كانت المسألة مسألة إعلان دولة, فنحن لدينا إعلان عن قيام هذه الدولة منذ نوفمبر 1988, ولدينا وثيقة استقلال نفاخر بها, ولن نفلح, في أي إعلان جديد, في صياغة ما هو أفضل منها. ولدينا أيضاً اعتراف دولي واسع بهذه الدولة بلغ 114 دولة, ولن نحصل أيضاً على هذا الحجم من الاعتراف في أي إعلان جديد. لكن ذلك الاعلان ظل شكلاً يفتقر الى المضمون, لأن شرطي الارض والسيادة لم يتوفرا له . من هنا تتقدم مسألة توفير شروط قيام الدولة على مسألة الاعلان عنها. وعلى هذا الاساس يجب ان يظل الجهد منصباً على دحر الاحتلال وتحرير الارض. وحين يتوفر ذلك, فان الدولة تعلن عن نفسها بنفسها, ولن تكون في حاجة الى اعلان رسمي. وتوفير شروط الدولة ومقوماتها, له شروط أيضاً. أولها إعادة النظر في الوضع الداخلي, وتفعيل العامل الذاتي الفلسطيني الذي تجاهلناه وأهملناه, لمصلحة الاعتماد على العامل الخارجي, والأمريكي بالذات. فبعد هذه التجربة المريرة مع الاحتلال, قبل اتفاقات اوسلو, ومع الحكومات الاسرائيلية, والتعرف على نواياها ومخططاتها وعدم التزامها بأي اتفاقات تعقد معها, منذ قيام السلطة الوطنية, تتأكد مجدداً أهمية الاعتماد على العامل الذاتي, وتفعيل هذا العامل, بالاستناد الى أوسع القوى والفعاليات الشعبية والسياسية. واستخدام وسائل النضال ذات التأثير الفعال والضاغط على الاحتلال, بما يرفد خطابنا في مواجهة الاحتلال بوسائل ضاغطة, تجعله موضع الاعتبار لدى سلطة الاحتلال. وتزداد أهمية هذا العامل, والرجوع اليه, مع اقتراب نهاية المرحلة الانتقالية, دون تحقيق الحد الأدنى الذي كان يراهن عليه اكثر المتفائلين بالتفاوض مع حكومة الاحتلال. خاصة اذا كان يوم الرابع من مايو يشكل بالفعل حداً فاصلاً بين مرحلتين, وستفتح فيه عناوين جديدة سواء بإعلان قيام الدولة, أو إعلان انهاء العمل باتفاقات اوسلو والتزاماتها. واذا كان البعض يعتبر يوم الرابع من مايو المقبل, موعداً مقدساً. فالأجدى أن تأخذ هذه القدسية قيمتها, من اعتبار اتفاقات اوسلو, وشروطها المجحفة, وما تلاها من اتفاقات اقتصادية او أمنية, اتفاقات منتهية, ولم يعد الجانب الفلطسطيني ملزماً بالتقيد بها. وقد أعطى الموقف الاسرائيلي من هذه الاتفاقات وانتهاكه لها, وعدم التزامه بها, كل المبررات وان كان الجانب الفلسطيني بحاجة لمبررات ـ للتحلل من هذه الاتفاقيات والتحرر من قيودها. ومثل هذه الخطوة, ستعيد فتح ملف الاحتلال الاسرائيلي, وملف الصراع العربي الاسرائيلي, مما يستوجب العمل على توفير شرط ثان لا يقل اهمية عن العامل الذاتي. وأعني به استعادة المسؤولية العربية تجاه القضية الفلسطينية, واستعادة الاهتمام العربي بها, والدعوة صراحة الى أن مسؤولية مواجهة الاحتلال والتعنت الاسرائيلي هي مسؤولية عربية جماعية, وليست مسؤولية الطرف الفلسطيني وحده, أو أي طرف عربي آخر منفرد. وحتى في حال إقدام الجانب الفلسطيني على تنفيذ تهديداته بإعلان الدولة, فإن شرط العامل العربي لا تتراجع أهميته, بل تزداد, ذلك أن هذه الدولة لا إمكانية لها للحياة دون تأييد عربي, وانفتاح كامل وحر عليها ومعها, وتأمين وسائل الحماية لها. ووضعها في دائرة تعزيز الأمن القومي العربي, وليس مدخلاً لتهديده. يبقى أن نحذر من خطر قد تدفع إليه اللهفة على إعلان الدولة, والاهتمام بالعنوان, والشكل, على حساب المضمون. فقد لا يقلق اسرائيل كثيراً الاسم الذي يطلقه الفلسطينيون على كيانهم او سلطتهم, وقد تجد في هذا الموضوع, ومعارضتها له, مجالاً للابتزاز والمقايضة. فتقلص الى أبعد الحدود مقومات استقلال هذه الدولة من الأرض والسيادة والاقتصاد والمياه, وتساوم على تنازلات في القضايا الجوهرية كقضية اللاجئين, والقدس والاستيطان, مقابل التسليم بالاسم والعنوان. وعندها يكون الثمن فادحاً, وخسائره أكبر من أرباحه. وستمتد آثاره إلى المستقبل وأجياله.