من البديهيات المسلم بها القول بأن السياسة الخارجية هي في التحليل الاخير تعبير عن السياسة او السياسات الداخلية في الدول والبلدان لكن من المهم ان نضيف الى هذه المقولة الشائعة القول ايضاً بأن السياسة الخارجية يمكن ان تكون تعويضاً عن عوامل السلب او القصور في السياسات الداخلية على ان تكون السياسة الخارجية والتحركات الدولية اداة بيد صانع القرار وخاصة في مجال السلطة التنفيذية لاصلاح ما افسدته الاحداث او السلوكيات في المجال الداخلي او المحلي وهو نوع من محاولات تبييض الوجه السياسي بالنسبة للمسؤولين عن صنع السياسات واتخاذ القرارات. الا ترى مثلاً إلى ما شهدناه بالامس من لجوء الرئيس الامريكي بيل كلينتون الى ضرب العراق, ظلماً وعدواناً, لانقاذ ما تبقى من ماء وجهه الرئاسي خلال نظر القضية ــ الفضيحة ــ التي ظل الكونجرس الامريكي (مجلس النواب بالذات) يقلبها على كافة جوانبها؟ ويومها حرص خبراء الميدان في المؤسسة الرئاسية الامريكية ــ رسبن دكتورز ــ كما يسمونهم في الادبيات المعاصرة او دهاقنة الدعاية والاعلام كما قد تسميهم حرصوا على تأطير وتضخيم اخبار قصف بغداد ومن ثم اظهار السيد كلينتون في اهاب فخم يليق بصانع قرار مصيري يمس اقدار شعوب ومصالح امم واقطار.. ناهيك عما اجروه على لسان فخامة الرئيس الامريكي من عبارات مداهنة المسلمين ودغدغة مشاعرهم بمناسبة اقتراب حلول شهر رمضان..الخ. والقوم يلجأون في هذا الى ما يسمى في ادبيات علم النفس بالاستبدال او الاستعاضة او الاحلال حيث يستعاض عن الصور السلبية المذاعة على الهواء او المتكونة بالفعل في زوايا الادراك العام ــ صورة الرئيس ــ الكذوب المتهم في قضية تمس اهليته وتؤذي اعتباره كزوج وأب ورئيس دولة بصورة القائد الاعلى للقوات المسلحة بكل ما تستدعيه الصورة الجديدة من دواعي الاحترام والتصديق ورص الصفوف وتلبية نداء المصلحة القومية العليا.. الخ وهكذا حلت صورة بغداد المكلومة الصابرة الجريحة محل صورة مونيكا لوينسكي التي شاءت يوما ان تتأود في الملعب الرئاسي بالبيت الابيض فكان ان دفع الثمن.. اطفال العراق.. ولا حول ولا قوة الا بالله. دروس من تركيا ان هذا التعويض والمراوحة والمبادلة بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية هو بالضبط ما يرصده المحللون في الوقت الراهن بالنسبة لسياسات بلد مهم في الشرق الاوسط هو تركيا بالذات. واذا كان الشأن التركي قد انتقل في الايام القليلة الماضية ليوضع في بؤرة الاهتمام الدولي ولتسلط عليه اضواء هذا الاهتمام وعلى وجه من التدقيق, وفي غمار قضية الزعيم الكردي عبدالله اوجلان فان هذا الشأن التركي, وليس غيره, كان محل اهتمام المراقبين السياسيين المشغولين باقدار المنطقة والمتابعين لمجريات امورها منذ مطالع عام 1999 الحالي.. ها هو الكاتب السياسي الامريكي (ستيفن كينزر) يوافي جريدة نيويورك تايمز بتحليل مهم من اسطنبول يختار له عنواناً يقول: لأن الاتراك يعانون من الضعف السياسي في الداخل, فإنهم يعمدون الى فرد او استعراض عضلاتهم, في الخارج, (نيويورك تايمز) عدد 10 يناير 1999. استغلال التطورات وغني عن البال ان السياسات التركية قد عمدت وهذا حقها, الى الافادة من التطورات الجذرية بل الدرامية التي استجدت حول حدود بلادها ومن ذلك مثلاً: ــ انهيار الجار الاخطر الذي كان يحمل اسم الاتحاد السوفييتي حيث حلت محله دولة روسيا الاتحادية وهي على ضخامة حجمها تعاني من الضعف السياسي والاستضعاف الاقتصادي والتذبذب الداخلي. ــ الآثار المدمرة التي نجمت بالنسبة لايران وهي خصم لا يستهان به سياسياً وعقائدياً او مذهبياً واقتصادياً ايضاً نتيجة حرب الخليج الاولى, ناهيك عن الآثار الفادحة وهي العواقب الكارثية التي اصيب بها العراق سواء من جراء حربه الاولى مع ايران او من عقابيل حربه الثانية منذ حماقة غزو الكويت وحتى الضربات شبه اليومية او شبه الروتينية للاسف الشديد التي تتعرض لها مؤسساته الحيوية التي شيدت يوماً بفضل جهود ابنائه ومن رحيق اعمارهم وخاصة في منطقتي حظر الطيران في الشمال والجنوب من رقعة العراق, وهما في نهاية المطاف حرب استنزاف طويلة الامد, اخبث ما تنطوي عليه هو ذلك التطويع او التدجين الذي خلفته في الذهنية الدولية بحيث اصبح خبر ضرب المنشآت العراقية لا يكاد يلقى كبير اهتمام بل يكاد يوضع في ذيل نشرات الاخبار ولا ينفع في تلافي هذا الوضع لا استنكارات الجامعة العربية وهي من قبيل السعي المشكور ادبياً ومعنوياً ليس الا, ودع عنك منشورات الدعاية العراقية ويشوبها قدر لا تحسد عليه من فجاجة التوجه للاستهلاك المحلي في بعض الاحيان ثم ان زوال الكيان السوفييتي حرم المنافسين الاقليميين لتركيا من سند دولي لم يكن يستهان به في مطلق الاحوال, لا من حيث الدعم السياسي والمساندة المعنوية ولا من حيث العون الاقتصادي والمؤازرة المادية وخاصة في مجال السلاح تزويدا وتطويرا, انظر مثلا إلى الاستئساد التركي طيلة اشهر العام الماضي بوجه سوريا سواء من حيث التهديدات بحبس تدفق مياه الفرات, أو التلويح بخطر المواجهة الساخنة في مرحلة المطالبة باخراج أوجلان من الاراضي السورية فما بالك بمخططات تطويق سوريا العربية بالحلف التركي ــ الاسرائيلي الذي وصل إلى حد اجراء المناورات الحربية المشتركة بين انقرة وتل ابيب حيث يتابعها قادة الكيان الصهيوني ومعهم رفاق اليوم, جنرالات تركيا وهم نفس الجنرالات الذين عملوا على اسقاط حكومة اربكان ذات التوجه الاسلامي مجرد التوجه, حيث لا يكاد يؤرقهم شيء قدر التعامل مع الشأن الديني ــ الاسلامي وهو ما يهدد في نهاية المطاف بحرمانهم أو تجريدهم من المكانة الغربية التي يهتمون بها بوصفهم سدنة الفصل العلماني بين الدين والدولة, بمقتضى الدستور الكمالي أو انهم بمعنى اخر القادمون على نفي واستبعاد الدين من حياة الاتراك على اختلاف الاجيال. ان الكاتب الامريكي ستيفن كينزر (الذي اشرنا اليه يرصد الظاهرة التركية عبر طرفيها المتناقضين: الاول وهو حقيقة ان تركيا لم تنعم باستقرار سياسي ولا بحكومة وطيدة الاركان منذ عام ,1995 لقد جاء الكثير من الساسة إلى رأس حكومة انقرة, السيدة شيللر والسيد اربكان والسيد يلماظ, ومنهم من راح قربانا لسكوت الجنرالات, أو سقط بسبب اتهامات بالفساد (شيللر ويلماظ) وها هو السيد اجاويد يترأس الحكومة التي زفت إلى الشعب التركي في انفعالات متلفزة ومشهورة نبأ القبض على اوجلان وقدمت صور الرجل مغلول الجوارح معصوب العينين, ويومها توقف العالم عند صورة رجل فرد بازاء نظام سياسي باكمله (تركيا) فضلا عن مواجهة دول وحكومات وقادة وارادة ومخططات (اليونان واسرائيل وامريكا وكينيا ومعظم دول الاتحاد الاوروبي) ناهيك عن مؤسسات استخبارية (في مقدمتها المخابرات المركزية الامريكية والموساد) . وفي مواجهة التذبذب السياسي وعدم استقرار ادوات ومؤسسات الحكم, وفي مواجهة الاضطرابات الداخلية وخاصة في مناطق الاناضول إلى الشرق والجنوب من تركيا, وفي مواجهة عوامل التنافس وتضارب المصالح على الصعيد الاقليمي سواء في العراق أو سوريا أو على صعيد قضية قبرص (العداء التاريخي بين عنصري الجزيرة المتوسطية ومن ثم انقسامها إلى كيانين: قبرص يوناني يمثل دولة قبرص المعترف بها دوليا, وهي صاحبة المقعد الوحيد الذي يحمل اسم قبرص في الامم المتحدة, وقبرص تركي وهو الكيان ـ الدولة التي لا تعترف به سوى دولة واحدة في العالم هي .. تركيا, وفي مواجهة عقبات التنمية الاقتصادية ومشاعر الاحباط القوي الناجمة عن رفض قبول تركيا في عضوية الاتحاد الاوروبي, في مواجهة هذه السلبيات أو المشكلات كلها, عمدت تركيا إلى التعويض في مجال السياسة الخارجية وهو ليس مجرد تعويض شكلي أو ميكانيكي ولكنه ـ والحق يقال ــ محاولات لتعزيز صورة الدولة مما يزيد من قوتها التفاوضية في السوق السياسية العالمية, فضلا عن كونه صادر عن استخدامات ماهرة بل وحاذقة مهما كان رأينا في توجهاتها, لادوات السياسة الخارجية من جهة, ولمجمل التطورات الاقليمية والاوضاع العالمية الراهنة من جهة اخرى لخدمة المصالح القومية لتركيا في التحليل الاخير. انقرة تسجل الاهداف فوق ملعب هذه السياسة الخارجية استطاعت انقرة خلال الفترة القليلة التي انقضت من عام 99 الحالي ان تحرز عدة اهداف منها مثلا ما يلي: * نجاح الاصرار التركي على رفض نشر الصواريخ الروسية المضادة للطائرات فوق اراضي قبرص اليونانية ورغم ان اثينا تؤيد وتساند حكومة الشطر اليوناني من الجزيرة, فقد اثمر تهديد انقرة بقصف ونسف قواعد الصواريخ الروسية الصنع مما ادى بالقبارصة اليونانيين إلى صرف النظر عن المشروع, ورغم ان نجاح تركيا في هذا المسعى جاء موضوعيا بفضل مشاركة حلف الناتو رأي انقرة بسبب ما قد تنطوي عليه الصواريخ الروسية الجديدة من اخطار تهدد بالاحتكاك بين دول اوروبا, فان انقرة احرزت هدفها وسجلت في رصيدها نقطة ايجابية جديدة. * نجاح تركيا في حمل دمشق على اخراج الزعيم الكردي اوجلان من سوريا, وقد بلغ الامر بالجنرالات الاتراك إلى حد الحشد العسكري على حدود البلدين منذ اكتوبر الماضي ورغم ان التهديد التركي من الشمال كان يستند بداهة الى دعم اسرائيلي مستتر الى الجنوب, فقد اقدمت دمشق على خطوة وصفها المراقبون بأنها مزيج من البراعة السياسية والاحساس بالمسؤولية وكان ان خرج اوجلان من اراضيها وخرجت معه تلال المشكلات التي بدأت بالامس القريب مع اعتقاله ولعلها لن تجد نهاية في يوم من الايام. * لم يتورع الساسة الاتراك عن تهديد روسيا ــ اذا ما استضافت اوجلان بالمطالبة بدفع ديون تركيا المستحقة على موسكو فورا ونقدا وعدا وزاد التهديد ايضا بسحب نشاط الشركات التركية العاملة في روسيا ذات الخزانة الخاوية والاقتصاد الموشك في كل لحظة على الانهيار وقد عمدت انقرة الى استخدام نفس سياسات التهديد في حالة استضافة ايطاليا, بعد روسيا السيد اوجلان... ورغم رفض حكومة روما اليسارية الاتجاه لتهديدات انقرة, فالحاصل ان اوجلان لم يجد في ايطاليا ملجأ آمنا ولا غير آمن وفتش عن الصادرات الايطالية التي هددت تركيا برفض استيرادها وقوامها ملايين الدولارات التي تعود بالارباح على الشركات الايطالية... اضافة الى التهديد برفض عروض وعطاءات شركات توريد السلاح الايطالي الى تركيا وهي بحجم يصل الى المليارات بطبيعة الحال. وبعيدا عن قضية اوجلان التي سوف نشهد لها تداعيات بعيدة المدى في الفترة القريبة القادمة, فقد نجحت السياسات التركية في استغلال الموقع الجغرافي الحاكم والحساس استراتيجيا للبلاد. ان انقرة تمارس بلا هوادة ضغوطا شديدة الوطأة على شركات انتاج ونقل وتصدير البترول المرتقب من منطقة بحر قزوين وقد بدأت القضية بأن خططت الشركات النفطية الاجنبية لبناء خط انابيب قصير نسبيا يجتاز جمهورية جورجيا (السوفييتية السابقة) وبعدها يتم شحن النفط الخام في ناقلات تمر في مياه البحر الاسود ومن ثم عبر مضيق البوسفور التركي الذي تطل عليه اسطنبول. البوسفور اصبح ضيقا لكن على من؟ لقد سارع وزير خارجية تركيا في مطلع العام الحالي الى تصريح قال فيه: ان البوسفور اصبح مفعما على آخره, ولا زيادة فيه لمستزيد وتركيا لن تمنح اي اولويات لأي ناقلات بترول. وكانت تلك رسالة موجزة ولكن بليغة موجهة الى شركات البترول في منطقة قزوين ومؤداها ان على تلك الشركات ان تبني خطوط نقل بترولها عبر الاراضي التركية وليس غيرها... صحيح ان الخطوط ستكون اطول والتكاليف قد تكون افدح, لكن لا مناص من الرضوخ للخيار التركي والا فلن يكون هناك نقل للبترول القزويني عبر المضايق التركية الى البحر المتوسط ومن ثم الى العالم اكثر من هذا. زادت تركيا من ضغوطها على اكبر شركتي بترول ضالعتين في المشروع الجديد العملاق وهما اموكو وبريتش بتروليوم وكان فحوى التهديدات الجديدة هو سحب التراخيص الممنوحة للشركتين المذكورتين بالتنقيب عن النفط في المياه التركية في حال استمرارها في مساندة بناء ومرور خطط بترول قزوين عبر اراضي جورجيا ثم هناك تهديد خاص لمشروع طموح تقوم على امره شركة اموكو بالذات وتعرض فيه بناء خطة شحن ونقل للغاز الطبيعي المسال في تركيا بحجم يبلغ 500 مليون دولار ويقضي التهديد بحرمان الشركة من هذا العطاء البالغ السخاء. أما بعد فلقد نتفق او نختلف مع اساليب انقرة في ادارة سياستها الخارجية وقد نعجب او لا نعجب بقدراتها على استخدام الادوات المتاحة في يدها لتحقيق مصالحها القومية. وتركيا ــ شأنها شأن ايران ــ من الدول والكيانات التي ينبغي ان تظل امورها وتطوراتها في بؤرة الاهتمام العربي والاسلامي ايضا وفضلا عن الشؤون والجوامع الثقافية المشتركة فإن هناك المصالح الاقليمية التي تمس الوطن العربي سلبا وايجابا وعليه فلابد ان تظل العلاقة المستجدة او فلنقل المتطورة بين تركيا واسرائيل موضع رصد جاد ومتابعة رصينة ومراقبة موضوعية من الجانب العربي بغير تزيد او تشنج او انفعال, ان امرها خطير وعواقبها اخطر بل هي تمثل كما يقول الباحث دوف واكسمان ميزان قوة جديدا في منطقة الشرق الاوسط وتلك قصة اخرى لها اهميتها ولها ميقات معالجتها.