هذه المرة لا يأتي الابتزاز من الكونجرس الامريكي كما تعودنا, ولكنه يأتي من الادارة الامريكية نفسها ممثلة في واحدة من اهم اداراتها وهي المخابرات المركزية صاحبة التاريخ الطويل في التآمر على مصر والعرب خلال النصف قرن الاخير . التقرير المخابراتي الامريكي الذي اصبح على الفور مادة اعلامية ومجالا للتحرك في الكونجرس الامريكي, يجمع بين الابتزاز وبين البجاحة, حين يتهم مصر واربع دول عربية وبضع دول اخرى بالسعى لامتلاك اسلحة دمار شامل تهدد التوازن والسلام, وحين لا يأتي بكلمة واحدة عن ترسانة الاسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية والتقليدية المسماة باسرائيل, وكأن الوضع الطبيعي ان تكون مصر والدول العربية مناطق خالية من أي سلاح, وان تبقى اسرائيل وحدها هي التي تملك السلاح الذي يكفي للهيمنة على المنطقة ولتهديد الدول العربية والاسلامية من باكستان شرقا وحتى المغرب. انها السياسة الامريكية التقليدية نحو مصر ونحو المنطقة والتي يبدو أن كل محاولات مد جسور الصداقة والتعاون لم تفلح في تغييرها, ولعلنا نذكر هنا ما حدث في بدايات ثورة يوليو, وكانت العلاقات المصرية ــ الامريكية طيبة, وطلبت مصر في هذه الفترة بعض السلاح لتدافع به عن نفسها ضد اسرائيل التي بدأت التحرشات على الحدود لتمنع مصر من تنفيذ برامج التنمية التي اعلنت عنها, ودارت مباحثات واعدت قوائم بالاسلحة المطلوبة (ولم يكن بينها بالطبع اسلحة دمار شامل أو اشمل) وسافرت بعثة مصرية برئاسة علي صبري وكان على علاقة طيبة بالامريكان وقتها, ومرت الاسابيع والشهور, وعادت البعثة لتعلن انه لا فائدة, ولم تحصل مصر الا على مسدس اهدوه للواء محمد نجيب وقتها .. على سبيل التذكار! وما حدث بعد ذلك معروف, اتجهت مصر للسلاح الشرقي لتحمي نفسها, وبعد اكتوبر تغيرت الامور وتنوعت مصادر السلاح وكلها بهدف الحفاظ على الامن وردع العدوان, لكن النظرة الامريكية للامن في المنطقة لم تتغير, فاسرائيل فوق الجميع, لها كل شيء من القنابل الذرية إلى الصواريخ بعيدة المدى إلى كل انواع اسلحة الدمار الشامل وبمعونة وتمويل امريكيين, اما العرب, فعليهم التخلي عن اي طموح في تحقيق توازن يحفظ امنهم وامن المنطقة, وعليهم ان يظلوا تحت رحمة التفوق العسكري الاسرائيلي والا, فهم متهمون بالخروج على الشرعية الامريكية ــ الاسرائيلية. وهكذا يصبح اصلاح بطاريات صواريخ مصرية عملا يهدد الامن أما امتلاك اسرائيل للسلاح النووي فهو تضحية تؤديها للسلام العالمي, وهكذا يصبح سعي سوريا لامتلاك ما تدافع به عن امنها مبررا لوضعها في قائمة الارهاب, وهكذا يضرب مصنع ادوية في السودان أو مصنع مبيدات حشرية في ليبيا باعتبارها اسلحة للدمار الشامل, بينما تذهب احدث المعدات الامريكية لتساهم في تطوير ترسانة السلاح الاسرائيلية, وتجاهد امريكا لاستثنائها من اي معاهدات دولية لمنع انتشار الاسلحة النووية. والكلام هنا عن سياسة الكيل بمكيالين اصبح بلا معنى, فلا امريكا تخفي ذلك, ولا اسرائيل تعتبره سراً, ولا العالم يجهله. فمنذ خطيئة انشاء الكيان الصهيوني على اشلاء وطن عربي, وامريكا تعلن انها تكيل بمكيالين واحيانا بثلاثة, وان اسرائيل ليست الا ولاية امريكية في قلب المنطقة, ومن لا يعجبه فليشرب من البحر. ولقد قيل لنا يوما اننا نحن السبب حين اصررنا على ان تكون لنا ارادة مستقلة, وسياسة غير منحازة وحين قاومنا الاحلاف العسكرية في الخمسينات والستينات ويومها اعلنت امريكا سياستها التي تقوم على ان من ليس معها فهو عليها, ومن لا ينضم تحت لوائها فعليه ان يدفع الثمن. ولقد صدق البعض ذلك, وتغيرت سياسات, واصبحت امريكا هي الصديق الصدوق. وطرح البعض نظرية ان انضوائنا تحت لواء امريكا سيفقد اسرائيل ورقتها الرابحة, وان امريكا ستكتشف لا محالة ان مصالحها مع العرب وليس مع اسرائيل, وبهذا تفقد اسرائيل اهميتها بالنسبة لامريكا والغرب, وتنتهي سياسة الانحياز الامريكي ضد العرب, ويعتدل الميزان حين تصبح امريكا طرفا محايداً يسعى لاقرار السلام ويدرك ان السلام لن يتحقق الا باعادة الحقوق العربية. لكن ذلك كله تبخر بعد ذلك, وثبت لهؤلاء الذين روجوا له ان موقف امريكا من اسرائيل ثابت, وموقفها من العرب اكثر ثباتا. وان المطلوب اخضاع المنطقة للهيمنة الامريكية, والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها, وان اسرائيل هي الشريك الكامل والاداة الاساسية في هذه السياسة, وان اي حديث عن نظرة موضوعية امريكية تكيل بمكيال واحد وتلتزم بالشرعية الدولية وتجبر اسرائيل على الخضوع لها... هو مجرد وهم من الاوهام! وقيل يوما ان موقف امريكا العدائي من الاماني العربية مرتبط بالحرب الباردة, وبسياسة امريكية تسعى لتطويق الاتحاد السوفييتي وحصاره وتعتبر الاختراق السوفييتي في الشرق الاوسط خطراً على مصالح امريكا. وقيل يومها لو ان العرب اعلنوا العداء للسوفييت, وانهوا التحالفات بين موسكو وبعض العواصم العربية... لانتهى كل ذلك, ورضيت امريكا واستقرت وكافأت العرب على ما صنعوا, وردت الجميل بأجمل منه. لكن شيئا من ذلك لم يحدث. وفي البدء قطع الرئيس السادات علاقاته بالسوفييت, فكان رد كيسنجر اعتبار ذلك من باب التبرع الذي لا ثمن له. ثم دارت الايام بعد ذلك وانهار الاتحاد السوفييتي, وانتهت الحرب الباردة بانتصار ساحق لامريكا والغرب... فماذا كانت النتيجة؟ ازداد الانحياز الامريكي لاسرائيل وضد المصالح العربية, وبدأ العمل لوضع التصور الامريكي في المنطقة موضع التنفيذ... وهو تصور يعتمد على تقسيم العالم العربي وتفكيك اوصاله لتصبح اسرائيل هي القوة الكبرى التي تخضع لها المنطقة. وبدلا من ان يبدأ القطب الاعظم المنفرد بزعامة العالم في عملية مصالحة عامة تمهيدا لاقامة نظام عالمي عادل, اذا به يبحث عن عدو جديد يحشد له القوى وكان العدو الذي تم اختراعه هو العدو المسلم وفي القلب منه العرب. واصبح الارهابيون الذين دربتهم المخابرات الامريكية يوما في افغانستان سلاحا في يد امريكا تطلقه يوما لتخريب الدول العربية والاسلامية من الداخل. وتستخدمه يوما آخر لتشويه صورة العرب والمسلمين في العالم وتقديمهم على أنهم المرادف للإرهاب والوحشية. وهكذا أصبح العالم العربي هدفا للحصار والإفقار والتدمير. وجاءت كارثة حرب الخليج لكي توفر المناخ المناسب لتحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة. ورغم الدور الاساسي لمصر وسوريا في إنهاء احتلال الكويت, فقد تم استبعادهما بعد ذلك, ومورست كل الضغوط لتجميد إعلان دمشق ولوأد كل جهود المصالحة العربية. وبدلا من سياسة أمريكية جديدة تراعى مصالح (الحلفاء) العرب, استمر الانحياز الى اسرائيل, واستمر الاصرار على فرض القبول بالسياسة الامريكية الاسرائيلية كاملة... وإلا! وهكذا ظلت سوريا في قائمة الإرهاب التي تعتمدها أمريكا بينما (الدولة) التي تحتل الأرض السورية واللبنانية والفلسطينية هى واحة الديمقراطية في عرف أمريكا! وهكذا أصبح مطلوبا أن ترضخ مصر, وأن تضغط على الفلسطينيين ليقبلوا السلام بالشروط الاسرائيلية, وأن تتخلى عن أي دور عربي لها, فإذا رفضت ذلك بدأ الابتزاز وتزايدت الضغوط, وأصبحت مصر دولة تضطهد الأقباط, وتعرقل مساعي السلام, وتتدخل فيما لا يعنيها. وبدأ الحديث عن عقوبات اقتصادية والتحريض لدول حوض النيل لبدء حرب المياه. الان تخطو أمريكا خطوة جديدة حين تضع مصر وأربع دول عربية بين الدول التي تسعى لامتلاك اسلحة الدمار الشامل التي تهدد ــ كما تقول أمريكا ــ التوازن والسلام! والمشكلة الان أن في أمريكا رئيساً مثخناً بالجراح وبآثار الفضيحة, ويبدو أنه سيظل في الحكم للعامين المقبلين كالبطة العرجاء يسدد الفواتير لمن أبقوه في منصبه, ويرضخ لما يريده اللوبي الصهيوني المحيط به والمسيطر على دوائر القرار بقربه. وإذا كان هؤلاء لم يقرأوا التاريخ, فليقرأوا الواقع. فحملات الابتزاز ضد مصر لن ترهبها أو تغير سياستها. وما يحدث ليس إلا فصلا جديدا من قصة عمرها نصف قرن تستهدف أن تتخلى مصر عن إرادتها المستقلة ودورها العربي, وأن توافق على الخريطة الأمريكية للمنطقة بما فيها من أحلاف مشبوهة, ومؤامرات لتقسيم الدول العربية وانهاكها بالخلافات والحروب الأهلية, ووقف جهود التنمية الحقيقية, والرضا بالتفوق الاسرائيلي. هذا ما يريدونه, وما ترفضه مصر, لأنها لا تستطيع أن تتخلى عن دورها وتستقيل من عروبتها, ولا تستطيع أن تقف متفرجة على ما يقع, أو شاهدة زور على ما يتم تدبيره, ولا تستطيع ولا ترضى أن تكون على هامش التاريخ أو أن تفرط في أمن الوطن ومستقبله.