تعرض مجموعة من زملائنا الصحفيين مؤخرا الى الطرد عدة مرات من اجتماعات لجمعيات عمومية لمصارف وطنية , بعد أن يكون هؤلاء قد حرموا أنفسهم من قيلولة ما بعد الغداء لكي يكونوا في الوقت المناسب لهذه الاجتماعات, وهذه عادة ما تنعقد بعد الظهر, غير ان القيلولة ليست هي ما يهم الزملاء, لأنهم نذروا أنفسهم للحرمان من المتع, قدر ما يهمهم ما يعتقدون أنه مهانة لمنعهم من حضور الاجتماعات. وهكذا فقد طرد هؤلاء مرتين من اجتماع لمصرف ومرة من اجتماع لمصرف آخر, فنذر زميل نفسه من بينهم للاتصال بي من موقعه على رصيف الشارع, وإبلاغي بما يتعرضون له, طالبا النجدة, وبما أنني لست نقيبا للصحفيين, حيث لا نقابة ولا جمعية, فقد اقترحت على الزميل أن يرفع مع المطرودين من صحفيين ومصورين لافتات احتجاج فأرسل بدوري مصورا يلتقط لهم صورا يمكن نشرها مع تعليق مناسب, وهو أقصى ما يقدر عليه صحفي لمناصرة زملاء ينتظرون على الرصيف. غير أن باب النجار مخلع كما يقولون, فحتى نشر صورة تعبر عن احتجاج صحفيين على ما يتعرضون له أمر غير ممكن, فأولاً ممنوع الاحتجاج على طول الخط ومن كل نوع ولو كان ظريفا كحالة زملائنا, وثانيا لأن نشر صورة لصحفيين تعبر عن بعض معاناتهم يمكن أن يفسر على انه استغلال للمهنة, فيكون الصحفي عندنا, الذي ينقل هموم الآخرين, محروماً تماما من التعبير عن همومه, ما يجعله في وضع جيتك يا عبد المعين تعين .. إلخ. طبعاً المصرف وكل جهة أخرى يحق لها أن تمنع الصحفيين من حضور اجتماعاتها, باستثناء الجمعيات العمومية, فهذه من المفترض انها لكل الأعضاء, أي ما يشبه البرلمان لهذه المصارف التي هي في النهاية شركات مساهمة عامة, لا ملكية خاصة, ومن المفترض انها تجتمع لإبداء الشفافية المطلوبة والنقاش الحر والافصاح عن المعلومات, لاكتمها, مما يجعل حرمان الصحفيين من حضورها يتناقض مع هدف العلانية المنشود لهذه الاجتماعات. ورغم اننا نقدر احيانا ان هذه الجمعيات يمكن أن تبحث أموراً خطيرة ومصيرية تتعلق بشركاتها, كبحث زيادة رأس المال مثلاً لمصرف متعثر أو كبحث الاندماج لمصرف آخر, ما يجعل السرية مطلوبة, إلا أن طرد الصحفيين منها لا يحقق السرية, لأنه يمكن لأي عضو من الحاضرين أن يسرب الاخبار لاحقا وهو ما يحدث عادة. ثم ان عقلية الطرد والمنع تتعامل مع الصحفيين على أنهم أشخاص غير مؤتمنين, مع أن الصحفي يمكنه أن يحضر اجتماعات خطيرة فعلاً, اجتماعات الجمعيات العمومية ليست إلا أبسطها, ومع ذلك يكون صادقاً ومخلصاً إذا طلب منه عدم النشر لضرورات معينة مقنعة, وهو ما يحدث فعلاً, حيث الصحفي لديه من المعلومات والأخبار ما تطلب المصادر عدم نشرها, فيحترم ارادة المصادر. وهكذا, فإن بعض مديري ورؤساء مجالس الشركات والمصارف وغيرها من جهات حكومية وغير حكومية, لم يطور علاقاته مع الصحفيين على نحو ايجابي يقوم على الثقة المتبادلة والاحترام لمهنة الصحافة, وبدلاً منها ساهمت بعض تصرفاتهم بزرع الشكوك في الصحفي بوصفه عنصراً دخيلاً, حيث لا تزال عقلية المنع وحجب المعلومات سائدة, ما حوّل الصحفي الى شخص غير مرغوب فيه, وما جعل بعض زملائنا مؤخرا ينتظرون على الرصيف خارج اجتماعات مصرفين كبيرين بانتظار أية معلومات تتسرب من هنا وهناك, أي من الشباك لا من الباب الرئيسي, كثمرة من سوء العلاقة بين المصادر والصحافة.