إذا كان ثمة ما يمكن أن نميز به عقد التسعينات دون سواه, فهو انه عقد النسبية بامتياز. النسبية في الافكار.. النسبية في الآراء.. في المشاعر.. في الاعتقادات.. الخ . ربما يعود السبب في ذلك الى الانهيار الكبير الذي شهدته الأيديولوجيات, على اختلافها منذ مطلع العقد الحالي, وخفوت أوار اليقينيات والمسلمات واكتنافها بالشكوك على نطاق واسع, حتى أن أحداً لا يستطيع اليوم المغامرة بالقول انه يملك كل الحقيقة أو أن الصواب بجانبه وحده. بالنتيجة أصبح ثمة اقتناع لدى عدد متزايد من الناس وعلى الحكومات أيضا, بضرورة ان جاز التعبير, الشراكة في الحقيقة وفي كيفية النظر إليها والتعامل معها. لا أدري إن كان ذلك شيئا طيبا أم لا, وما إذا كان يحمل في طياته الخير للإنسان أم لا. فللأيديولوجيا سحرها هى الأخرى. وليس شيئا يعادل شعور الإنسان بأنه إنما يفعل أو يقول الصواب وليس شيئا آخر. ولذلك لا يزال بعض الناس ورغم كل ما حدث, يتمسكون بهذه الأيديولوجيا حتى هذه اللحظة, وسواء كانت أيديولوجيا فكرية أم دينية. الواقع أيضا إن للأيديولوجيا جذور قديمة لدى الإنسان, وهى تتمثل في الاعتقادات الأولية والمتعلقة بفكرة الخلاص أو النجاة. فالشعور الطاغي والمليء بالثقة بان هذا الإنسان وحده أو هذه الجماعة وحدها, هى من يتبع الصواب أو الطريق الصحيح المؤدي به نحو النجاة أو الفوز في الحياة الأخرى.. هذا الشعور يكتسب أهمية حيوية وحاسمة أحيانا بالنسبة لهذا الإنسان. وليس عبثا أن الاختلافات أو الصراعات بين الناس كما بين أفكارهم, إنما تعود بالذات الى هذا الجذر. إي الى كون هذه الفكرة أو هذا المعتقد دون غيره هو الأصح أو هو الوحيد القادر على إنقاذ صاحبه. إذا للأيديولوجيا قوتها التي لا ينبغي الاستهانه بها, أو الاعتقاد بأنها في طريقها الى الزوال هكذا سريعا وبصورة أوتوماتيكية. بيد ان ذلك لم ينف ولا ينفي بطبيعة الحال ان الايديولوجيا بالمقابل تظل اسلوبا للخلاص على المستوى الفردي (مستوى فرد او جماعة معينة) وانها من الصعب ان تكون اطارا صالحا للمجموع البشري العام. بمعنى انه بما انها فكرة خاصة, فهي تحمل في داخلها منذ البداية بذرة التشظي او التجزئة داخل المجتمع او على مستوى البشرية عموما. ومن ثم لا يمكن ان تكون اطارا صالحا للتعايش على المستوى الجماعي لكل الناس, اذ هي اسلوب فردي للخلاص. انها بهذا الوصف معنية ايضا بمعالجة الامور على صعيد المستقبل غير المرئي او غير المعروف على وجه الدقة. لكن ماذا عن الحاضر نفسه! هنا تكف الايديولوجيا عن الفعل كي تتحول الى نوع من (اليوثوبيا) التي ترهن او تتجاهل الحاضر بكل شؤونه ومشاكله برسم ضمان المستقبل البعيد. بل انها تضحي بهذا الحاضر والتعامل معه بعبثية من ضمن البديل الدائم في الآتي من الزمن. هنا ايضا تتضاءل اهمية المجموعات الاخرى او الافراد الآخرين, الذين لا يشاركون هذا الانسان فكرته او ايديولوجيته في النجاة. ولا يعودون مع الوقت سوى مزاحمين او منافسين غير مرغوب في وجودهم. ومن هذا الباب نبعت معظم الشرور, بما في ذلك الحروب الاهلية بين المجموعات البشرية الماسكة على ايديولوجيتها على مر العصور. غير انه وبعد التجارب المريرة التي عاشها البشر في مختلف الازمنة والامكنة, اتضح ان الايديولوجيا لابد ان تعود او تعاد ممارسة وظيفتها الاصلية. اي كونها اسلوبا للحياة او اعتقادا خاصا بالفرد, وليست شيئا ملزما للمجموع, الذي تتجاوز بداخله الاعتقادات المختلفة,. المتقاربة حينا والمتعارضة احيانا. بيد ان ذلك لم يكن ايضا ممكن التحقق بسهولة فليس من السهل مثلا تبديد الثقة المتعاظمة والراسخة عند انسان جاوز الشطر الاعظم من حياته, بأن ما كان يفعله ليس سوى مجرد اجتهاد يحتمل الخطأ مثلما يحتمل الصواب. اعتقد بأن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وتراجع عدد من اليقينيات المقابلة الاخرى قد جعل ذلك امرا ممكنا. ومن ثم اصبحنا نتحدث لا عن الحقائق او الافكار المطلقة, وانما عن النسبيات في اوسع واشمل صورة لها. لكن ليس ثمة ضمان ايضا بأن الايديولوجيا لن تعود وان في اثواب واشكال جديدة كما حدث مع الاصولية الدينية. فالواضح ان الحياة لا تسير في طريق مستقيم انها تتخذ لها خطا حلزونيا صاعدا قد تكرر بعض الحلقات فيه حلقات اخرى وان بصورة وكيفية مختلفتين في كل مرة. صحفي بحريني