يشغل موضوع الدولة الفلسطينية بال الفلسطينيين واهتماماتهم, وربما بقدر أقل, ولأسباب مختلفة, أو نقيضه, ينشغل الاسرائيليون بالموضوع نفسه . وقد أخذ الموضوع في التصاعد, مع اقتراب موعد الرابع من مايو لعام 1999. ورغم أن هذا الموعد لا يبعد عنا اكثر من اثني عشر اسبوعاً, إلا أن قراراً قاطعاً لم يتخذ من الجانب الفلسطيني بإعلان الدولة في هذا التاريخ. ففي لحظات وتصريحات معينة, بدا الامر جدياً, ويكاد يكون قطعياً, وفي تصريحات أخرى ظل باب التراجع والمرونة مفتوحاً. وأغلب الظن ان موعد إعلان الدولة ــ ان أعلنت ــ سيتجاوز هذا التاريخ, لأسباب تتعلق بالجانب الاسرائيلي, وتأثير الاعلان على نتائج الانتخابات الاسرائيلية, التي يعول الجانب الفلسطيني كثيراً عليها, وربما يضع كل رهاناته على هذه الانتخابات, وتمنياته بالطبع تصب الى جانب حزب العمل أو الوسط, وفي كل الاحوال ضد نجاح بنيامين نتنياهو. وهذه الامنيات ليست قاصرة على الجانب الفلسطيني وحده, فهي ايضاً رغبات امريكية واوروبية وحتى عربية غير معلنة. والرغبات الامريكية ومن معها, تصبح لدى الفلسطينيين اكثر من رغبات, ويصبح الحرص على الاستجابة لها, وإنجاحها, اقرب الى الواجب. وهذه على أية حال اصبحت سمة تطبع الموقف العربي الرسمي بشكل عام. ومن المعلوم, أن الرابع من مايو, هو نهاية السنوات الخمس من اتفاقيات اوسلو, التي تنتهي معها المرحلة الانتقالية. وقد اقنعت القيادة الفلسطينية نفسها, ووعدت شعبها, وهي تقدم له اتفاقات أسلو, وتبشره بها, بأن المرحلة الانتقالية ستنتهي بقيام دولة فلسطينية مستقلة. مع أنها تدرك قبل غيرها أن ليس هناك نص واحد في اتفاق أسلو, أو الاتفاقات اللاحقة, ينص, أو يشير, الى قيام دولة فلسطينية مستقلة. وهذه النقطة, هي التي يحاجج بها الجانب الاسرائيلي, ويعتمد عليها في رفضه لقيام الدولة. فهو يقول: إن اتفاقات أوسلو, نصت فقط على قيام حكم ذاتي للسكان الفلسطينيين, يقومون بموجبه بإدارة شؤونهم بأنفسهم. وعلى هذا الاساس تدعي سلطة الاحتلال انها مكنت الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة, وتمضي سلطة الاحتلال, بنفس منطقها الاحتلالي لتبرير استمرار اغتصابها للأرض, بأنها اعطت للسلطة الفلسطينية الاراضي المأهولة بالسكان, أما بقية اراضي الضفة فهي شبه خالية, ولذلك فهي تحتفظ بها, وتقيم عليها ما تشاء من المستوطنات. ترى, هل كان الطرف الفلسطيني, وهو يوقع تلك الاتفاقات يجهل خلوها من النصوص الواضحة التي تضمن له قيام الدولة المستقلة؟؟ لا أحد يعتقد ذلك, ولكن لهفته على الامساك بسلطة ما على أرضه, برغم شروط الاحتلال السياسية والاقتصادية والامنية التي تكبل هذه السلطة. وأوهامه باحداث تراكمات على الارض ستوفر قدراً كبيراً من شروط قيام الدولة, ورهانة على العوامل الخارجية, وثقته فيها, وبخاصة في رعاية الولايات المتحدة الامريكية لعملية التسوية, وعدم تقديره لطبيعة المجتمع الاسرائيلي, والعوامل الايديولوجية التي تتحكم فيه, ومنطق القوة الذي يحكمه, وإمكانية تنصله ـ- دون أن يعلن ــ من الالتزام بأية اتفاقات يوقعها. كل هذه الامور, جعلته لا يدقق كثيراً في النصوص, ولا يتوقف عند التفاصيل ــ على أهميتها ــ بل جعلته لا ينتبه الى حجم ما قدمه من تنازلات, وتلبيته لكل الشروط والمتطلبات الاسرائيلية, وتنازله عن الكثير من الاوراق التي يملكها, دون أن يأخذ حتى الثمن المقابل لها. مما افقده كل عوامل الضغط, واوراق المساومة حتى قبل ان تبدأ مفاوضات الحل النهائي. فوجد نفسه على بعد خطوات أو اسابيع من النهاية الزمنية للمرحلة الانتقالية وهو لم ينجز إلا نسبة ضئيلة مما كان يمني نفسه بالحصول عليه خلال هذه المرحلة. إزاء هذا الوضع, وجدت القيادة الفلسطينية نفسها في موقف حرج تجاه شعبها اولاً, وهو الذي وعدته بالكثير من الانجازات في المرحلة الانتقالية على طريق تحقيق الاستقلال الناجز عند نهايتها, خاصة وأنه تحمل, طوعاً أو قسراً كل ما فرض عليه من قيود, استجابة للشروط والاتفاقات الاسرائيلية. سواء في المجالات الامنية أو الاقتصادية, أو القيود على حركته بين اجزاء وطنه أو في الدخول اليها والخروج منها. فماذا تقول له؟ وماذا تقدم؟ وكان حرجها ثانياً تجاه الطرف العربي الذي انتقد هذه الاتفاقات واعتبرها تسرعاً وانفراداً من الجانب الفلسطيني, وتجاه الطرف العربي الآخر الذي أيدها, وحرر نفسه أو حللها من المسؤولية تجاه القضية الفلسطينية, تحت شعار نقبل ما يقبله الفلسطينيون. فهل يكون إعلان قيام الدولة, أو كما يقول الذين تستهويهم لعبة الالفاظ, إعلان بسط السيادة على الاراضي الفلسطينية, هو الخيار أو الحل؟؟ أفلا يعتبر ذلك نوعاً م الهروب الى الامام؟؟. وإذا كانت المراحل الاولية والجزئية لم يتحقق منها إلا أقل القليل, فهل القفز الى الهدف النهائي هو البديل؟؟؟. وهل يمكن أن يقود الفشل في تحقيق اهداف المرحلة الانتقالية الى النجاح في تحقيق الهدف النهائي؟؟؟. ان مثل هذا التناقض, يدفع الى الاعتقاد, بأن توقيت الاعلان, والتلويح به, لا يعدو أن يكون نوعاً من المساومة او التكتيك, أو شكلاً من أشكال الضغط على الجانب الاسرائيلي. وقد يرى فيه آخرون نوعاً من الإغراء للناس, والملهاة لهم, لصرف أنظارهم عن الواقع الذي الت إليه عملية التسوية, والاخفاقات التي أصابتها. وقد يكون حجم هذه الاخفاقات والتضحيات التي دفعت ثمنا لها, أكبر من أن يغطيه شعار لا يستند الى مضمون أو واقع ملموس, أو تشغل الناس عنه أية احتفالات قد تقام لذلك, مهما علا ضجيجها. فحتى تصبح موضوعة الدولة ناضجة, ولا تنتظر غير الاعلان, هناك مجموعة من المقومات والشروط, توفرها هو الذي يقرر قيام الدولة, ويحدد موعد الإعلان عنها, فهل جرى توفير مثل هذه المقومات لدولتنا العتيدة المنشودة؟. عملياً, لم يتوفر الا شرط واحد من بين الشروط الأساسية الثلاثة, التي تجعل قيام الدولة ــ أي دولة ــ ممكناً أو غير ممكن. وهذا المتوفر الوحيد لنا, هو الشعب, الموجود على أرضه, وبتواصل لم ينقطع منذ الأزل, وعلى مر العصور وكثرة الغزاة. اما الشرط الثاني فهو توفير الأرض التي تقوم عليها هذه الدولة. وهذا ما نفتقده, أو نفتقر اليه كثيراً, وأعني به الأرض المحررة من الاحتلال. فما تبسط السلطة الفلسطينية سيطرتها عليه من الاراضي, او ما يسمى بالمناطق (أ) , لا تتجاوز مساحته 800 كم2 في الضفة والقطاع, مقطعة الأوصال كجزر معزولة عن بعضها بعضاً, وحتى الاتفاق الأخير (واي بلانتيشن) الذي كان سيرفع هذه النسبة الى ما يقرب من 18% اوقفت الحكومة الاسرائيلية تنفيذه. هذا فضلاً عن عدم التواصل الجغرافي بين أجزاء هذه الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة, وعدم حرية الحركة بين أجزائها. ويضاف الى ذلك المشروع الاستيطاني الصهيوني المستمر مطوقاً كل جزء من أجزاء هذه الدولة. وحين نأتي على الشرط الثالث الذي لا معنى لقيام دولة بدونه, بل ان الدولة لا يأخذ اسمها معناه ودلالته دون توفره, وأعني به شرط السيادة. فهذا الشرط ليس منقوصاً فقط وإنما هو معدوم, سواء في المجال السياسي او الاقتصادي او الأمني ذلك أن هذه الدولة المفترضة, تحرمها الاتفاقات القائمة من كل شروط السيادة والاستقلال السياسي. أما وضعها الاقتصادي, فهي من جهة لا تملك من المقومات الاقتصادية سواء كانت ثروات طبيعية, او ناتجاً قومياً صناعياً او زراعياً, ما يوفر لها مقومات الاستمرار والازدهار. وهي تعتمد حتى الان على المعونات الخارجية وهي معونات مرشحة للتناقص او التوقف في أي وقت. ومن جهة أخرى, فان الوضع الاقتصادي المتوفر, على قلته, يخضع كلياً للتحكم الاسرائيلي فيه. وقد حولته الاتفاقات الاقتصادية الى مجرد تابع طفيلي يعيش على هامش الاقتصاد الاسرائيلي. ولا تملك السلطة الفلسطينية أي شرط من شروط السيادة على حدودها ومعابر الدخول الى أراضيها, أو أجوائها, أو بحرها. بل إنها لا تتمتع بحق الشريك في السيادة على هذه المعابر. فالقرار الأول والأخير في هذه المجالات, لسلطة الاحتلال الاسرائيلي. امام هذه الوقائع الصارخة, تبرز أهمية توفير شروط قيام الدولة من ارض وسيادة, ولها الأولوية المطلقة على مسألة الإعلان عن قيامها. وإذا كانت المسألة مسألة إعلان, فنحن لدينا إعلان عن قيام هذه الدولة منذ نوفمبر 1988, ولدينا وثيقة استقلال نفاخر بها, ولن نفلح, في أي إعلان جديد, في صياغة ما هو أفضل منها. ولدينا أيضاً اعتراف دولي واسع بهذه الدولة بلغ 114 دولة, ولن نحصل أيضاً على هذا الحجم من الاعتراف في أي إعلان جديد. لكن ذلك الاعلان ظل شكلاً يفتقر الى المضمون, لأن شرطي الارض والسيادة لم يتوفرا له. من هنا تتقدم مسألة توفير شروط قيام الدولة على مسألة الاعلان عنها. وعلى هذا الاساس يجب ان يظل الجهد منصباً على دحر الاحتلال وتحرير الارض. وحين يتوفر ذلك, فان الدولة تعلن عن نفسها بنفسها, ولن تكون في حاجة الى اعلان رسمي. وتوفير شروط الدولة ومقوماتها, له شروط أيضاً. أولها إعادة النظر في الوضع الداخلي, وتفعيل العامل الذاتي الفلسطيني الذي تجاهلناه وأهملناه, لمصلحة الاعتماد على العامل الخارجي, والأمريكي بالذات. فبعد هذه التجربة المريرة مع الاحتلال, قبل اتفاقات اوسلو, ومع الحكومات الاسرائيلية, والتعرف على نواياها ومخططاتها وعدم التزامها بأي اتفاقات تعقد معها, منذ قيام السلطة الوطنية, تتأكد مجدداً أهمية الاعتماد على العامل الذاتي, وتفعيل هذا العامل, بالاستناد الى أوسع القوى والفعاليات الشعبية والسياسية. واستخدام وسائل النضال ذات التأثير الفعال والضاغط على الاحتلال, بما يرفد خطابنا في مواجهة الاحتلال بوسائل ضاغطة, تجعله موضع الاعتبار لدى سلطة الاحتلال. وتزداد أهمية هذا العامل, والرجوع اليه, مع اقتراب نهاية المرحلة الانتقالية, دون تحقيق الحد الأدنى الذي كان يراهن عليه اكثر المتفائلين بالتفاوض مع حكومة الاحتلال. خاصة اذا كان يوم الرابع من مايو يشكل بالفعل حداً فاصلاً بين مرحلتين, وستفتح فيه عناوين جديدة سواء بإعلان قيام الدولة, أو إعلان انهاء العمل باتفاقات اوسلو والتزاماتها. واذا كان البعض يعتبر يوم الرابع من مايو المقبل, موعداً مقدساً. فالأجدى أن تأخذ هذه القدسية قيمتها, من اعتبار اتفاقات اوسلو, وشهروطها المجحفة, وما تلاها من اتفاقات اقتصادية او أمنية, اتفاقات منتهية, ولم يعد الجانب الفلطسطيني ملزماً بالتقيد بها. وقد أعطى الموقف الاسرائيلي من هذه الاتفاقات وانتهاكه لها, وعدم التزامه بها, كل المبررات وان كان الجانب الفلسطيني بحاجة لمبررات ـ للتحلل من هذه الاتفاقيات والتحرر من قيودها. ومثل هذه الخطوة, ستعيد فتح ملف الاحتلال الاسرائيلي, وملف الصراع العربي الاسرائيلي, مما يستوجب العمل على توفير شرط ثان لا يقل اهمية عن العامل الذاتي. وأعني به استعادة المسؤولية العربية تجاه القضية الفلسطينية, واستعادة الاهتمام العربي بها, والدعوة صراحة الى أن مسؤولية مواجهة الاحتلال والتعنت الاسرائيلي هي مسؤولية عربية جماعية, وليست مسؤولية الطرف الفلسطيني وحده, أو أي طرف عربي آخر منفرد. وحتى في حال إقدام الجانب الفلسطيني على تنفيذ تهديداته بإعلان الدولة, فإن شرط العامل العربي لا تتراجع أهميته, بل تزداد, ذلك أن هذه الدولة لا إمكانية لها للحياة دون تأييد عربي, وانفتاح كامل وحر عليها ومعها, وتأمين وسائل الحماية لها. ووضعها في دائرة تعزيز الأمن القومي العربي, وليس مدخلاً لتهديده. يبقى أن نحذر من خطر قد تدفع إليه اللهفة على إعلان الدولة, والاهتمام بالعنوان, والشكل, على حساب المضمون. فقد لا يقلق اسرائيل كثيراً الاسم الذي يطلقه الفلسطينيون على كيانهم او سلطتهم, وقد تجد في هذا الموضوع, ومعارضتها له, مجالاً للابتزاز والمقايضة. فتقلص الى أبعد الحدود مقومات استقلال هذه الدولة من الأرض والسيادة والاقتصاد والمياه, وتساوم على تنازلات في القضايا الجوهرية كقضية اللاجئين, والقدس والاستيطان, مقابل التسليم بالاسم والعنوان. وعندها يكون الثمن فادحاً, وخسائره أكبر من أرباحه. وستمتد آثاره إلى المستقبل وأجياله.