هل عبد الله أوجلان إرهابي أم مناضل؟ تركيا ودول قليلة تعتبره إرهابيا يستحق المحاكمة وأقسى العقوبات إلى حد الإعدام, على تهم كثيرة من بينها بعد الخيانة العظمى, المسؤولية عن مقتل آلاف الأبرياء من الشعب التركي . أما الغالبية من الدول ومعها إجماع شعبي اقليمي وعالمي نادر, فتعتبره مناضلاً, وإذا كانت الدول لا تجرؤ حفاظاً على أصول العلاقات مع تركيا وقواعد الدبلوماسية وأعرافها, أن تعترف بذلك صراحة, فإن الشعوب لم تتردد في إظهار تعاطفها مع أوجلان, عبر مظاهرات ومسيرات شملت أوروبا وآسيا, حتى الفلبين خرجت فيها مظاهرات تؤيد أوجلان, وعبر عشرات ومئات من المقالات والتقارير والتحليلات الصحافية المتعاطفة مع أوجلان والقضية الكردية عموماً. الدول المتعاطفة اكتفت بمناشدات ومطالبات للحكومة التركية بمحاكمة عادلة لأوجلان, وهي في أغلبها لم تظهر تأييداً مباشراً لاعتقاله, بما في ذلك الدول المشتبه بمساهمتها في اعتقاله كأمريكا واسرائيل, فيما هناك غالبية من الدول, ربما آثرت الصمت, غير ان صمتها هذه المرة لايمكن تفسيره على أنه من علامات الرضا, فصحفها أفصحت عن تعاطف كبير مع أوجلان, ما يمكن أن يفهم منه أنه تعبير عن موقف هذه الدول بطريق غير رسمي وغير مباشر وغير محرج لها. وبطبيعة الحال فإن هذه الدول ومعها أغلب الشعوب المتعاطفة تعرف ان أوجلان ليس إرهابياً, أولاً لأنه يقود تنظيما يعمل للحصول على حقوق مشروعة لشعب كامل لا تقرها تركيا, كما أن التنظيم يعمل على الدفاع عن هذا الشعب وحمايته من تنكيل قوات الدولة التركية, وثانيا لأن أوجلان لم يشن عمليات ضد مصالح مدنية أو أجنبية كالهجوم على طائرات وسفارات لكي يصح وصفه بالإرهابي. وهكذا فإن تركيا إذا استطاعت أن تزعم أن أوجلان مسؤول عن آلاف الوفيات, هم من ضحايا العمليات العسكرية بين الطرفين, فأوجلان يستطيع أن يزعم بالمقابل عن مسؤولية تركيا عن آلاف الوفيات أيضاً في الطرف الكردي, عن طريق عمليات عسكرية بعضها أقرب إلى الإرهاب الفعلي, كتهجير قرى بكاملها وحرقها وما إلى ذلك, كالذي نراه كل مرة حين تطارد قواتها الأكراد إلى داخل حدود العراق. ثم ان الحقائق التاريخية لا تعمل لصالح تركيا, وهي تحاول وصف أوجلان بالارهابي وتحاكمه على هذا الأساس, ذلك لأن قضية الأكراد وثوراتهم المستمرة لنيل حقوقهم سواء في حكم ذاتي أو في دولة مستقلة أو بالاقرار بخصوصيتهم والاعتراف بها ضمن الدولة الديمقراطية, قديمة, ومضت عليها عشرات السنين ومرت بمحطات كثيرة من حالات التمرد والثورة, ليس أوجلان إلا حلقة فيها, ما يخلع عنه صفة الإرهاب, حتى وتركيا تحاول أن تتعامى عن الحقيقة. لذلك, فمع الاعتقال المهين لأوجلان الذي تم تدبيره بتآمر واضح, فإن التعاطف مع القضية الكردية زاد عالميا, على عكس ما كانت تتوقع تركيا, وهي بإمكانها الآن أن تحاكم أوجلان وتدينه بما تشاء طالما أنه وقع في قبضتها, غير أن ذلك لن ينهي القضية الكردية, الجرح الدامي في خاصرة تركيا, ولن يكون أوجلان سوى فصلٍ آخر من فصولها, ما يجعل أمام تركيا فعلاً لو أرادت الفرصة التاريخية للتوصل إلى حل سلمي مع الأكراد, وهو الحل الممكن في إطار الديمقراطية نفسها التي تعمل بها تركيا, شرط أن تضمن هذه الديمقراطية حقوق الأقليات, فذلك من أهم عوامل نجاحها.