ماذا ستفعل هذه المقاتلات التي اضيفت اليها رادارات ومعدات حديثة؟ هل تريد اسرائيل توسيع دائرة النزاع؟ أم ان ذلك ناتج عن رغبتها في بيع أسلحة, أم الوقوف الى جانب أثيوبيا؟) هذا ما يقوله آسياسي افورقي رئيس اريتريا. هي الحرب مرة أخرى, بين اعداء الماضي وحلفاء الأمس المرحليين ومتحاربي اليوم , لقد فضل الفقراء خوض غمار الحرب المتقدمة والدفع بالعملة الصعبة لكل رصاصة تطلق تجاه الحدود, بدلا من شراء الرغيف وتحويل المجتمع الى حالة من المدنية راهن عليها بعض من زعماء العالم المتقدم. لكن الخلافات بين البلدين, حيث التاريخ يتبوأ هنا مكانة بارزة, أقوى من صداقة جمعت رئيس اريتريا برئيس وزراء اثيوبيا اللذين تحالفا ضد منجيستو هيلاماريام حاكم اثيوبيا حتى مطلع التسعينات, فحصل الأول على استقلال بلاده, وتمكن الثاني من بسط سلطته على انقاض الحكم الشمولي في أديس أبابا, ليتبين فيما بعد ان العلاقة بين الاثنين ليست سوى تحالف مرحلي فرضته المصالح والتقاطعات المشتركة التي افضت الى اسقاط نظام الحكم في اثيوبيا. وبين تعزيز الدولة الاثيوبية المترامية الاطراف, وبين الاستغناء عن استقلال اريتريا مسافة من الزمن ليست طويلة, لكنها كافية جدا لأن تسمح للدولة الصهيونية الدخول بين الدولتين بحكم المصلحة القوية التي تنتاب تل أبيب في خلق أنظمة تحتاج لمساعدات الدولة العبرية التي ترى في البحر الأحمر (اريتريا) ومياه النيل (اثيوبيا) فرصة لايمكن أن تعوض في وقت بناء الدولة وتعزيز سلطات العاصمتين. لذلك, فليس من المستغرب ان يرفع العلم الصهيوني في جزر بالبحر الأحمر, حين كان النزاع على أشده في جزر حنيش, وحين كانت الدولة الاريترية في أمس الحاجة الى بضعة ملايين من الدولارات تسترد بها أنفاسها وتضع القطار على سكة الدولة بعد عقود طويلة من مرحلة الثورة الشعبية المسلمة طويلة الأمد, فكان الكيان العبري بالمرصاد, فرصد الملايين المطلوبة, واقترح علاج رأس الدولة الاريترية, وكانت الاستجابة سريعة وصادمة للعرب الذين وقفوا منذ البدء مع ثورة الحفاة التي أقامت دولة وميـناء على أبواب البحر الأحمر. وبانتهاء النزاع على جزر حنيش بين صنعاء وأسمرة فقدت تل أبيب جزءا مهما من الرهان, وعادت لغة العقل عند قادة اريتريا, مرحلياً على الأقل, خصوصاً وان الاستراتيجيات الصهيونية قد وجدت في النيل موقعاً يمكن الرهان عليه باعتبار انه شريان الحياة لأكبر دولة عربية ومخزن الخبز للوطن العربي. من هنا, يبدو التوجه الصهيوني لتسليح اثيوبيا بالتكنولوجيا المتقدمة وتحديث طائرات الميج الروسية الصنع وضخ أكثر من اثنين وعشرين طائرة منها للجيش الاثيوبي, هذا التوجه سيضع (ميليس زيناوي) رئيس وزراء اثيوبيا في مصيدة الحكومة الصهيونية حين يشتد الحديث عن تقاسم مياه نهر النيل الذي تتمتع اثيوبيا بأحد منابعه الرئيسية. هذه المعادلة, تفيد تل أبيب التي تريد استمرار الحرب في القرن الافريقي, ومع التكنولوجيا المتقدمة تكون الرغبة جامحة لدى أديس أبابا في إعادة احتلال مدخل على البحر كونها دولة داخلية يمكن للتجارة فيها ان تصاب بضربة قاصمة إذا أرادت اريتريا ذلك, خاصة وان الميناء الثاني الذي يمكن لاثيوبيا استخدامه, جيبوتي, لا يلبي الا نسبة قليلة جدا من حاجة التجارة الاثيوبية, علاوة على انه ميناء لا يصلح لتجارة كبيرة نسبياً لدولة كبيرة مثل اثيوبيا. اذن, فالفرصة التاريخية قائمة, وليس أمام تل أبيب الا تعبئة مخازن السلاح وملئ بيت النار بالقذائف التي تحرق الأخضر واليابس, فيما الجوع ينهش في الأجساد الضعيفة اصلاً, والأمراض الفتاكة ترسل الآلاف الى حتفهم. هنا يتبخر الحديث عن امكانية تحديث المجتمع المدني وصياغة نماذج في افريقيا يمكن لها تعميم التجربة, فثمة انتحار ذاتي وبرغبة مسبقة لاتضاهيها اي رغبة أخرى, لدرجة قلب المواقف رأساً على عقب, فما كان مقبولاً لدى اديس أبابا قبل أشهر لم يعد قابلاً للحياة, وعلى منظمة الوحدة الافريقية في هذا الشأن تغيير خططها التي جاهدت من أجل طبول طرفي النزاع بها قبل أشهر عدة. وهنا يتبخر الرهان ايضا على امكانية اقدام الدول الكبرى فرض مجتمعات مؤسسية مدنية تضع حلولاً لنشوب الحرب المنهكة, ذلك ان هذه الدول تمارس الفعل المدني داخل حدودها, وحين تحلق في أجواء العالم الثالث ليس هناك حكم سوى المصالح الاقتصادية والسياسية. هذه الاشكالية ليست محصورة في الدولتين اللتين لا يبدو ان استراتيجية الحرب قد غادرت تفكير قيادتيهما, بل ان المثل له من التعميم ما يجعل افريقيا غارقة في دمائها, منهوكة بالأمراض, ومقتولة بالرصاص. بينما الخبز والدواء حاجة مؤجلة حتى تنبت زهرة وعي تدفن عقلية الحرب في القبور الجماعية للذين يسقطون يوميا بسبب مرض (الايدز) أبعدكم الله عنه.