كانت مظاهرة الاصوليين اليهود في 14/2/1999الاضخم من نوعها في كل تاريخ اسرائيل وبمشاركة ربع مليون اصولي في هذه المظاهرة يكون هؤلاء قد تجمعوا من مختلف اطراف اسرائيل مصحوبين بنسائهم واطفالهم اذا اخذنا بالحسبان انها اقتصرت على المتدينين الاصلاحيين والمحافظين الذين يعتبرهم هؤلاء الارثوذكس في عداد الخصوم والاعداء وبكلمة: كانت هذه الظاهرة التي اتخذت شكل صلاة جماعية استعراض عضلات مكشوفا. اما توقيتها فلم يكن صدفة بل يمكن اعتبارها ــ الى جانب اهداف اخرى ــ باكورة حملة الاحزاب الدينية للانتخابات المقبلة, ويلفت الانتباه في هذا الصدد تصريح مناحيم باروش منظم هذه المظاهرة حين عبر عن اعتقاده بأنه ينبغي عدم تغيير شىء قبل الانتخابات, وانما مجرد (تمهيد الارض) , وكان قد قال: اذا لم تقتنع محكمة العدل العليا بالتي هي احسن بعدم التدخل في شؤون الدين والدولة ستكون حربا, والجمهور الذي كان هناك ـ اي في المظاهرة ـ سينتشر في كل مكان. ومقابل هذه المظاهرة الضخمة تجمع حوالي ربعها في موقع آخر كتظاهرة للعلمانيين ويعتقد المراقبون ان القصور في حشد عدد مواز على الاقل من العلمانيين مرده في الاساس موقف قيادة حزب العمل, بخاصة عشية الانتخابات وفي الحقيقة فإن المتنافسين الثلاثة على مركز رئيس الوزراء نتانياهو وبارك وموردخاي يفضلون في هذه في الايام بالذات امساك العصا من الوسط لان ايا منهم لا يريد ان يغامر باغضاب الاصوليين والتضحية بأصواتهم في الانتخابات لاسيما وانه ليس لهؤلاء الاصوليين من مرشح لمعركة رئاسة الوزراء. وبينما جسدت مظاهرة الاصوليين وحدتهم من اشكناز ـ غربيين وسفارديم ــ شرقيين: في المواقف من العلمانية وطموحهم لفرض تعاليمهم الدينية على حياة الدولة والمجتمع الاسرائيلي فإن مظاهرة العلمانيين ضمت بدورها قوي متباعدة ومتناقضة في مواقفها السياسية والاجتماعية يجمعها القلق على الحياة المدنية والدفاع عن العلمانية باعتبارها مصدر قوة اسرائيل وحداثتها بدءا بيوسي ساريد (ميرتس) وابراهام بورج (رئيس الوكالة اليهودية ـ عمل) مرورا بروني ميلو (حزب الوسط ـ ليكود سابقا) وانتهاء برفائيل ايتان (تسومت) وتساهي هانجي (وزير العدل الليكودي) عدا اكاديميين بارزين. وفي ظروف تهرب الحكومات المتعاقبة من عمل وليكود من البيت في القضايا موضع الخلاف مع الاصوليين واتخاذ محكمة العدل العليا الاسرائيلية لبعض القرارات في القضايا التي عرضت عليها لاتتفق وطموحات الاصوليين (واحد وعشرون قرارا خلال العامين الماضيين) فقد غدت هدفهم المباشر ورمز العلمانية في اسرائيل. وفي هذا الصدد قال الحاخام ديفيد يوسف, الذي كان اول من نعت المحكمة العليا بعدوة اليهودية, يوم المظاهرة الاصولية بأن على الجمهور المؤمن ان يعترف مرة تلو المرة لباراك (رئيس المحكمة العليا) بأنه بسببه فقط تحققت على هذا النحو وحدة الجمهور الديني. وبينما نعت الزعيم الروحي لحركة شاس الشرقية, عوفاديا يوسف, رئيس محكمة العدل العليا, اهرون براك بعدو اليهودية فقد ظهرت في مظاهرة الاصوليين ابواق يهودية تقليدية (ترمز الى اعلان الحرب) . اما على الطرف الآخر فقط خطب في مظاهرة العلمانيين الوزير اليمني المتطرف ايتان ودعا الاحزاب الكبيرة لتتحد ضد الاصوليين بينما وجه ديفيد ليفي, زعيم حركة جيشر كلامه للاصوليين قائلا: احترموا قضاة اسرائيل منارة المجتمع, اما تساهي هنجبي وزير العدل الذي جرى استقباله بهتافات غاضبة فقال: في الصراع من اجل الديمقراطية سوية ننتصر, في حين قدم ابراهام بورج نفسه باعتباره (اسرائيلي ديمقراطي مئة بالمائة يهودي فخور) وقال ان ايام الامر الواقع مع المتدينين وصلت نهايتها وحسب قوله فصل الدين عن الدولة ضروري اذ بهذا الشكل تتحول دولة اسرائيل الى سوق حر للآراء وليس اكراها دينيا. ومما له مغزاه في هذا الصدد ما افصح عنه شاب من الطرفين في المواجهة يوم مظاهرتي الاصوليين والعلمانيين سواء خلال حوارا مباشر او غير مباشر قال شاب اصولي (انتم العلمانيون تخافون من اننا سنغدو الاكثرية, ولذلك اتيتم بالمهاجرين من روسيا لاضعافنا, ولا يهمكم ان بينهم الكثير من المسيحيين) بينما حذر رئيس اتحادات الطلبة ليئور روبرت الاصوليين من (شد الحبل اكثر من اللازم) وقال اننا طيبون للموت في الحروب ولدفع الضرائب ولتطوير الاقتصاد وكذلك لاقامة برك (للتطهير حسب الديانة اليهودية) ومدارس دينية, ايها الحاخامات الاعزاء اننا لسنا بلهاء, لا تنسوا انكم لستم الاغلبية هنا, وانكم على حسابنا. ان هذا كله يكشف مدى عمق هذا التناقض داخل المجتمع الاسرائيلي واذا كان هذا التناقض وغيره من التناقضات يجرى كبتها تحت كابوس الصراع القومي ــ الاسرائيلي ــ الفلسطيني العربي, حيث يعمل نتانياهو وحكومته اليوم على تأجيج هذا الصراع بشكل مصطنع عن طريق العرقلة المقصودة لمسار العملية السلمية فإن هذا لا يلغي المعركة بل يؤجلها, ليضاعف من قوة انفجارها, ذلك ان الزمن يعمل لصالح تعزيز قوة الاصولية اليهودية, وليس من باب الصدف ان يدفع القلق من سطوة هذه الاصولية مسؤول مثل ابراهام بورج ليدعو الى فصل الدين عن الدولة لقد استهل الصحفي رالي ساعو مراسل هآرتس تقريره عن المظاهرتين الآنفتي الذكر بالقول (لم يحدث على الاطلاق من قبل ان جرى سماع الدعوة بمثل هذه القوة لفصل الدين عن الدولة كما جرى بالامس في مظاهرة الجماهير في المعسكر الديمقراطي في حديقة ساخو في القدس. لكن شعار فصل الدين عن الدولة في اسرائيل الذي راح يشق طريقه علنا على ايدي اليهود العلمانيين في وجه زحف الاصولية الصهيونية المتزمتة هو نفسه في معناه ومدلوله شعار (الدولة لجميع مواطنيها) الذي راح يرفعه فلسطينيو اسرائيل كرد على التمييز الفاضح ضدهم. ولكن بسبب هذا الشعار وضع طاقم من الوزراء الاسرائيليين الرئيسيين تقريرا رفعوه الى رئيس الوزراء حمل العنوان: (العرب في اسرائيل خطر كامن) ذلك ان واضعي هذا التقرير الذي نشرته صحيفة معاريف الاسرائيلية بتاريخ 16/8/1998 يرون في هذا الشعار تهديدا بإلغاء الدولة اليهودية وطابعها الصهيوني. مصدر قوة الاصولية اليهودية لقد حمل المشروع الصهيوني في احشائه ومنذ البدء تناقضا ثنائيا لا حل له آخر المطاف, إلا بنفي احد طرفي هذا الثنائي فهو يستهدف ــ من الجانب الواحد ــ اقامة دولة ليبرالية علمانية, وبدون ذلك لا يمكن لهذه الدولة ان تكون عصرية قوية, ومن الجانب الآخر وفي ضوء انعدام المبررات الشرعية لهذا المشروع كان اللجوء الى المبرر الديني. وقد تفاقم الامر نوعيا عقب احتلال بقية اراضي فلسطين عام 1967 وبذلك تضاعف الاعتماد على الدين والاسماء التوارتية لتبرير السطو على ارض الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية وبهذا تضاعف الاعتماد على دور الاصولية اليهودية لتفسير عملية السطو المتواصلة هذه وبخاصة للاجيال الاسرائيلية الجديدة. ولعل هذا احد اوجه الخلاف الاساسية بين ازدهار الاصولية الاسلامية في المنطقة وازدهار الاصولية اليهودية في اسرائيل فبينما كان تعقد القضايا الاجتماعية, وفشل مختلف المشاريع التي حاولت حل هذه القضايا حتى الآن هو العنصر الاساسي في ازدهار الاصولية الاسلامية في المنطقة فإن الاصولية اليهودية ازدهرت وتزدهر في اجواء العدوان والتوسع على حساب الغير. وبينما الصهيونية القومية في تناقض يتفاقم يوميا بين طابعها العلماني وغطائها الديني الذي جعلته غطاء الدولة, فإن الاصولية اليهودية تبدو منسجمة مع نفسها, في طموحها لبسط هيمنتها الكاملة على المجتمع الاسرائيلي وشؤونه الحياتية في اطار الدولة اليهودية, وهي تنمو بوتيرة سريعة جراء المكاسب والامتيازات التي تنترعها في مجالات السلطة والنفوذ ثمنا لدورها السالف الذكر. وبالتالي يمكن للمرء ان يستنتج ان مظاهرة الرابع عشر من فبراير ليست إلا استعراض اولى للقوة ولا مناص من ان تتبعها مواجهات اخرى واشكال من الصراع لايمكن لاحد تحديد ابعادها ان لم يكن اليوم فغدا.