من التجليات المثيرة في هذا الزمان أن نشهد ذلك العبث بالمفاهيم والدلالات, والانقلاب المشين في معاني القيم والفضائل, وفي سبيل تهيئة الأجواء للقبول بتلك المفاهيم يجري ـ مثلا ـ الترويج لأعمال فنية, أقل ما يمكن وصفها به بأنها غير لائقة وغير مناسبة, خاصة إذا اقترنت, أو تخللت, ظروفا بائسة تحيط بتلك الأعمال . ومن أسف ان نفراً من (المثقفين) ارتفعت أصواتهم, وعلا ضجيجهم لإثبات براءة تلك الأعمال, بل وفضلها واستحسانها, وفي سبيل ذلك, جرت عمليات تحسينية لبعض الفئات التي تتعاطى الفن. فالراقصات شبه العاريات ـ مثلا ـ فنانات شرقيات!, والتجمعات الماجنة الممتدة الى الصباح حفلات أو سهرات ترفيهية.. وهلم جرا. والأفدح من ذلك, أنه يجري إبراز تلك الفئة من (الفنانين) كأبطال يجب ان تتوجه إليهم انظار هذا الجيل من الشباب والفتيات بحسبانهم القدوة والمثل الأعلى الذي يجب ان يتطلعوا إليه, ولايحتاج المرء في سبيل تقرير هذا الكلام وإثباته الى أدلة وبراهين, حيث إن شيوع هذه الحالة المتردية كاف للدلالة على هذا الواقع المؤلم, الذي تجاوز في خطورته على ما أشرنا إليه الى عدوان (آثم) على العقائد الدينية بما يشكل تهديدا لمنظومة القيم المستمدة منها والمستقرة في المجتمع. كما أنها اصبحت سببا في حرج مشاعر الناس, أو الرقص على جراحهم وآلامهم. وسنشير الى بعض تلك المظاهر المحزنة. حكاية الفنانة الفدائية بدأت فصول هذه الحكاية بتظاهرة ثقافية عربية, جرى تنظيمها في بلجراد في وقت اشتدت فيه سهام الصرب نحو مسلمي كوسوفو, وبلغت هجمتهم مداها عندما جرت مذبحة راتشاك في شهر يناير الماضي. وبصرف النظر عن طبيعة تلك التظاهرة وماحوتها فإن أقل ما يمكن أن يقال في شأن تلك الخطوة بأنها جاءت في وقت غير مناسب, وظروف غير ملائمة. وأعطت في تلك الساحة من مآسي لم تعد خافية على أحد من العالمين. ولست هنا بصدد الخوض في تفاصيل تلك التظاهرة ولا هوية المشاركين فيها, وإنما قصدت أن ألفت الانتباه الى عدة أمور تمثل دروسا يمكن الإفادة منها في سياق ذلك الحدث وتداعياته. وفي الإطار نفسه تم صنع مقالة للأستاذ فهمي هويدي في العديد من الصحف التي تنشر له, لأنها اشتملت على نقد لتلك التظاهرة والقائمين على تنظيمها. لكنها ـ أي المقالة ـ وجدت طريقها الى النشر في صحيفة الشعب المصرية قبل ثلاثة أسابيع. أما الأمور المستفادة التي أشرت إليها فهي أن حدثا من ذلك القبيل جرى الترتيب له, بل وتنفيذه دون ان يثير ردة فعل تتناسب مع حجمه, وتنبه الى خطورته في هذه المرحلة. فلم يكد أحد يسمع شيئا عن تلك التظاهرة وأهدافها, وكأن إقامتها لاتعني العرب ولا المسلمين في شيء. مما أوحى بعدم اكتراث ابناء هذه الأمة, البعيدين عن ساحة المعركة, بما يرتكبه الصرب من إبادة واستئصال تجاه شعب مسلم لم يكن له ذنب سوى التعلق بهويته والمطالبة بحقوقه في وطنه وأرضه. وعندما جرت محاولة لفت الانتباه الى خطورة الأمر, بواسطة الاستاذ هويدي, قوبلت تلك المحاولة بحملة استنكار هائلة تجاوزت الكتابة الى الكاتب. وتم فيها طمس الحقائق وتلبيس الأمور بحيث حرصت تلك الحملة على إظهار الكاتب في صورة ذلك الشرير الذي تكتنف أعماله نوايا ومقاصد سيئة. ولايتورع عن سرد الأكاذيب والافتراءات لترويج ادعاءاته. وقد تولى كبر تلك الحملة مجلة عربية أخذت على عاتقها السير في ترويج ثقافة الإباحة والانفلات. وتميزت, في كل أعدادها تقريبا, بذلك النوع من الإثارة, بل وتشديد الخناق على كل منتم ديني باعتباره اتجاها يمثل البؤس والتخلف , ويدعو الى الارهاب والتطرف. المهم انه في سياق تلك الحملة تم سوق المبررات التي تسمح, بل وتحبذ, اقامة مثل تلك الفضيحة الثقافية المشتملة على الانشطة الموسيقية في بلجراد. من تلك المبررات التي اوردتها المجلة ان الساحة يجب الا تترك امام المحاولات الاسرائيلية الحثيثة لوضع اقدامها في هذا الموقع خلال الانشطة الثقافية والعلمية وانشطة النشر والترجمة والفنون!! ومن ثم اعتبرت المجلة كل مشاركة في تلك المجالات من قبيل الاعمال الوطنية البطولية, بل وتعد جهادا مطلوباً! واطلقت على احدى العازفات المشاركات في تظاهرة بلجراد لقب (فدائي) , ووصفتها بـ (هذه الفدائية التي سافرت الى بلجراد .. ليس لكي تعزف لجنود الصرب وانما لكي تعبر عن بلدها ثقافيا وحضاريا .. حيث قوبلت هناك بحفاوة بالغة بينما هاجمها كاتب لايعرف شيئا عما فعلت !! ونقلت المجلة ذاتها عن مفتي المسلمين في بلجراد قوله لتلك الفنانة بارك الله فيك يافتاتي من اجل ديننا!! ولعل في هذا الوصف كفاية تغنينا عن مناقشة هذا الرأى في اثبات التعريف الجديد للجهاد والفدائية والقتال من اجل الدين. عدوان آخر مسكوت عنه هذا العدوان الجديد تجاوز في انتهاكه حدودا هامة وبلغ مدى يجب ان تكون معه وقفات جادة بحيث ينظر فيها عن اسباب ظاهرة هتك الثوابت العقدية وقدسية النصوص الدينية. ذلك ان الجرأة التي بلغت لدى بعض الناس ازاء تلك المسلمات اصبحت تتجاوز في مظاهرها مسألة حرية الفكر والتعبير الى انتهاك ضمائر امة يقدر تعدادها مليار انسان. المثال الذي ساشير اليه هو لمطرب عربي عاصي يدعي انه لم يرتكب قط معاصي, وقد اقام حفلة بائسة في لندن, والمعلومات التي اوردها هنا وردت في صحيفة عربية متاحة بشبكة الانترنت. وقد بدأ ذلك المطرب حفلته تلك باغنية (حكت هي وسكت آني, تقول المستحيل انت) ثم انشد أبياتاً تقول: (جس الطبيب مفاصلي ليداوني, قالت: ما يشفيك؟ قلت لها الوصال. قالت: ازيدك بالوصال, فقلت بس, قرأت سعاد بضد ما أقرأ أنا, اقرأ ( الم نشرح) فتقرأ ( عبس عبس) .. ياليل ياليل . التساؤل الذي يجب ان يمثل الحاحا شديدا هنا هو: لماذا يحدث الامتهان لنصوص القرآن الكريم على هذا النحو المحزن؟ والذي لاشك فيه انه قبل الاجابة على مثل هذا التساؤل يجب ان نعرج على امر هام, هو البحث عن الاسباب التي انتجت مثل هذا العبث بالفكر والثقافة والمعتقدات الدينية. وهو بالتأكيد يقودنا الى اصل المشكلة المتمثل في (علمنة الثقافة) , بحيث تراجعت في ظل منظومتها قيمة الدين والتراث المنبثق عنه. ومن ثم اصبح هتك المقدس من الامور التي تستمد (شرعيتها) من تلك المنظومة التي تفصل بين الدين وكافة شؤون الانسان وقضاياه الحياتية, بل ان الثوابت تحولت في اجواء العلمانية المادية الى امور نسبية ليس لها صفة المطلق, واصبحت تلك الثوابت, تحت شعار الحرية المطلقة وبدعوى الابداع, من الاشياء التي يمكن اقتحامها وبأي شكل رغب فيه الانسان العابث, ويعد هذا المطرب الذي نقلنا طرفا من عبثه بآيات القرآن مثالا صارخا للمتعلقين بتلك الدعوى. بل ان ابداع بعضهم لايتحقق, او لايتميز ويكتسب الصفة العالمية الا اذا اوغل في الانتهاك واسرف في العبث بتلك النصوص. اما دعوى الحرية (المطلقة) التي يتوكأ عليها أولئك العابثون فتلك حكاية اخرى. تسقط اذا سئل احدهم ان يقتحم ميدانا غير ميدان الدين والعقائد, فحينئذ ينكشف المستور ويتجلى الجبن في ابرز صوره وتتخاذل الحرية التي يتمسح بها اولئك القوم. مدير جامعة زايد بالانابة