قرار اسرائيل مؤخرا بمد الأسلاك الشائكة وزرع الألغام حول قرية (أرنون) وضمها الى الشريط الحدودي المحتل في جنوب لبنان, لم يكن بأي حال من الأحوال حدثا مفاجئاً لأحد , وذلك ان بنيامين نتانياهو رئيس وزراء اسرائيل وزعيم كتلة الليكود لايخفي رهانه ونواياه للفوز في الانتخابات النيابية المزمع اجراؤها في اسرائيل يوم 17 مايو المقبل, حتى لو كان الثمن أرواح ودماء اللبنانيين والفلسطينيين, وضرب الحائط باستحقاقات السلام على مختلف المسارات! والمشاهد ان هذا النهج والأسلوب الذي يتبناه نتانياهو مطلوب لذاته ولايحتاج الى تبرير من جانبه, كونه ينسجم ويتزامن مع المضمون والنتائج التي أسفرت عنها استفتاءات الرأي العام في اسرائيل, إزاء رفض الأغلبية الشعبية لمطلب السلام العادل والشامل الذي يعيد للعرب حقوقهم المشروعة وأرضهم السليبة, وهو ما يؤكد على ان خطاب اليمين التوراتي المتعصب في اسرائيل ما زال يلقي بظلاله الكابية على أطروحات الأحزاب الاسرائيلية, والنخب السياسية والقيادات العسكرية التي يصفها المراقبون, بالاعتدال النسبي! ومن هنا تبدو المعادلة التي يطرحها نتانياهو (زعيم قوى وشعب قوي) كما لو أنها الورقة الرابحة في الانتخابات الاسرائيلية, وأنه بقدر مزايدة الأحزاب المتنافسة حول هذا الطرح يتأتى لها كسب المزيد من أصوات الناخبين والفوز بأكبر عدد من مقاعد الكنيست, ومما لايقبل التأويل ان قوة الزعيم وقوة الشعب لا تعني سوى الاستقواء على العرب, باعتبارهم الخصم الوحيد الذي يتهدد أو يعارض إنجاز المشروع الصهيوني الاستراتيجي الرامي لإقامة دولة اسرائيل الكبرى كقوة اقليمية عظمى في الشرق الأوسط على حساب الوجود العربي. بمعنى آخر ان نهاية الحرب وإعلان السلام مع العرب, من شأنه نهاية الحلم الصهيوني, بداية بتوقف عملية الهجرة اليهودية الى اسرائيل ووقف مسلسل ضم الأراضي الفلسطينية وبناء المزيد من المستوطنات تباعا, وانتفاء المصداقية عن دعوى تهديد العرب لأمن اسرائيل, مما قد يغري أمريكا على إعادة النظر في دورها كشرطي مؤتمن على مصالحها واستراتيجيتها الكونية في الشرق الأوسط, ومن ثم تخفيفها؟ من دعمها الاقتصادي والسياسي والعسكري الذي يوفر لها اسباب الحياة والحماية والتوسع, وكذا حرمانها من جباية الضريبة المفروضة على يهود العالم كمصدر أساسي لتمويل الخزانة الاسرائيلية, وبطلان حقها في التعويضات المالية الجزافية لدى الدول والمؤسسات التي تتهمها بالتواطؤ مع النازي في اضطهاد اليهود و..و.. تلك هي القراءة الصحيحة للممارسات الاسرائيلية المعادية للعرب أمس واليوم وغدا, والتي تفند مختلف حجج بعض من يسعون الى تطبيع العلاقات مع اسرائيل, قبل أن تؤكد عمليا على أرض الواقع تطبيعها للعلاقات المتكافئة مع الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين. وإذا كانت اسرائيل قد احتلت قرية (أرنون) بزعم حرمان حزب الله من الانطلاق عبرها لشن عمليات حرب العصابات ضد قواتها في الجنوب اللبناني, الا ان حزب الله سرعان ما رد لها صاع الانتقام صاعين, عندما اشتبكت عناصره في معركة شرسة مع دورية اسرائيلية في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء الماضي, راح ضحيتها ثلاثة ضباط وخمسة جرحى من الاسرائيليين أحدهم صديق شخصي لنتانياهو الذي اعترف بأن الهجوم الذي قام به حزب الله كان (مؤلما جدا) أو (قاسيا جداً) !. ومن عجب أن تعلن اسرائيل ان المعركة استمرت أربعة ساعات, وأنها أكبر عملية عسكرية لحزب الله مطلع هذا العام, وأفضت الى استيلائه على كميات كبيرة من الأسلحة الاسرائيلية, ومقتل قائد وحدة كوماندوز المظلات الرائد يلهسان, ثم تمضي 24 ساعة حتى يعلن القائد العسكري للمنطقة التي تحتلها اسرائيل في الجنوب اللبناني جلبي اشكنازي ان القتلى والجرحى الاسرائيليين وقعوا ضحية عملية عسكرية غير مدبرة لم يحددها في منطقة التماس جنوب سهل البقاع حيث تتمركز القوات السورية. ولاشك ان هذا التخبط في البيانات الاسرائيلية, يستهدف حرمان حزب الله من دوره النضالي في قيادة المقاومة اللبنانية من جهة, والقاء شبهة التصدي للدورية الاسرائيلية على القوات السورية من جهة أخرى, وهو ما يفسر ظهور رئيس لجنة الأمن في الكنيست على شاشة التلفزيون وتصريحه المريب حول: (عدم معقولية قتل أبنائنا بينما الجيشان اللبناني والسوري يقفان مكتوفي الأيدي) , وفي أعقابه أدلى نتانياهو بتصريحه الغامض حول ضرورة وضع التدابير الكفيلة بتأمين انسحاب اسرائيل من لبنان, في الوقت الذي يتواصل القصف المدفعي الاسرائيلي على الجنوب اللبناني بمعدل 40 قذيفة في الساعة! الرسالة الاسرائيلية واضحة, وتكمن في احتمالين, فإما أن ينفذ نتايناهو تهديداته بضرب البنية التحتية في لبنان, وإما توجيه ضربة إجهاض أو إرباك للقوات السورية في لبنان, لكن في كلتا الحالتين سوف تظل القوات الاسرائيلية في لبنان والمستوطنات الاسرائيلية الشمالية في متناول هجوم المقاومة اللبنانية وفي طليعتها حزب الله, ولن يتحقق السلام الذي تنشده اسرائيل الا عبر التنفيذ غير المشروط لقرار مجلس الأمن رقم ,425 وتزامن التحرك صوب السلام على المسارين اللبناني والسوري, واغلاق ملف جيش الجنرال انطون لحد العميل الذي فاحت روائح فساده المالي على كل لسان في اسرائيل, رغم عجزه عن القيام بمهمته الأمنية في حماية ظهر اسرائيل في لبنان على حد قول جدعون عيزرا النائب عن حزب الليكود عند مناقشة الكنيست بنود الموازنة العامة (لسنا في لبنان لكي تزدهر أعمال الجنرال لحد) . في كل الأحوال يظل (فتنمة) الصراع العربي الاسرائيلي الأسلوب الوحيد والحاسم في الضغط على اسرائيل وتسليمها بالحقوق العربية المشروعة وجنوحها للسلام, أما لجوء الحكومة اللبنانية الى مجلس الأمن ولجنة المراقبة الدولية, فلن يجدي فتيلا في تحرير قرية (أرنون) وفك أسر سكانها, لأن القضية أكبر من ذلك, أن نكون كأمة عربية أولا نكون, وتملك الأمة العربية كل المقومات التي تؤهلها للتصدي لمشروع اسرائيل الكبرى, وكلنا يعلم هذه الحقيقة. كاتب مصري