تظهر تطورات الخارطة السياسية الاسرائيلية تقدما ملحوظا في مواقع ممثلي الطوائف اليهودية الشرقية, في مختلف الاحزاب الاسرائيلية, بما يتناسب ووزنهم في المجتمع الاسرائيلي , بعد ان عانوا طوال المراحل الماضية من هيمنة اليهود الاشكناز, ومن التهميش والاستبعاد الى المواقع الخلفية, ولعل الظاهرة الاساسية البارزة في المعركة الانتخابية الحالية هي ظاهرة صعود اليهود الشرقيين, ففي حزب العمل حقق البروفيسور شلومو بن عامي نجاحا منقطع النظير على قادة الحزب الاخرين,فبعد ان كان يحتل الموقع الرابع والثلاثين في قائمة الحزب لانتخابات الكنيست الحالي, بات يحتل الموقع الثالث بعد ايهود باراك (زعيم الحزب) وشمعون بيريز (لم يدخل الانتخابات), لانتخابات الكنيست القادمة, فقد نال بن عامي اعلى الاصوات في الانتخابات التمهيدية اليت شارك فيها 162 الفا من نشطاء حزب العمل, وفي حزب الليكود حقق سيلفان شالوم نجاحا مماثلا اذ جاء ترتيبه الثاني بعد زعيم الحزب بنيامين نتانياهو, وقد استطاع اربعة يهود شرقيين ان يكونوا ضمن اول خمسة مرشحين على قائمة الحزب لانتخابات الكنيست المقبلة, في حين تراجعت مكانة ارييل شارون وموشيه ارينز الى المكان الثامن والخامس والعشرين على التوالي في القائمة, اما حزب المركز فقد اختار اسحق موردخاي كمرشح له للتنافس مع نتانياهو وباراك على رئاسة الوزراء, وهي المرة الاولى التي يتقدم فيها يهودي شرقي للتنافس على هذا الموقع, والى جانب هذه الاحزاب ثمة حركتا جيشر التي يتزعمها ديفيد ليفي, وشاس (الدينية) التي يتزعمها الحاخام عوفاديا يوسيف, وهما حركتان تمثلان بشكل خاص اليهود الشرقيين, هذا فضلا عن الحركة التي يتزعمها زعيم الهستدروت عمير بيريتس والذي يخوض الانتخابات بقائمة مستقلة بعد ان انشق عن حزب العمل. وتبلغ القوة العددية لليهود الشرقيين في فلسطين حوالي 50 ــ 55% بعد ان كانوا يمثلون حوالي 10% من اليهود في فلسطين قبيل اعلان الدولة العبرية, ولولا موجة الهجرة اليهودية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق لكان الميزان مختلا بشكل واضح لصالح اليهود الشرقيين, ويشكل يهود الاتحاد السوفييتي السابق اكبر كتلة يهودية في اسرائيل, وتليها كتلة يهود المغرب (حوالي 600 ألف). منذ وصولهم الى (ارض الميعاد) , احس اليهود الشرقيون (من ضمنهم يهود البلدان العربية) بالمكانة الدونية التي وضعت لهم في اطار المجتمع الاسرائيلي وفي مؤسساته السياسية والاقتصادية, وحتى بالنسبة الى مستوى الخدمات المتدنية التي تقدم لهم بالقياس الى مستوى الخدمات العالية الذي كانت تقدم للمهاجرين اليهود من الدول الغربية, ومن ذلك الوقت ظهرت كلمة (اسرائيل الثانية) , التي تشمل اليهود الشرقيين (السفارديم) و(اسرائيل الاولى) التي تعني اليهود الغربيين (الاشكناز) , في وضع يعكس عمق انقسام المجتمع الاسرائيلي. وكان من الطبيعي (آنذاك) ان يحتل اليهود الاشكناز موقع الهيمنة في اطار الحركة الصهيونية ومن ثم في اسرائيل, بسبب قوتهم العددية وبحكم مستوى التعليم والتأهيل اللذين اكتسبوهما في الغرب, ونظرا لتمتعهم بالامكانيات المالية, وبالاساس فالاحزاب الاسرائيلية هي اصلا امتداد للاحزاب الصهيونية التي كانت موجودة في التجمعات اليهودية في بلدان اوروبا الغربية والشرقية فهؤلاء اليهود هم اصلا اصحاب المشروع الصهيوني واصحاب الجهد الاكبر في قيام دولة اسرائيل, وهم الذين عملوا على دمج اهداف الحركة الصهيونية في المخطط الاستعماري للمنطقة. وعليه فمن الطبيعي ان يشعر اليهود الشرقيون بالغربة والاحباط وبالاضطهاد في هذا المجتمع, الذي لم يجدوا انفسهم فيه بالشكل الذي كانوا يحلمون به, والانكى من ذلك, انه بسبب ضعف مستواهم التعليمي وتدني امكاناتهم المادية, اضطروا للعمل في الاعمال التي يأنف منها اليهود الاشكناز. ولم يتوقف الوضع عند هذه الحدود اذ تجاوز الامر ذلك الى حد محاولة اليهود الاشكناز فرض ثقافتهم وقيمهم الغربية على اليهود الشرقيين, وبالتالي فرض روايتهم هم للتاريخ اليهودي باعتباره تاريخ الاضطهاد والنفي والهولوكست, وكأنه ليس ثمة تاريخ لليهود الا تاريخ يهود, اوروبا, وكان هؤلاء هم اليهود فقط, اما رواية اليهود الشرقيين وثقافتهم فيجب العمل على الغائها, باعتبارها تتنافى مع ثقافة الغرب, وباعتبارها نفيا يهوديا للرواية اليهودية الغربية, التي هي رواية الصهيونية ذاتها, يقول امنون راز: (برز هذا البعد بشكل خاص في معاملة اليهود الشرقيين) , اي اولئك الذين هاجروا لإسرائيل من البلدان العربية, كان شرط اندماجهم في المجموع اليهودي ــ الإسرائيلي هو التنازل التام عن ثقافتهم العربية, تلك الثقافة التي تحددت هويتهم في داخلها, وبضمن ذلك يهوديتهم, وذلك كنتيجة حتمية للتماثل الصريح للثقافة الجديدة مع الغرب) , وبالطبع فقد أدى ذلك الى نفي ثقافة اليهود الشرقيين ومحو هوياتهم الخالصة, ودمجهم بشكل قسري في الثقافة اليهودية الاشكنازية, تقول إيلا شوحط: (ان الفصل الأورو ــ اسرائيلي للجزء (اليهودي) من الجزء الشرقي أوسطي, أسفر عن تفكيك عملي للجماعات اليهودية في العالم الإسلامي, وعن ضغوطات مورست على السفارديم لكي يعيدوا اصطفاف هويتهم وفقا للنماذج اليهودية الاشكنازية المستوردة من أوروبا, كانت الصهيونية الأوروبية, خدعة ثقة كبيرة لعبت على المزراحيم, وهي مجزرة ثقافية ذات نسب ضخمة, ومحاولة ناجحة جزئيا لإلغاء, في جيل أو جيلين, آلاف الأعوام من الحضارة الشرقية المتجذرة, والموحدة حتى في تنوعها) . ولما كان حزب العمل هو الذي حكم إسرائيل طوال الفترة بين 1948 ــ ,1977 فقد اعتبر هؤلاء هذا الحزب مسؤولا عن سوء أوضاعهم, وعن سوء معاملتهم, لهذا فإن دعمهم لليكود لم يكن تعبيرا عن التطرف في أوساطهم بقدر ما كان نقمة منهم على الحزب الحاكم. بكل الأحوال لم يركن اليهود الشرقيون للوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه, بل عملوا على مقاومته والتخلص منه, وقد ساعد على ذلك إحساسهم بتنامي قوتهم العددية وتطور أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية, ولم تعد عقدة ضعف مساهمتهم في قيام دولة اسرائيل لتشكل نقصا لديهم, وهذا يفسر إلى حد ما الاتجاهات المتطرفة لديهم في بعض المراحل, تأكيدا منهم لولائهم للدولة, فقد ساهموا في الحروب التي خاضتها اسرائيل, كما ان اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية التي تحسنت, عكست نفسها على المستوى السياسي, إذ باتت نسبتهم في عضوية الكنيست تتزايد, كما دخلوا الوزارة الاسرائيلية في عهد أول حكومة لليكود, وبدأوا يشكلون أحزابهم السياسية والدينية التي تعبر عنهم وعن مصالحهم. وفي الحقيقة فإن الانقسام بين الشرقيين والعلمانيين هو أحد التناقضات التي تعتور المشروع الصهيوني منذ قيامه, لاسيما ان هذا الانقسام اتخذ طابعا ملموسا من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية بعد قيام اسرائيل, وعليه فإن التناقض بين المتدينين والعلمانيين الذي يبرز اليوم في اسرائيل ليس هو التناقض الوحيد المرشح للتأزم فيها, فثمة التناقض بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين, بكل جوانبه التاريخية والثقافية, وأيضاً التناقض بين المتطرفين والمتشددين في قضية التسوية, فضلا عن التناقضات الاجتماعية والسياسية الأخرى, وثمة من يتحدث عن طوائف المجتمع الاسرائيلي والحرب الثقافية التي تدور رحاها بين هذه الطوائف من علمانيين ومتدينين, أو يساريين ويمينيين, أو شرقيين وغربيين, وثمة من يتحدث بصراحة عن وجود شعبين, يقول أوري أفنيري: يعيش هنا شعبان, لا يفصل بينهما فقط اللباس وطريقة الحديث, ولا فقط غطاء الرأس ولائحة الطعام, وإنما كل شيء تقريبا: الإحساس بالانتماء, المعيار, منظومة القيم, الحس الأخلاقي والخلفية الاجتماعية, فقد تلقى كل منهما تعليما مختلفا في أجهزة تعليمية منفصلة تماما, لا صلة اجتماعية بينهما, لا مجال للكلام الفارغ حول المصالحة والحوار يجب الاعتراف بحقيقة وجود شعبين هنا, وايجاد نظام يسمح لهما بالعيش جنبا الى جنب (معاريف 15/2/99) وكان يشعياهو ليبوفيتش قد حذر مبكرا من هذا المسار بقوله: عندما يسأل السؤال: هل لدينا عموما مستقبل مشترك, هل لدينا هدف موعود مشترك, بماذا نشكل, نحن هنا في دولة اسرائيل شعبا واحدا؟ جوابي هو أنني غير واثق البتة, هل في كوننا نؤهل معا دبابات أمريكية؟ أو نحظى معا بمنح أمريكية؟ هل نملك مضمون حياة مشتركة باستثناء جيش الدفاع الاسرائيلي؟ لكن إذا أصبح الجيش مضمونا قيميا للقومية فوا حسرتاه على هذه القومية. من الواضح انه ثمة عوامل عديدة تدفع الى بروز التناقضات الاسرائيلية, في هذه المرحلة منها عوامل ذاتية, ناجمة عن الشعور بتراجع الخطر الخارجي والإحساس بالأمان, وناتجة عن تبلور المجتمع الاسرائيلي, وتطوره من النواحي السياسية والاقتصادية والعلمية, بعد نصف قرن على قيام اسرائيل, ومنها عوامل موضوعية أخرى تتعلق بتأثيرات عملية التسوية, والمتغيرات الدولية والاقليمية, ويؤكد هذه الحقيقة الأديب الاسرائيلي يهوشواع بقوله: (الصراع العربي ــ الاسرائيلي, جوهريا) هو العمود الأساس الذي بنيت حوله الهوية الاسرائيلية على مدار ما يزيد على مائة وعشرين عاما, سيتأكل هذا العمود المركزي لتضامن الهوية الاسرائيلية تدريجيا مع تقدم عملية السلام, ستنفتح فجوة كبيرة في الهوية الاسرائيلية, كذلك ستكف الهجرة والاستيطان, والكفاح الأيديولوجي والعملي المرتبط بهما, عن ممارسة دور الهدف المشترك والتوحيدي في التجربة الاسرائيلية) . من المهم مراقبة ما يجري من تطورات في اسرائيل, ولكن من المهم اكثر الالتفات نحو بناء الأوضاع التي تمكن من استثمار التناقضات الاسرائيلية, ودفعها نحو اتجاهات تخدم تحقيق الأهداف العربية, وهذا لا يمكن أن يكون ناجعا الا بتعزيز العرب لقدراتهم ولتضامنهم في مواجهة التحديات التي تفرضها اسرائيل في المنطقة من مختلف النواحي وليس فقط من النواحي السياسية والأمنية.