لم يظلم التاريخ امة من الامم كما فعل مع امة الاكراد, والاكراد للعلم شعب من الآريين شأنه شأن الالمان, حقيقة اثبتتها عظام الجمجمة والملامح, فالشعر سايح ونايح والعيون ملونة, ومجموع الشعب موزع على اربع دول متجاورة هي العراق وتركيا وايران وسوريا , وفي سوريا لاحس ولا خبر عن المشكلة الكردية, يبدو انهم ذابوا في الشعب السوري, ويبدو ان النـظام العاقل في سوريا استطاع ان يرتفع فوق مستوى المشكلة, فلم تعد مشكلة على الاطلاق, وفي ايران المشكلة الكردية ليست ساخنة, ربما لان ايران نفسها تضم عددا من القوميات.. على تركمان على عرب على بلوش, ولكن الوضع يختلف في تركيا وفي العراق, الموقف في العراق افضل, واكراد العراق يتمتعون بالحكم الذاتي, ومن حكومة العراق على مستوى الجمهورية يوجد نائب لرئيس الجمهورية هو الكردي طه معروف, وهو الذي اشترك في جنازة الملك حسين مندوبا عن العراق ومنذ زمن بعيد كان يشغل نفس المنصب كردي اخر هو محمود عثمان, ولكن احيانا وبالرغم من اعتراف العراق بالقومية الكردية كثيرا ما تنشب الخلافات بين حكومة بغداد ورعاياها من الاكراد. وفي بداية السبعينات احتدمت المعركة بين حكومة بغداد واكراد الشمال, ووقفت ايران الشاه الى جانب الاكراد وانهكت المعركة حكومة بغداد وافلست خزائنها, واضطرت حكومة بغداد الى عقد الصلح مع الشاه, وتم الصلح برعاية الجزائر وفي عاصمتها, وعاد الاكراد الهاربون الى العراق, ولكنهم لم يعودوا الى قراهم المتناثرة على رؤوس الجبال, ولكن تم ترحيلهم وتسكينهم في جنوب العراق في محافظات البصرة والناصرية وذي قار, مع اختلاف المناخ والعادات والتقاليد, ففي جنوب العراق الحرارة صيفا طاقة من طاقات جهنم, بينما الجو لطيف صيفا في الشمال, والارض تغطيها الثلوج شتاء, كما ان الكردي اوروبي في تصرفاته وسلوكه, فلا حجاب للسيدات ولا فصل بين الجنسين, بينما الجنوب تسوده تقاليد البادية وتعاليم الدين وقيود المذهب. ومع ذلك هدأت الامور وعاد الاكراد الى منطقتهم في العمادية وصلاح الدين واربيل وسرسنك ولكن الهدوء لم يستمر على الدوام, فقد هبت عدة انتفاضات كان اخطرها ما حدث في قرية حلبشة, حيث استعمل العراقيون النابالم في ضرب الاطفال والنساء لقمع التمرد الذي حدث هناك ولا يفوتنا ان نذكر ان اسرائيل لعبت دورا خطيرا في ثورة الاكراد ضد النظام العراق, وقد اعترف بذلك الزعيم التاريخي للاكراد مصطفى البرزاني. نأتي بعد ذلك الى مربط الفرس.. الى اكراد تركيا والسياسة التركية مشهورة بعدم المرونة, وهي كما وصفها الفنان الخالد صلاح جاهين: تركي بجم سكر انسجم لاظ شقلباظ اتغاظ هجم! فلا اعتراف بالقومية, الكردية ولا اعتراف بالتمايز بين الكردية والتركية, ولكن حتى الحديث بالكردية يعتبر خيانة, واي حركة من جانب الاكراد هي تمرد, واي اجتماع للاكراد هو مؤامرة, والسجون التركية مكتظة بالاكراد على كل لون! ولذلك استمرت الحرب بين الفريقين على مدى سنوات طويلة, ولكن اخطرها هي التي نظمها وقادها حزب العمال الكردستاني بقيادة الزعيم اوجلان, وعبدالله اوجلان ليس ارهابيا فلم يهاجم في حياته سفارة او يهدم عمارة ولكنه محارب قاتل برجاله في الجبال والوديان ولكن الذي حدث ان الحدود والسدود انهارت تماما بين البطولة والارهاب في ظل النظام العالمي الجديد, ومن حسن الحظ ان رجالا من امثال الخميني وياسر عرفات لم يتحركا في زمن النظام العالمي الجديد.ان نهاية عبدالله اوجلان هي احدى مآسي هذا العصر, والطريقة التي تمت بها عملية اختطافه من كينيا هي الدليل الدامغ على اخلاقيات وسلوكيات النظام العالمي الجديد. لقد كشفت عملية اختطافه ان الانسان الفرد سواء كان صعلوكا او زعيما هو مجرد فأر اجرب تطارده مئات من القطط السمان, اذا نجح في الهروب من مخابرات امريكا وجد خلفه مخابرات بريطانيا, واذا حالفه الحظ في الافلات من مخابرات بريطانيا وجد وراءه مخابرات بلجيكا ومخابرات هولندا ومخابرات تركيا ومخابرات المانيا, وصولا الى مخابرات كينيا ومخابرات سيراليون ومخابرات سيريلانكا. في ايام القوتين الاعظم كان شعار الغرب يا انصار الديمقراطية اتحدوا, وكان شعار الشرق ياعمال العالم اتحدوا, ولكن الان سقطت كل الشعارات ولم يعد هناك سوى شعار واحد.. يا مخابرات الغرب اتحدوا. في هذا العصر لم تعد هناك فرصة لظهور جومو كينياتا جديد ولا نكروما اخر ولا نلسون مانديلا صغيرا او كبيرا ولا امل حتى في رؤية مثل هذه النماذج مرة اخرى, ففي ظل النظام العالمي الجديد.. الادب فضلوه على العلم وعلى الثورة وعلى طلب الحرية, والسلوك الامثل لاحرار العالم الان هو المشي جنب الحيط, فلا احتجاج ولا اعتراض, ولكن المسموح به هو طلب الرحمة وطلب العفو, ونحمد الله لاننا عشنا فترة طويلة في ظل النظام العالمي القديم, واسعدنا الحظ برؤية رجال من امثال جمال عبدالناصر والاسقف مكاريوس ولومومبا وسوكارنو واحمد بن بللا وهواري بومدين وغاندي والبانديت نهرو, ويا اسفي الشديد لاننا من هنا والى زمن طويل قادم لن يرى احفادنا الا رجالا مهذبين مطيعين متمسكين ومتشبثين بخط النظام العالمي الجديد امثال بينوشيه دكتاتور شيلي ويلتسين مريض الامبراطورية الروسية وبلير وريث الامبراطورية البريطانية. وداعا عصر النضال والقتال من اجل الاوطان, وداعا للرجال من طراز ــ ولله رجال اذا ارادوا اراد, وداعا لزمن الجود بالنفس اسمى غاية الجود. اما المناضل عبدالله اوجلان فقد ضاقت به الدنيا بما رحبت, انطبق عليه قول الشاعر البائس عبدالحميد الديب: فتى تزيد على انفاسه المحن اذا مضى فجميع الارض قبلته وان اقام فلا اهل ولا وطن وحظه اسود من اسفلت الطريق لانه رجل واحد في مواجهة النظام العالمي الجديد, وعلى رأي المطربة خضرة.. والحظ لو مال مين يعدله تاني.. مين؟ الا رب العباد, وسلام عليك يا اوجلان في سجنك, وطبت حيا وميتا يارفيق. طارق المؤيد الله يرحمه ويحسن اليه اخونا المرحوم طارق المؤيد وزير اعلام البحرين السابق, المثقف العربي الواعي بقضايا قومه صديق مصر في كل المواقف والاحوال, فوجئت بوفاته في نعي نشرته الصحف المصرية باسم السيد صفوت الشريف وزير الاعلام, مع ان الرجل كان في اتم صحة وعافية ولم اسمعه يشكو من مرض خطير على الاطلاق, ولكن ياسبحان الله, الموت لايحتاج الى اسباب, ولكنه كأس على البني آدمين دوار, وقد يموت السليم الصحيح ويعيش السقيم المرضان, حكمته سبحانه وتعالى ولن تجدوا لحكمته تبديلا, ولكن ذكرى المثقف العربي طارق المؤيد ستبقى الى الابد عند اصدقائه ومحبيه حية ونابضة الى زمن طويل, فهو لم يكن وزير اعلام من الموظفين, ولكنه كان مثقفا عروبيا له موقف وله وجهة نظر, وكان يرى ان عربا بدون مصر اشبه بجسد بلا رأس ولذلك كانت البحرين اول دولة عربية تذيع برامج القناة الفضائية المصرية من خلال التليفزيون البحريني وبدون رقابة من اي نوع, وكان يحلم بيوم يتم فيه توحيد البرامج التليفزيونية العربية, وكان يحلم بامتداد العمر حتى يتسنى له رؤية هذا اليوم وداعا اخونا طارق المؤيد, وعزاء من القلب للسيدة حرمه ولاسرته الصغيرة ولحكومة البحرين ووداعا اخونا طارق المؤيد, وعزاؤنا الوحيد اننا كلنا سنموت!