في الذكرى العاشرة لاتحاد المغرب العربي يتساءل العام والخاص والمختص والمعنى بالشؤون المغاربية عن الانجازات التي حققها الاتحاد وما هي استراتيجيته للدخول في الالفية الثالثة ؟ والتفاعل مع الاتحاد الاوروبي الذي وحد عملته واقترب من التخلص من حدوده بعد عشر سنوات من تأسيسه ما زال اتحاد المغرب العربي لم يضع دستوره ومازال لم يحدد بعد علاقاته مع الاتحاد الاوروبي ومختلف الاتحادات والتكتلات الأخرى؟ عشر سنوات مرت ليجد اتحاد المغرب العربي نفسه في مفترق الطرق فلا نتائج تذكر على الصعيد الاقتصادي او السياسي او الاجتماعي او الثقافي او التعليمي.. الخ شعوب المنطقة مازالت تعيش حالة الاغتراب والاكتئاب والتنافر رغم ان كل المعطيات في صالحها لتتخلص من الحواجز ومن جوازات السفر والتأشيرات والحدود. اذا رجعنا قليلا الى التاريخ وبالضبط الى مؤتمر طنجة في 26/4/1958 والذي جمع ممثلين عن كل جبهة التحرير الوطني من الجزائر وحزب الاستقلال من المغرب وحزب الدستور الجديد من تونس, هذا المؤتمر كان بجميع المقاييس والمعطيات نواة لاتحاد مغاربي ناجح وهذا نظرا للعوامل المشتركة التى تجمع دول المنطقة والتى تتمثل في اللغة والدين والتاريخ والثقافة والمصلحة المشتركة ووحدة شعوب المنطقة وتكامل الاقتصاد.. الخ, فالكل آنذاك كان يبشر بنجاح الاتحاد والمتتبع للتاريخ السياسي للمغرب العربي يتذكر جيدا الدور.. الذي لعبته الدول الثلاث (تونس ـ المغرب ـ الجزائر) في مساندة بعضها البعض في محاربة الاستعمار الفرنسي والتخلص منه حيث ان كل دولة كانت سندا متينا للدولة الاخرى, وهنا نرى ان دول المغرب العربي كانت اكثر تلاحما ومساندة وتعاونا في فترة الاستعمار منها في فترة ما بعد الاستقلال, وجاءت فترة الاستقلال وبدأت تظهر المشاكل التي عرقلت على ما يزيد من ثلاثة عقود وجود اتحاد مغرب عربي فعال قوي, يتصدى وينافس الاتحادات والتكتلات الاقليمية الاخرى, فغداة استقلال الجزائر وبعد 14 شهرا بالضبط من استقلال الجزائر وقع في اكتوبر 1963 صراع بين المغرب والجزائر على الحدود الجنوبية الغربية وهكذا كانت الاستضافة المغربية للجزائر المستقلة في الاتحاد بحرب وعدوان, وبقيت احداث 1963 نقطة سوداء في العلاقات ما بين الجزائر والمغرب وتركت انعكاسات سلبية على مسيرة الاتحاد فيما بعد. وبعد هذا الصراع جاءت سلسلة من المؤتمرات واللقاءات وصل عددها الى ستة وامتدت 1964 الى 1970 نجمت عن ميلاد لجنة مغربية استشارية لم تفعل الكثير وبقيت حبرا على ورق في معظم الاوقات, ومن سنة 1974 الى 1988 مر مشروع اتحاد المغرب العربي بفتور وبشلل كامل او حتى مستوى التبادل التجاري لم يتعد 3% من التجارة الكلية وهذا لا يشجع بطبيعة الحال على الكلام او التحدث عن اتحاد في الافق, وتجدر الاشارة هنا الى ان السياسات الاقتصادية لدول الاتحاد كانت متباينة فالمغرب وتونس يطبقان سياسة الاقتصاد الحر والجزائر وليبيا يطبقان الاقتصاد الاشتراكي وفي ظل هذ التباين الايديولوجي يصعب اي تنسيق او تخطيط لاقتصاد مشترك بين الدول الخمس في الاتحاد وهذه الفترة بالذات تميزت بظهور ازمة الصحراء الغربية التي خلطت الاوراق على الاتحاد وقضت على كل الآمال والاحلام حيث مست ثلاث دول في الاتحاد وهي المغرب والجزائر وموريتانيا الازمة كانت معقدة ومتشابكة وهي مستمرة الى يومنا هذا رغم المجهودات المختلفة لمعظم المنظمات الاقليمية والدولية. وجاء 12 من يونيو 1988 ليجمع قادة المغرب العربي (الجزائر ـ المغرب ـ تونس ـ ليبيا وموريتانيا) في (زرالدة) بالجزائر حيث انبثق المؤتمر عن تكوين خمسة لجان لمتابعة تنفيذ الاتحاد في الميدان وفي جميع المجالات وجاءت اهم توصيات المؤتمر مؤكدة على ما يلي: ـ انشاء منطقة للتبادل التجاري الحر قبل 1992م ـ انشاء اتحاد جمركي قبل سنة 1995م ـ انشاء سوق مغاربية مشتركة في سنة 2000م وجاء مؤتمر مراكش في 17 فبراير 1989 ليعلن رسميا عن ميلاد اتحاد المغرب العربي الذي وجد كاسم وكهيئة وكجسد خال من كل روح ومن كل انجازات تفيد شعوب المنطقة, فتوصيات (زرالدة) بقيت حبرا على ورق ولم يتحقق منها شىء وبقي مشكل الصحراء الغربية المشكل رقم واحد الذي انكسرت عليه وفيه كل المحاولات الصريحة والجرئية لتوحيد المنطقة, فصراع الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب وبدرجة اقل موريتانيا قضى على كل الآمال والطموحات الوحدية في المنطقة, ثم جاءت قضية لوكيربي والحصار على ليبيا الامر الذي ادى الى اضعاف خطير للجماهيرية وللطموحات الوحدوية للعقيد القذافي الذي استاء كثيرا من موقف دول الاتحاد من محنته وأزمته وجاءت الازمة الجزائرية والتي تفجرت في يناير 1992م واصابت الاتحاد بشلل عام وشامل, واتحاد المغرب العربي بجزائر مشلولة تصارع الارهاب وتحاول ان تتخلص منه في اقرب وقت يعتبر اتحادا مشلولا وضعيفا, الجزائر التى كان يعول عليها في المنطقة عانت الكثير في السنوات الثماني الاخيرة فتراجعت في مختلف الميادين وعانى اقتصادها الكثير وعايشت مشاكل اجتماعية عديدة ومعقدة وهكذا تحطمت الآمال والاحلام في منطقة كانت مؤهلة بكل المقاييس لان تعيش تجربة اتحادية فريدة من نوعها وناجحها. تجارب الاتحادات عبر الدول وعبر التاريخ اكدت ان الاتحاد الذي يفتقد الى اقتصاد قوي والى تبادل اقتصادي وتكامل اقتصادي يبقى حبرا على ورق, والمشكلة في المغرب العربي ان التبادل الاقتصادي في سنة 1996 على سبيل المثال كان يتراوح ما بين 2 الى 5% بينما تبادل دول اتحاد المغرب العربي مع الاتحاد الاوروبي وصل الى 65% (ورادات وصادرات) فحجم التبادل التجاري للجزائر مع دول المغرب العربي لم يتعد 1.7% اما بالنسبة لتونس وموريتانيا وتونس وليبيا فإنه لا يكاد يذكر بالمرة, ومن هنا رغم الامكانيات الهائلة لدول المنطقة في التكامل الاقتصادي إلا ان التبادل لم يصل الى المستوى الذي يطمح اليه اي اتحاد. المتتبع لاتحاد المغرب العربي لا ينسي كذلك الصراع الخفي بين الجزائر والمغرب على الزعامة في الاتحاد وفي المنطقة فمنذ ان استقلت الجزائر والصراع قائم, وفي كل مرة كانت احدى الدولتين تحاول ان تكسب ود تونس وموريتانيا وليبيا لعزل الدولة الاخرى وهذا التفكير بطبيعة الحال يسهم في هدم الاتحاد اكثر من بنائه. الآمال كانت معلقة على اتحاد المغرب العربي في استغلال الامكانيات البشرية (73 مليون نسمة) والاقتصادية (زراعة, ثروات معدنية, طاقة, سياحة.. الخ) وكذلك العوامل المشتركة من دين وتاريخ ولغة وعادات وتقاليد وقيم لتنمية دول المنطقة وتطويرها وكذلك لمواجهة تحديات ورهانات الاتحاد الاوروبي الذي تفصل بينه وبين الدول المغاربية مئات من الكيلومترات فقط, هذه الآمال تبددت وكانت دول المنطقة اكثر تلاحما وتضامنا عندما كانت تحت وطأة الاستعمار, ما حدث هو ان كل دولة تشبثت وتمسكت بقناعتها وتوجهاتها وتقوقعت على نفسها, وبذلك كثرت الشعارات على حساب التوصيات العملية, وشهدت دول الاتحاد بعض المعاهدات الثنائية وبعض الاتفاقيات المحتشمة والتي لم تستطع ولا تستطيع بأي حال من الاحوال ان تكون فعالة في الواقع وان تتصدى لتحالفات وتكتلات واتحادات اكثر قوة وفعالية, ففي الوقت التي تحتاج فيه دول المغرب العربي واكثر من اي وقت مضى الى اتحاد قوي وفعال في وقت التكتلات والاتحادات في عصر العولمة وعلى مشارف الالفية الثالثة يتقهقر اتحاد المغرب العربي اكثر فأكثر, فالجزائر تضمد جراحها وهي كالاسد الجريح وليبيا تبكي ثرواتها التي نراها لكن لا تستفيد منها والمغرب وتونس وموريتانيا تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية تتفاقم يوما بعد يوم من جراء انعكاسات النظام العالمي وقسوته, فالجميع اذا يشكو ويبكى على اطلال اتحاد مغاربي اجهض قبل ان يرى النور اتحاد كان من شأنه ان يزيل الحدود وان يوحد الشعوب ويقوى الصفوف اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا الى متى يبقى اتحاد المغرب العربي جسدا بلا روح؟ والى متى يبقى حكام المنطقة يستحقرون اهمية واستراتيجية وحدتهم وتضامنهم في وقت يرى فيه العالم اكبر واعظم دوله تتحالف وتتكتل لتواجه تحديات العصر. استاذ الاعلام والعلاقات العامة جامعة عجمان