التعسفية والسيطرة المطلقة لأجهزة فقدت الشرعية وتقود العراق من مأزق إلى آخر. * أستاذ في قسم العلوم السياسية جامعة الكويت