لم تقتصر شرور اتفاقية اوسلو على مضمونها السياسي, وانما تعدت ذلك لتشمل الشكل الذي تم من خلاله التفاوض من حولها فالتوقيع عليها . من هذه الشرور اولا, النهج الباطني الذي اعتمدته تلك الحلقة الضيقة من القيادة في التفاوض السري بمعزل تام عن معظم اعضاء القيادة والاتفاق مع الجانب الاسرائيلي على عملية خداع مزدوجة بلفت الانظار نحو ما كان يجري في واشنطن في الوقت الذي كانت اوسلو هي ملتقى التفاوض الفعلي. ومنها ثانيا, انه بعد الاتفاق على مضمونها, رفضت هذه الحلقة الضيقة الالتزام بنصوص النظام الاساسي حول المسؤوليات والصلاحيات, ورفع الاتفاقية, باعتبارها حدثا مصيريا, إلى المجلس الوطني الفلسطيني الذي تنحصر فيه وحده صلاحية ابرام أو رفض مثل هذه الوثيقة, وكان ذلك تجاوزا غير شرعي تقترفه اللجنة التنفيذية ورئيسها, وبداية النهاية الحقيقية لدور هذه اللجنة وتحويل اعضائها إلى مجرد بصامين. اما ثالث هذه الشرور, فهو خروج القيادة على ابسط معاني التضامن والتنسيق مع الدول العربية, الشقيقة المعنية بالعملية التفاوضية, والقبول بتوقيع اتفاق منفرد دون اشعار احد منها أو احاطته بما كانت تنوي التوقيع عليه. وهنا, افتح قوسين, لرواية حدثين تاريخيين, يتعلقان بهذه النقطة بالذات, اي حول الانفراد والتفرد. الرواية, الاولى, كان مسرحها العاصمة السودانية خلال القمة التي انعقدت في اعقاب نكسة ,1967 ففي اليوم الاخير لهذه القمة, وبعد انتهاء المداولات واتضاح التوجه العام في عدم المجابهة والاكتفاء بشعار (ازالة آثار العدوان) وتخويل الملك حسين وأي ملك أو رئيس له صداقات مع الغرب وامريكا بالذات ببذل الجهد السياسي لاسترجاع الضفة الغربية, ابدى رئيس منظمة التحرير آنذاك المرحوم احمد الشقيري قلقه الشديد من هذا التوجه وهذه التوصيات, وقال بالحرف الواحد: ــ نحن مع الصلاحية الكاملة لبذل الجهود ومنح جلالة الملك حسين هذه الصلاحية, ولكننا نقول انه لا يملك احد بمفرده الوصول إلى حل سياسي, ولابد من العودة إلى قمة مماثلة للبحث في اي حل يطرح. ورد الملك حسين معلنا رفضه لمقترحات منظمة التحرير التي كانت قدمتها للمؤتمر وعرفت بالنقاط الست, وسأل الحضور بصراحة: * اشعر الان بصراع, واريد ان افهم هل انا مسؤول عن الضفة الغربية والقدس أم لا؟ انا لا اقبل ان استأذن من احد فيما اعمل أو لا اعمل. واصر احمد الشقيري على موقفه وقال: * اكرر مرة اخرى ان شعب فلسطين هو صاحب الحق, وما من ملك أو رئيس يملك الحل في قضية فلسطين, واذا لم يفهم هذا فاني على استعداد للانسحاب. ورفعت الجلسة المتوترة, على ان تستأنف في اليوم التالي, وكان لابد من اختتام المؤتمر واصدار بيانه وقراراته, وبالتالي لابد من حسم مسألة (عدم الانفراد) هذه وايجاد تسوية لها, وتم الاتفاق على اسناد هذه المهمة إلى وزراء الخارجية في جلسة خاصة قبل صياغة البيان الختامي, وطال النقاش بين الوزراء دون أي اتفاق, فكلفوا وفد السودان بوضع صيغة مستلهمة من اجواء المناقشة, على ان يحتفظ كل وفد لنفسه بحق الاعتراض على الصيغة اثناء عرضها على الملوك والرؤساء في الجلسة الختامية, وقبل اعلانها على الرأي العام. ولما عاد الملوك والرؤساء لاقرار التوصيات لوحظ ان البيان السياسي جاء خاليا من شرطي (عدم الصلح) و(عدم الانفراد) واعترض الشقيري على ذلك, ولكنه وجد في النهاية ان لا سبيل لنجاح مقترحات المنظمة فانسحب واعضاء الوفد من المؤتمر واصدر بيانا لتعليل ذلك. وقد تبين اثناء الجلسة الختامية, في غياب وفد المنظمة, ان المؤتمر اقر بعد نقاش, بضرورة اضافة شرط (عدم الصلح) ولكنه اسقط شرط (عدم الانفراد) , اي اللاء الرابعة, وبقيت اللاءات الثلاثة (لا صلح ولا تعايش ولا تفاوض مع اسرائيل) . اما الحكاية الثانية, فمكانها دمشق, وزمانها سنة 1992, اي بعد ربع قرن من الحكاية الاولى, حفل بعشرات الاحداث والتطورات الجذرية, من مثل حرب اكتوبر والتوقيع على اتفاقية كامب دافيد, واجتياح لبنان, وحرب الخليج الثانية, و.. وصولا إلى مؤتمر مدريد ومسلسلات التفاوض بين العرب واسرائيل في واشنطن. كان المشوار التفاوضي في بداياته, والتنسيق العربي بين دول (الطوق) قائما وان كان بتحفظ والكثير من الحذر بسبب ما كان يضخه العدو من اشاعات حول اتصالات سرية على هذا المسار أو ذاك, لتعميم الشك بين الاطراف العربية ودفعها إلى دروب الاستفراد والتفرد. اذكر ان القيادة الفلسطينية, وكنت مازال عضوا فيها, كانت على موعد لاجتماع مع القيادة السورية بحضور الرئيس حافظ الاسد, واذكر يومذاك, ان الاطراف العربية المعنية بعملية التفاوض كانت قد اعلنت عن رفض وفودها للتوجه إلى واشنطن لحضور احدى الدورات احتجاجا على رفض اسرائيل السماح لاحد اعضاء الوفد الفلسطيني من مغادرة الضفة, كان الجو ايجابيا وتغمره روح تضامنية, فأخذت المبادرة بالكلام للاشادة بهذا الموقف التضامني واقترحت تشكيل آلية عليا من دول الطوق والمنظمة لتكون مرجعية دائمة الحضور لتأمين عملية التنسيق دون ضرورة العودة, كل مرة, إلى دعوة لاجتماع على مستوى القمة. والشهادة للحق والتاريخ ان الرئيس حافظ الاسد ابدى تجاوبا كاملا وقال بالنص: نحن في سوريا على اتم الاستعداد للتنسيق مع الجميع من ادنى المستويات إلى اعلاها, ليس عندنا اية مشكلة حول هذا الموضوع. وتطلعت صوب ابي عمار وتوقعت تعقيبا ايجابيا, ولكنه لم ينبس ببنت شفه, وتمنيت لو لم افتح فمي واتسبب في مثل هذا الحرج. اردت من رواية هاتين الحكايتين الاشارة إلى المفارقة في المسيرة النضالية بين بدايات منظمة التحرير وما انتهت اليه بعد ربع قرن, في الخرطوم كانت المنظمة ذات توجه قومي يرفض اي حل لقضية فلسطين قبل عرضه على قمة عربية تتحمل مسؤوليته وما يترتب عليه من نتائج, بينما في دمشق بعد ربع قرن اصبحت المنظمة ذات توجه قطري شوفيني تقف وراء (قدسية) شعار القرار الوطني المستقل. ايام الخرطوم كان الشقيري يخشى ان تنفرد اية دولة عربية, وبخاصة الاردن, بحل لقضية فلسطين, وايام دمشق كان ياسر عرفات يخشى ان تسبقه اية دولة لحل مع اسرائيل. ولكن ما من احد, قبل ربع قرن من الزمان, كان بقادر على التكهن بغير المعقول والمنافي لمنطق الواقع, بان تكون مصر اول من ينفرد بمثل هذا الحل, وان تكون منظمة التحرير هي الثانية من بعدها ليليهما الاردن. وكما حصدنا من تفرد مصر ما حصدناه جاء التفرد الفلسطيني ليضاعف من الثمار المرة لهذا الحصاد, لنصل إلى ما وصلنا اليه من واقع مأساوي تعيس. ونعود من حيث بدأنا هذا المقال, وحديث الشرور التي الحقتنا بها سياسة التفرد والاستفراد لنعرج على اخرها وهو ما اصاب ملف العلاقات الاردنية ــ الفلسطينية. بعد رحيل الملك حسين, والهالة الاقليمية والدولية التي رافقت هذا الرحيل, استشعر رئيس السلطة الفلسطينية خطورة الخلل الذي اصاب حجم سلطته بالمقارنة إلى حجم الاردن, ولم يجد في دفاتره العتيقة ما يعيد لها حجمها غير الحديث عن استعداده لاقامة كونفيدرالية اردنية فلسطينية, والان. اين كانت هذه الكونفيدرالية عندما وقعت القيادة الفلسطينية على اتفاقية اوسلو, ومن بعدها وبشكل خاص على اتفاقية باريس الاقتصادية؟ بل اين كانت هذه الكونفيدرالية في ذهن المفاوض الفلسطيني طيلة هذه السنوات الانتقالية الخمس وما قبل به من متغيرات واتفاقات ونكسات؟ ما من احد يجهل ان الكونفيدرالية, اي كونفيدرالية, لا تقوم الا بين دولتين متكافئتين, كي تستقيم المعادلة وتتوزع الصلاحيات والمسؤوليات, نحن نعرف ان هناك دولة اردنية ولكن اين هي الدولة الفلسطينية القادرة على الوفاء والالتزام بمتطلبات مثل هذه الخطوة؟ ان اتفاقية اوسلو ومن بعدها اتفاقية باريس, المصاغتين بفكر صهيوني, ابعدتا كلا من الضفة الغربية وقطاع غزة عن الاردن, اكثر مما كان عليه الحال عندما كانت هذه المناطق قيد الاحتلال المباشر, وبفضل هذه الاتفاقية ومن بعدها اتفاقية وادي عربة اصبحت تل ابيب اقرب إلى كل من الفلسطيني والاردني, من قرب الاخيرين الواحد منهما للاخر. لذلك هل كان مفاجئا, ان يأتي الرد الاردني سريعا ومهذبا بأن اقتراح عرفات حول الكونفيدرالية جاء سابقا لأوانه؟ ولكن, متى هو الأوان الملائم؟ انه عندما يسترد الفلسطيني ارضه ويعلن سيادته فوق دولته, والا فأي حديث عن (الكونفيدرالية) لن يكون سوى حديث تغطية لموضوع اخر عنوانه (الوطن البديل) . فمتى يدرك الفلسطينيون والاردنيون ان ارجلهم في الفلقة, وانه لابد من فتح الملف المشترك بصراحة وجرأة وصدق, والنظر اليه بعقلية قومية بعيدا عن متاهات (عدم الانفراد) وخزعبلات (القرار الوطني المستقل) . عندئذ, وعندئذ فقط, سيكتشفان كيف يواجهان المخطط المعادي لهما, من خلال موقف قومي هو وحده القادر على تحويل ما بينهما من (تناقض) قطري إلى تكامل عربي يتنافس الشعبان على دعمه ورعايته والسير وراء رايته.