اذا كان الفلسطينيون هم تراجيديا العصر الاولى, فان الأكراد هم المأساة الاخرى التي لا تقل دموية وتعقيدا, واذا كانت السياسة قد تآمرت على الفلسطينيين, فان الجغرافيا والسياسة ولعبة المصالح الكبرى قد قضت على الأكراد وادخلتهم هذا التيه الذي لا يريد ان ينتهي . يقولون بأن القبض على الزعيم الكردي عبدالله أوجلان قد وضع القضية الكردية على جميع الموائد, ونشرها كحبل الغسيل على الهواء مباشرة ضمن كل وسائل الاعلام والمحافل الدولية والجمعيات والمنظمات الانسانية والمتخصصة بشؤون الأقليات, لكن المعروف ان القضية الكردية ليست عبدالله اوجلان, انها قضية شعب يعد بالملايين لكنه محروم من ابسط حقوقه, ومضطر للهروب من أمسه ويومه, مضر لأن يعيش في الشتات وان يتوزع على حدود الدول, وان يتلقى الصدمات, ومطلوب منه ان يسكت, من أجل عيون النخب العسكرية الحاكمة التي ترفض مجرد مناقشة أمره, ومن أجل عيون الغرب الذي اصطنع قضيته, كما اصطنع كل ازمات العالم العربي قبل ان يرحل مودعاً حقبة الاستعمار والسيطرة. عن نفسي لم يكن عبدالله أوجلان بالشخصية الحاضرة في ذهني وربما في اذهان الكثيرين, مع ان اوجلان كزعيم ومناضل يحمل قضية شعبه موجود منذ زمن طويل وكذلك حزبه ونشاطاته. فجأة ظهر امس أوجلان متصدرا كل اعلام العالم, ظهر كمجرم ارهابي مطلوب القبض عليه, واصبح بين ليلة وضحاها الرجل الأشهر على وجه الكرة الارضية, حتى كاد ان يتسبب في كارثة في المنطقة عندما اعلنت تركيا الحرب على سوريا متهمة اياها باخفاء عبدالله أوجلان, وكان السؤال يومها: لماذا انتبهت تركيا فجأة لخطورة وارهابية اوجلان, ولماذا هذا التهديد غير المبرر لسوريا؟ وبما ان السياسة لعبة لا يستطيع اللاعبون فيها اخفاء أوراقهم طويلا, وخاصة ذلك اللاعب الذي يملك ورقة الجوكر, فقد لوحت أمريكا بكل أوراقها, وبدأت تحليلات السياسيين والمراقبين تشد الحبال الى بعضها حتى بدت الحقيقة واضحة فيما عرف بالتحالف العسكري الاسرائيلي التركي الامريكي, وما يعنيه ذلك من حلقات متداخلة تقود احداها الى الاخرى. وعلى ذلك فان القبض على أوجلان ليس سوى حلقة في مسلسل التحالف المذكور, بدأ بحصار العراق, وهذا الضغط الفج الذي يمارس ضد القيادة السورية لتنصاع الى طريق المفاوضات الثنائية مع اسرائيل, ثم الخطط المتوالية لتفتيت العراق وتحطيمه نهائيا تحت مظلة الاطاحة بصدام حسين, وما قاد اليه ذلك من الاستعانة بقاعدة انجرليك التركية التي تستخدمها امريكا حاليا لضرب العراق و.. الخ. من هنا كان هذا (التعاون) الذي اثمر عن تقديم رأس اوجلان على طبق من فضة لجنرالات تركيا بواسطة المخابرات الامريكية, التي شكرها الرئيس ديميريل صراحة على دورها في عملية الاعتقال التي ماكانت مخابرات تركيا وحدها كفيلة بانجاحها. اوجلان برغم كل ما يقال عنه, وسواء كان هذا الذي يقال صحيحا أم خطأ الا انه في نهاية الامر رمز لقضية انسانية عادلة, ويناضل بحمل عبء تركة ضخمة لشعب تآمر عليه الجميع, ومنظره معصوب العينين مقيد اليدين يثير الأسى في النفس, ويدفع للتعاطف الانساني معه, ويدمغ الديمقراطية الامريكية, ويجعل بن لادن يرتجف في مخبئه لأن الدور الآتي سيكون دوره والضجة ساعتها ستكون كبيرة!