(الشرق شرق والغرب غرب) تلك المقولة القديمة التي كانت سائدة في الشرق العربي اثناء الاستعمار الغربي, لم تعد مقبولة اليوم في عالم مابعد الحرب الباردة , لان الشرق لم يعد شرقا واحدا, ولا الغرب غربا واحدا, وذلك نتيجة لتحول الصراع مابين الشرق والغرب الى صراع مابين الشمال والجنوب, وهذا الامر اصبح واضحا تماما, منذ سقوط الاشتراكية الواقعية في الاتحاد السوفييتي والامور تتطور ايجابيا في الشمال, سواء في شمال العالم القديم, او في شمال العالم الجديد, بينما تتدهور الاحوال في الجنوب, الشمال يزداد قوة وتماسكا, والجنوب يزداد هزالا وضعفا. في العالم القديم, هناك الشمال المتمثل في اوروبا التي انتقلت خلال السنوات القليلة الماضية من فكرة قائمة على (سوق مشتركة) تحاول الاعتماد على سوقها الداخلية في تصريف منتجاتها دون حاجة - لو امكن - الى دول اخرى الا كمصدر لمواد اولية مطلوبة لتغذية صناعاتها التي تسير في تطور مستمر, او كسوق لتصريف الفائض من منتجاتها ووفقا لشروطها, لتصبح اتحادا يتجه نحو التكامل الجغرافي والاقتصادي, ويسير بخطى واسعة نحو تشكيل قوة عسكرية توجهها سياسة مستقلة, وان كان الاستقلال السياسي لايزال في حاجة الى مزيد من الوقت لتشكيله وفق قواعد مقبولة من الدول التي تشكل هذا الاتحاد, لايتعارض مع مصالح الشمال الآخر الذي تقف على رأسه الولايات المتحدة, فيما يظل جنوب العالم القديم (افريقيا والشرق الاوسط, وجنوب شرق آسيا) قابعا حيث هو على الرغم من اعلان استقلاله قبل عقود طويلة, لكنه استقلال لايتخطى وجود العلم بالوانه البراقة والنشيد الوطني بالحانه الرنانة, وحدود تتنازع عليها الدول مع جيرانها, فيكون الخلاف قائما قبل البحث عن اللقاء او التكامل. الامر نفسه يحدث في شمال العالم الجديد, الولايات المتحدة وكندا تمكنتا من تشكيل مجموعة (نافتا) , التي تنتمي اليها المكسيك (وهما لا حقيقة) , لان الحقيقة ان المكسيك اقتصاديا وسياسيا تنتمي الى جنوب العالم الجديد, يحاول البيت الابيض من خلال هذا التجمع ان تظل سيطرته على تلك المنطقة من العالم, وان امكن له ان يتخذ منه قاعدة ايضا للانطلاق نحو سيطرة اوسع تضم شمال العالم القديم, ولو على مستوى التحرك العسكري والسياسي. شمال العالم الجديد (الولايات المتحدة) على استعداد للحوار مع شمال العالم القديم (الاتحاد الاوروبي) للتنسيق في مواجهة الجنوب سواء في العالم القديم او الجديد, لان المصالح واحدة, والخلاف فقط على مدى الارباح التي يحققها كل طرف, اما اذا تعارضت الاهداف, ليس هناك احتمال واحد لقيام صراع بين الشمال القديم والشمال الجديد, بل هناك اتفاق على عرقلة اي محاولة للاستقلال يفكر فيها الجنوب في اي من العالمين القديم او الجديد. محاولات الجنوب سواء في العالم القديم او الجديد في الاستفادة (وهما) من تغير الاوضاع بعد الحرب الباردة, كثيرا ما تجد نفسها في مواجهة عقبات من صنع السياسة المتفق عليها بين الشمالين القديم والجديد, او في كثير من الاحيان دول الجنوب تصنعها بأيديها, او بمعنى اصح من صنع عملاء الشمال في الجنوب. بدا هذا واضحا في منطقة جنوب شرق اسيا التي كانت لسنوات طويلة مدعاة للتفاخر الشمالي على قدرة دول الجنوب تحقيق تقدم اقتصادي باهر, بشرط تطبيق نظريات الشمال وتحت رقابته, لكن عندما انتهى دور المثال تولت سياسات الشمال الامر, وانهت المثال. اما في جنوب العالم الجديد فإن تجربة (ميركوسور) البرازيل والارجنتين والاوروجواي والباراجواي) كانت حتى وقت قريب تسير على خطى جنوب العالم القديم (جنوب شرق اسيا) او هكذا خطط الشمال لذلك التنظيم الاقتصادي الرهيب الذي يضم البرازيل التي تعتبر ثامن اقتصاد في العالم من حيث حجم السوق, وهذا هو مايهم الشمال, الجنوب ليس سوى اسواق لتصريف فائض الشمال وتغطية عجز مصانع الشمال من حاجتها للمادة الخام. بعد فورة النصر بتشكيل تلك القوة الاقتصادية بدأ العد التنازلي لوقف نمو مجموعة ميركوسور بنقل سلبيات جنوب شرق اسيا الى الاقتصاد البرازيلي الذي انهار تحت التهديد بالضربات اكثر من مواجهة الضربات نفسها, وهنا تدخل الشمال القديم والجديد عبر صندوق النقد الدولي لتمهيد الارض لمزيد من الانهاك, والقضاء على امل جنوب العالم الجديد في الاستقلال الاقتصادي. حرك الشمال الجديد (الولايات المتحدة) قواعده في داخل ميركوسور لزرع الانهاك والاحساس بالتقزم في مواجهة الشمال, وبإيعاز منه غاب الرئيس كارلوس منعم عن اجتماع زعماء الجنوب الذي جرى عقده في ريو دي جانيرو الاسبوع الماضي, وادعى الاصابة بنزلة برد, في وقت يخيم الصيف فيه على جنوب وطنه. لكن غيابه لم يكن كل شيء بل كان غيابه البداية التي كشفت الصراع بين الشمالين في الجنوب الجديد, الولايات المتحدة تحرك قواعدها في الارجنتين لتنشر سيطرتها في ميركوسور قبل ان تسقط في يد الاتحاد الاوروبي الذي اقتحم قمة الجنوب برؤوس امواله التي تبدي استعدادها للمخاطرة في منطقة يقول صندوق النقد الدولي انه لا امل في مستقبلها القريب ويقدم البرازيل نموذجا. الصراع امريكي اوروبي في مجموعة ميركوسور, اي الصراع مابين الشمال القديم والشمال الجديد في جنوب العالم الجديد, تتبنى الارجنتين فيه رأي الشمال الجديد من خلال محاولاتها ربط عملات كل دول سوق ميركوسور بالعملة الامريكية (الدولار) وفي الطريق نحو تنفيذ الخطة تتهم شريكتها الكبرى البرازيل بعرقلة التكامل المتفق عليه, والرئيس منعم يلعب في هذا المخطط دور مخلب القط الامريكي على الرغم من العجز في الميزان التجاري الذي تعانيه بلاده في علاقتها مع الولايات المتحدة وعلى الرغم من الاحتمالات الجيدة في التعامل مع الاتحاد الاوروبي بعد ولادة (اليورو) الذي يوفر لدول ميركوسور رؤوس أموال كافية لتطوير الامكانيات الضخمة التي تتمتع بها في مجال المواد الأولية في اطار بسط سيطرة الاتحاد الأوروبي على تلك المنطقة. البرازيل من جانبها تنكفىء على نفسها بعد ان عانت خلال الأشهر القليلة الماضية من تطبيق (روشتة) صندوق النقد الدولي التي قضت على آمالها في الانتعاش الذي كانت تنتظره طويلا, وقضية تعويم (الريال) أثرت على علاقات دول ميركوسور, ودفعت بنقاط اللقاء فيما بين تلك الدول الى الظل لتفتح الطريق واسعا امام الخلافات التي تضعفها في مواجهة صراع الدولار واليورو. المعركة بين أمريكا وأوروبا, أو بمعنى أصح بين (الدولار) و(اليورو) في منطقة ميركوسور ما زالت في بدايتها, لكن نتائجها بدأت في التشكل بداية من الاعلان النهائي الصادر عن لقاء ريو دي جانيرو, ذلك البيان الذي لا يقول شيئا بقدر ما يكشف عن محاولة لاخفاء حقيقة الشروخ التي تسربت إلى بناء ذلك السوق. زعماء ميركوسور (البرازيل, والأوروجواي, والباراجواي) وبوجود وزير خارجية الارجنتين نائبا عن كارلوس منعم, أعادوا الى الذاكرة بيانات زعماء العالم المتخلف, كل شيء على أفضل حال, على الرغم من الأزمة التي هزت قواعد الاقتصاد البرازيلي وأطلقت شيطان النزاعات مع الشركاء من قمقمه, فإن بيانهم يؤكد على ان (مشروع ميركوسور يشكل حجر الزاوية في تطور دول المنطقة, ويعتبر الوسيلة الأولى نحو التنمية الاقتصادية والتكامل بين الدول الأعضاء (!)) . لكن غياب كارلوس منعم عن (قمة) ريو دي جانيرو نشر ظلالا على بيانه النهائى, وكشف عن مدى عمق الخلافات بين الدول الأعضاء في ميركوسور, بل أكد ــ في رأي بعض المراقبين ــ ان هذا التجمع الاقتصادي بدأ حصاره في معركة بين الدولار واليورو, ويسير في طريقه نحو نهاية حزينة تلقي به من تبعية قديمة الى تبعية جديدة, ولا يشك احد في ان النهاية المؤكدة هي الارتماء في أحضان (النافتا) , لأن الدولار في جنوب العالم الجديد دائما يكسب. كاتب مصري مقيم في اسبانيا