ثلاثة شروط الزامية لابد من توافرها لقيام أية دولة, هي: وجود شعب, وحدود واضحة, وسيادة لابد من بسطها على هذه الحدود, هذه الشروط يعرفها حتى الطالب المبتدئ الذي يتعرف على أبجديات السياسة ونشأة الدول , وربما من منطلق هذه المعرفة يحتج الكثيرون من المحللين السياسيين على السيد عرفات والسلطة الفلسطينية بسبب قرارها اعلان الدولة الفلسطينية في مايو المقبل. وبالتأكيد فليس كل المحتجين من هذا النوع الذي ينظر للأمور وفق حساباتها العلمية, فهناك واقع آخر نعيشه يوميا يؤكد ان القوة أحيانا والنفوذ يمكنهما تمرير أكبر الأخطاء وتكريس اعظم المخالفات حتى للقوانين الدولية المتعارف عليها. فالذين يعترضون على عرفات يعرفون تماما انهم يتسترون بعلم السياسة ليمرروا لهذا (المناضل) القديم والمتمرس حقيقة واضحة هي ان العناد الفلسطيني (الرسمي) ما عاد ورقة رابحة أبدا, وان هذه الورقة هي الأسرع احتراقا في يد لاعبها ذلك ان أوراق بعض اللاعبين أخطر وأقوى, ووحده الفلسطيني مازال على ما يبدو يعيش خارج نطاق الزمن, فالزمن لم يعد زمن القضايا, والضغوطات التي تراهن على المواقف, الزمن اليوم هو زمن أمريكا والصهيونية العالمية ومن يقوم بالدور المطلوب منه دون أية محاولة للخروج على النص. السيد أبو عمار لا يزال معتقدا بأنه اللاعب الأمهر في ميدان السياسة الشرق أوسطية أو على الأقل من بين أكثر اللاعبين ذكاءً, ولذلك فهو يناور في قضية اعلان الدولة الفلسطينية في مايو المقبل موعد الانتخابات الاسرائيلية, وهو يفعل ذلك لتحقيق عدة أهداف منها احراج الحكومة الاسرائيلية وكسب الشارع الفلسطيني, وافتعال نوع من الضغط على (اسرائيل) التي يعلم عرفات ان هناك العديد من القوى مستعدة لدفع المطلوب مقابل رفع الحرج عنها وأولهم الولايات المتحدة ثم دول غرب أوروبا. علماء السياسة والمنظرون العقلاء والعالمون بتفاصيل ودقائق الشارع الاسرائيلي ـ الفلسطيني يعلمون ان عرفات لا يمتلك شروط قيام الدولة حتى وان امتلك احدها (الشعب) فإن (الحدود أو الأرض) لا وجود لهما, وتأكيدا فلا (سيادة) في ظل هذه السيطرة الاسرائيلية على كل مناحي الحياة في فلسطين حتى في مناطق الحكم الذاتي. من المتوقع ان يحقق عرفات (بعض) أهداف حملته الدبلوماسية التي يشنها على اسرائيل مؤكدا عزمه الصريح والقوى لاعلان الدولة, والمؤكد انه سيتراجع في اللحظة الأخيرة, كما فعل الوفد الفلسطيني في كل مفاوضاته ومناوراته مع الاسرائيليين سواء في أوسلو1, أو اوسلو 2, أو واي ريفر, وحتى لو لم يحصل عرفات على ما يريد فيكفي ان يضع نصيحة الاصدقاء الايطاليين في عين الاعتبار, فهؤلاء حين طالبهم الرئيس المصري حسني مبارك بتقديم الدعم اللازم للسلطة الفلسطينية لاعلان قيام الدولة المستقلة أجاب رئيس وزرائهم (ماسيمو داليما): نحترم حق الفلسطينيين لكن تأجيل الاعلان بسبب الانتخابات في اسرائيل يعتبر (لفتة احترام حيال شعب اسرائيل) ! ماذا يمكن ان ننتظر منهم غير ذلك؟ فعلماؤهم وسياسيوهم لم يقولوا يوما ان اسرائيل تفتقد عنصر الدولة لأنها حتى اليوم بلا حدود!!