شهدت السنوات الاخيرة انتشارا واسعا لقضايا الفساد السياسي على اعلى المستويات في المجتمعات الغربية, مثل قضية ويلي كلايس وزير الدفاع البلجيكي ثم امين عام حلف شمال الاطلسي سابقا, مرورا بقضية الدم الملوث في فرنسا والتي تشمل عددا من كبار المسؤولين بينهم رئيس الوزراء ورئيس الجمعية الوطنية(البرلمان)سابقا لوران فابيوس , وصولا الى فضيحة مونيكا جيت التي حوكم فيها الرئيس الامريكي بيل كلينتون مؤخرا. وهكذا اصبح (الفساد السياسي) الغربي ظاهرة ملفتة, خاصة في ظل سيطرة المدنية الغربية وهيمنتها بقيادة امريكا, بحيث اصبحت مؤثرة في مختلف جوانب الحياة على مستوى العالم بما فيها الجوانب الاجتماعية والاخلاقية والثقافية, وليس فقط السياسية والاقتصادية. من هنا يكون السؤال مشروعا: هل الفساد السياسي في المجتمعات الغربية مجرد سلوك فردي ام انه نتيجة ازمة فكرية اخلاقية عامة تمس اسس وركائز المدنية الغربية ذاتها؟ الاجابة الموضوعية تتطلب شمولية في الرؤية وتعددا في الآراء, وهنا البداية. اكثر ما يلفت نظر رجل الشارع العربي في تقييمه لاوروبا بل والغرب بأسره تلك المفارقات البينة في مجمل القيم السائدة هناك والتي تكاد تتناقض كليا مع سلم القيم في مجتمعاتنا العربية. ويحق للبعض ان يتساءل عن المعجزة التي انجزت كل هذا التقدم العلمي والاقتصادي في اوروبا والاباحية وكل انواع المفاسد بدءا من الخلاعة المقننة وتدخين وتعاطي المخدرات وانتهاء بالتصرفات الجنسية الشاذة, وفي احسن الاحوال (غير الملائمة) التي ينغمس فيها رجال في اعلى المستويات دون ان يؤدي ارتكاب واحدة من تلك الخطايا ناهيك عن جملة منها, الى سقوط مرتكبيها في نظر المجتمع. ورغم الاعتراف بأن بعض الاوساط في الغرب باتت تشكو من تفشي الفساد وتحلل الناس من الالتزام بالمبادىء الدينية والقيم الاخلاقية الا ان ذلك لا يجعل من مثل هذه الظواهر السلبية نتاجا جديدا كل الجدة. جذور (الفردية) والحقيقة التي يصعب تجاهلها ان اوروبا تجسد اطارا حضاريا له خصوصيته, ومنذ ارتقت في مدارج الحضارة ولمثل هذه الظواهر اصداء واضحة سواء في الاساطير المرتبطة بظهور الآلهة او في الحوادث والسير التاريخية. ويكشف ما سجله مبعوث الخليفة العباسي الى ملك البلغار المسلمين في القرن التاسع الميلادي عن مشاهداته في الروسيا والشمال الاسكندنافي عن تلك الحقيقة لا سيما وان احمد بن فضلان ابن بغداد كان يرى للمرة الاولى شعوبا تختلف كليا عما راقبه من اقوام ديار الاسلام وهو ما يعطي ملاحظاته قدرا كبيرا من الاهمية في هذا الوقت المبكر من تاريخ اوروبا. ومهما يكن من امر الروايات القديمة فإن اهم ما يمكن استخلاصه من السمات المزمنة للحضارة الغربية هو ذلك (النزوع الفردي) والاعلاء من قيمة ووزن الانسان الفرد على ما عداها من قيم تتصل بالتضامنية او الجماعة, مع اختلاف الدواعي او المبررات الفلسفية والسياسية على مر العصور. وربما نجد في الطبيعة الجغرافية والمناخية للقارة ما يفسر تلك النزعة الفردية حيث الهجمات القبلية من شعوب الشمال (الفايكنج) التي تركت آثارها على كل انحاء اوروبا بما فيها الجزر البريطانية النائية, وتنازع الممالك والدويلات الصغيرة سواء الناشئة على ارضية الكيانات الاقطاعية او القائمة على انعزال دول المدن لدواع جغرافية مثلما هو الحال في الجزر اليونانية. وفي كل الاحوال كانت القوة (والنجاة الفردية) هي السمات السائدة في حياة الاوروبيين وبالتالي ظهرت اساطير البطل الفرد الخارق, ولم تعرف القارة دولا مركزية كتلك التي عرفها الشرق في العراق ومصر رغما عن انتشار المجتمعات الزراعية في اوروبا, ومثلما نجد بطولة القبائل في الشرق العربي القديم مجسدة في ملاحم وايام العرب كنقيض كامل لاسطورة البطل الخارق في الادبيات الاوروبية المختلفة. ولا عجب ان كان التراث الفلسفي لليونان في عصورها الاغريقية بمثابة الركن الركين للتجربة الرومانية ثم للنهضة الاوروبية الحديثة, وهو تراث حافل بكل ما يؤكد الفردية, ليس فقط في الآراء والمدارس الفلسفية بل وايضا في نظرته للفن والدين. ففي حين تركز فنون العراق القديمة والفن الفرعوني خاصة على ابراز صورة الملوك والامراء نحتا ورسما وحفرا في نماذج ثابتة الاوضاع متشابهة الملامح للتعبير عن فكرة الكمال والمثالية, نجد الفن الاغريقي يجسد الملامح الفردية سواء في التفاصيل الدقيقة للجسم او لملامح الوجه المميزة. وفي الوقت الذي تعنى فيه الديانات القديمة في الشرق بابراز سمات الكمال والعدل في رواياتها لاساطير الآلهة, نجد ان آلهة الاغريق لكل منها فرديته التي تدفعه الى التمرد على كبير الآلهة ومحاربته وارتكاب الصغائر والمعاصي مما يفعله البشر على الارض, بل ان رب الارباب له اخطاء ونزوات!! وتدعم هذا التوجه الحضاري نحو (الفردية) اثناء تحول اوروبا من حقبة (الاقطاع) الى المرحلة الرأسمالية, اذ عمدت القوى الجديدة الصاعدة الى اسباغ فلسفتها الرامية الى تفكيك سلطة التحالف الكنسي ــ الاقطاعي بروح التمرد على اي قيد يحد من حرية الفرد في الاعتقاد والتفكير والتنقل والعمل, وجسدت شعارات الثورة الفرنسية الثلاثة, بترتيبها هذا التوجه: الحرية ــ الاخاء ــ المساواة, ثم بمقولاتها الموحية (دعه يعمل ــ دعه يمر) . والى اليوم مابرحت (الفردية) هدفا وشعارا لنمط الحياة الغربية, ولا عجب ان توظف هذه النزعة داخل الدولة لضمان استقرار قواعد الاقتصاد الرأسمالي, وذلك لمنع اي جهود جماعية تسعى لمقاومة نفوذ اصحاب رؤوس الاموال وسيطرتهم, ليس على آلة الانتاج الضخمة وحسب بل وعلى تداول السلطة وانماط الانتاج والاستهلاك والثقافة والاعلام. وفي ذات الوقت استخدمت هذه الروح الفردية السرمدية في حضارة اغرب من اجل تصفية النزاعات التاريخية المزمنة داخل القارة الاوروبية. فباسم حقوق الانسان تم تفكيك الاتحاد السوفييتي دون جهد كبير وبسرعة مثيرة للدهشة, لان الافكار الاجتماعية او الجمعية التي شيد على اساسها كانت بعيدة عن الذهنية الفردية, وبالمثل تم فصم عرى الاتحاد التشيكي ــ السلوفاكي وتفتيت الاتحاد اليوغسلافي تحت دعاوى الحقوق الثقافية والقومية, والذاتية المتميزة للاعراق. مرحلة استثنائية ولابد من الاعتراف بأن الميل نحو الفردية قد خفت حدته اثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي واظهر الغرب الحضاري قدرا كبيراً من التضامنية سواء على الصعيد المجتمعي او على مستوى التنسيق السياسي والفكري بين دول الاطلسي وتعد افكار كينزي التي روجت لتدخل الدولة من اجل تحقيق التوازن الاجتماعي المفتقد في بنية الرأسمالية مؤشرا على تلك الحقيقة, اذ مثلت (دولة الرفاه) بضماناتها الاجتماعية (اعانات البطالة ــ العلاج الطبي.... الخ) فترة استثنائية (جماعية) ضمن النظام الفردي. وما ان اختفى التناقض الخارجي حتى خلعت الرأسمالية الغربية قناع الجماعية وراحت تنقض بكل قوة على دولة الرفاه وكل ما يمت بصلة للتضامنية وما الرأسمالية الجديدة (النيوكلاسيك) الا التجسيد المتجدد لفردية الحضارة الغربية. وفي هذه المرحلة الجديدة التي يتم فيها الاستغناء بقسوة عن قوى العمل ويتهرب فيها الرأسماليون, بالقانون وبدونه, من دفع حقوق المجتمع والدولة من الرسوم والضرائب, وتضعف سلطة الدولة لصالح القوى الاقتصادية المهيمنة, تنضح الروح (الميكيافيلية) بكل تجلياتها اللااخلاقية ويفتقد اليقين بكل شيء له علاقة بما يعزز من تضامنية الانسان مع اخيه الانسان, كالدين والاخلاق. ففي هذا العصر الذي يوصف في بعض الادبيات الغربية بأنه العصر الذي تأكل فيه او تؤكل يضحي الناس في سباقهم المحموم نحو الثروة والنفوذ والقوى بكل اعتبار ويتخلون عن كل قيد. ومن الطبيعي ان توظف كل مناحي النشاط البشري من اجل توليد الاموال, فهناك (التهريب) للمخدرات والسلع والاطفال وتجارة الجنس التي باتت تسيطر على جزء كبير من الآلة الجهنمية للاعلام والمعلومات, وايضا (العنصرية) ضد الاجانب وهي في كل الاحوال مبررة بدعاوى المصالح الاقتصادية للافراد وفرصهم في الحصول على العمل. لقد اعيد تشييد (سلم القيم) الفردية بحيث تكون المعيارية فيه هي للقوة والسلطة والمال, التي ينبغي الوصول اليها وارتقاء مدارجها ولو على ركام من القيم والمبادىء باهدار القانون واستثارة الغرائز, والعبث بكل وازع اخلاقي. ان افتقاد المجتمعات الغربية لروح (التدين) وتدني دور الدولة ولا سيما في المجالات التضامنية (التعليم ــ العلاج ــ اعانات البطالة) وتخليها رسميا او فعليا عن تحصيل مايعرف بالضرائب التصاعدية على الدخل, وتفسخ البناء الاسرى والخروج المستمر على ماكان من الثوابت الاخلاقية, انما يجري جميعه تحت مظلة (حرية الفرد) وبدافع من التسارع المجتمعي نحو الكسب المادي باعتبارهما الركن الركين لسلم القيم. ان (الفردية) هي جرثومة حضارية كامنة في الغرب, عززت منها تلك التحولات التي عصفت بأوروبا خلال القرنين الماضيين, ثم جاءت المرحلة الجديدة في الفكر الرأسمالي لتجعل منها نمطا سائدا للحياة واطاراً عاما للسلوك البشري. * استاذ بجامعة القاهرة