كل الكلام والشكاوى والنواح الذي يملأ الفضاء العربي من عنجهية (اسرائيل) وخطواتها الاستفزازية المستمرة ضد كل ما هو عربي, لا فائدة منه سوى مزيد من استهلاك الكلام ومضغ الألم والسقوط المستمر في القهر النفسي وتعذيب الذات . وكل ما يقال حول التواطؤ الغربي والامريكي مع (اسرائيل) تكفيرا لعقدة الذنب تجاه مذابح النازي ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية هو أيضا حديث في المعروف والمستهلك واللامجدي, والامر ينطبق على سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها الولايات المتحدة في موقفها من الصراع العربي ــ الاسرائيلي لصالح (اسرائيل) , هذه السياسة التي ادمنّا ــ كعرب ــ ترديدها, وافراغ كل احتقاناتنا العربية فيها وكأننا حين نرددها أو نحلل الاوضاع من خلالها, فكأننا نعيد اكتشاف قوانين الكون أو نؤسس لنظرية خارقة في علم العلاقات الدولية. وأظن بأن قضية مسلمي كوسوفو وألبانيا وعلاقتهم بالصرب وبنظام سلوبودان ميلوسوفيتش, تدخل في الاطار نفسه, فقد تحولت (كوسوفو ــ البانيا) الى فلسطين اخرى, يلعب فيها ميلوسوفيتش دور (اسرائيل) بجدارة واستحقاق, وبدون اجتهاد, فإن حلف الاطلسي وعواصم أوروبا وواشنطن يلعبون معه الدور ذاته الذي يلعبونه مع (اسرائيل) وعليه فإن حديث التواطؤ والكيل بمكيالين.. الخ هو الآخر دخل في باب المبتذلات السياسية. للسياسة التزاماتها ومصالحها المشروطة التي لاعلاقة لها بالصداقات والاخلاق والمثاليات والمواثيق الدولية وحقوق الانسان حيث كان, ولذلك فإن ادارة كلينتون أو هيئة الامم المتحدة أو قيادة حلف الاطلسي قد تنتفض وتتفق وتجتهد بسرعة البرق لتدبير ضربة ضد العراق أو ليبيا أو السودان أو ... تحت غطاء الشرعية الدولية باعتبار ان هذه الانظمة مصنفة ضمن قائمة الارهاب أو مساعدة الارهاب! لكن حين تواصل اسرائيل اعتداءاتها على حقوق الشعب الفلسطيني بأكمله, وحين يشاهد العالم كله بناء المستوطنات, ومصادرة المنازل, وتكسير عظام الصبية الفلسطينيين في الطرقات, والاعتداء المهين على النساء والشيوخ, و... فهذا ليس ارهابا ولا اجراماً ولا قتلا.. انه دفاع مشروع عن النفس! ولهذا فكل حديث عن التواطؤ واللاشرعية والدعم الغربي الامريكي, حديث بلا طائل لسبب بسيط جدا هو اننا نتحدث من منطقة اخرى غير التي ينظرون هم من خلالها وعلى اساسها يتصرفون, ولذلك فمطالبنا لن تتقاطع أو تلتقي مع قناعاتهم ومصالحهم, ومن هنا تأتي ضرورة البحث عن خيار آخر غير الكلام. لقد سئم ومل ميلوسوفيتش من تهديدات الاطلسي وادارة كلينتون وجعجعات كل عواصم الغرب وأوروبا حول (ضربة تأديبية عاجلة) ضد القوات الصربية تقوم بها قوات حلف الاطلسي, هذه النغمة التي مللناها ونعرف ــ كما يعرف زعيم الصرب ــ انها مجرد كلام يتردد منذ سنوات ينطبق عليه المثل القائل (أسمع جعجعة ولا ارى طحنا) فالصرب كانت لهم تجربتهم الدموية عام 1995 في البوسنة وفي مدة لا تزيد على الثلاثة أيام تم لهم تصفية 7 آلاف مسلم فيما عرف بمذابح (سيربرنيتشا) ومع ذلك لملمت الامم المتحدة القضية وجمعت الجزار بالضحية في (دايتون) في الولايات المتحدة وكان ما عرف باتفاقية دايتون. اليوم يستمر سيناريو الصرب ضد الالبان وبنفس البشاعة, كما يستمر مسلسل (اسرائيل) (الراغبة في السلام) ضد كل العالم العربي ــ فيما يستمر الكلام خيارنا الوحيد.