اصحاب رابع اكبر قومية في الشرق الاوسط بعد العرب والأتراك والإيرانيين هم الاكراد, وهم مع ذلك أكبر جماعة اثنية في العالم ليس لها دولة , الاكراد يتوزعون على خمسة بلدان هي تركيا وإيران والعراق وسوريا وارمينيا, مشكلاتهم تتمركز مع الأربعة الأولى منها بدرجات مختلفة, وايضا خلافاتهم فيما بينهم طاحنة ودموية, ربما لايفوقها خلافات قومية إلا الخلافات العربية. ذلكم هم الأكراد الذين فرض زعيمهم في تركيا أو على أدق تعبير أحد زعمائهم الكبار في تركيا. وهو عبدالله أوجلان فرض قضيتهم على وسائل الإعلام في العالم, فرضها وهو مقيد كما لم يفرضها قبل ذلك وهو طليق, فقد وجد العالم نفسه وجها لوجه مع الرجل وهو شبه مخدر ومعصوب العينين يقوم برفع الغطاء عن عينيه رجال مجهولون وقد غطوا وجوههم بقناع حتى كان المشاهد لهذا المنظر الفريد ان يتساءل من يخاف ممن؟ الاكراد هم من القوميات التي يجهل البعض صراعاتها الداخلية والخارجية الى درجة كبيرة, فالبعض يعتقد ان جميعهم مثلا من طائفة السنة, وهم ليسوا جميعا كذلك, فهم يكادون يتوزعون على كل الطوائف الاسلامية المعروفة, ففيهم سنة وشيعة وعلويون وغير ذلك, كما ان منهم قمما في المساهمة الثقافية في الجانب العربي والفارسي والتركي, كما كان من بينهم زعماء سياسيون وصلوا الى قمة السلطة في بلدانهم, ويكفي ان اشير هنا الى ان الاديب عباس محمود العقاد والمقرىء المرحوم عبدالباسط عبد الصمد هما من أصول كردية, كما ان اول انقلاب عسكري في تاريخ العرب الحديث قام به كردي هو بكر صديق في العراق سنة 1936, كما ان ترجوت أوزال وعصمت اينونو أكرد أو من أصول كردية, ومن أكبر رجال الدين في سوريا اليوم رجال مثل المفتي كفتارو, ورجل الدين البوطي من الاكراد, وقد قدما مساهمات جليلة للمسلمين. الحركة القومية الكردية هي مثيل لحركة القومية العربية, كانت في مجملها ردة فعل للحركة الطورانية (القومية التركية) في العصر الاخير من الحكم العثماني الذي كان يحكم مناطق شاسعة من الشرق الاوسط, ففي نهاية القرن الماضي بعد ان اشتدت الدعوة القومية في الدولة العثمانية, كان رد فعل القوميتين العربية والكردية هي التشبث بهويتهما. عبدالله أوجلان بالنسبة للبعض بطل وطني يناضل من اجل حرية شعبه, وللبعض الآخر مجرد ارهابي خطير قتل أو تسبب في قتل آلاف الضحايا, وهنا تكمن بالضبط مأساة هذا الشعب الكردي ليس في تركيا فقط, بل وفي سائر مناطق وجودهم, فالأكراد يسببون وجعا اما ساكنا او نشيطا في خاصرة معظم الدول الاربع التي تضم اغلبية الشعب الكردي, أو تتوزع اراضيهم عليها, فهم ليسوا مواطنين خلصا لانهم ليسوا عربا أو فرسا أو أتراكا. كما أنهم لم يتعربوا أو يتأتركوا أو يتفرسوا, برغم كل الضغوط الايجابية والسلبية على مر تاريخهم الطويل لجعلهم كذلك. يجمعهم بالآخرين في الدول التي تضم الأراضي الكردية, الدين الاسلامي وتفرقهم اللغة والقومية, وقد يفسر اي تنازل لهم من (الدولة) بمنزلة اعتراف بالتمايز القومي, ويخشى السياسيون ان يمهد هذا التنازل (لتقسيم الوطن) وهو أمر بمنزلة الخط الأحمر في السياسة الشرق أوسطية, ليس للدول القومية, بل وللدول الكبيرة. والأكراد أنفسهم ليسوا على قلب رجل واحد. (ومن هناك على هذه الأرض على هذه الشاكلة) فبعضهم أو بعض تنظيماتهم القبلية السياسية ترضى بحقوق ثقافية فقط على الارض التي يعيشون عليها. و(بعض) الحقوق السياسية قد حصلوا عليها بالفعل. كما ان بعض تنظيماتهم الاخرى لاترى أقل من (دولة كردية كاملة الحقوق) ممثلة للأكراد تكون هي الحل الوحيد لتطلعاتهم القومية. والتناقض انه لايوجد كردي في الحركة القومية الكردية بشكل عام, الا ويفكر في (كيان) كما لايوجد سياسي كردي إلا ويعرف أن أفضل مايمكن ان يحصل عليه هو حقوق لحكم ذاتي داخل ــ وليس ــ خارج الكيانات السياسية المستقرة. وبين هذين الموقفين تتعدد المواقف وتختلف لدى الفئات الكردية, بعض أكراد العراق مثلا يرون ان الحقوق للمواطن الكردي في تركيا هي كافية وافضل من وضع الاكراد الآخرين, خاصة بعد ان حصلوا في عهد أوزال على اعتراف الدولة التركية بهويتهم القومية, وبعض اكراد تركيا مثلا يرون ان ما حصل عليه اخوانهم في العراق (الاعتراف بحقوق الاكراد القومية في مارس سنة 1970) هو أفضل من أي وضع آخر لهم في المنطقة (الاعتراف ظل حبرا على ورق). وهكذا تختلف بينهم الاجتهادات, كما تختلف بينهم المواقف السياسية والتحالفات, بعضها يصل الى حد الاقتتال كما حدث في تاريخهم الحديث والمضطرب وكذلك كما حدث منذ سنوات قليلة خلت بين اكراد العراق انفسهم, كما ان التصفيات والتصفيات المضادة فيما بين معسكراتهم المختلفة أكثر من ان تحصى, ويظل المثقفون والشعراء الاكراد يمجدون الكيان القادم (كردستان) وتظل جموع الشعب الكردي محط تنافس بين الزعماء والحركات السياسية, بسبب البنية القبلية ورغبة القادة الاكراد في تأجيج الصراع متنافسين على النفوذ وتقسيم المصالح. القبض على عبدالله أوجلان يفصل تاريخا عن تاريخ, فقد قاد هذا الرجل وفريقه السياسي المتمثل بحزب العمال الكردي (البي كي كي) حربا ضد السلطة التركية منذ سنة 1982, وراح ضحية هذه الحرب شبه الأهلية, ليس قتلى أتراكا فقط وأنما ايضا ضحايا أكرادا صفاهم أوجلان كي يبقى هو وحزبه المرجع الأول والأخير في القضية, ولم يترك أوجلان طريقة للاستفراد بالسلطة إلا واتبعها حتى التصفية الجسدية لمعارضيه, كما ألحقت الحرب دمارا كاملا بالاقتصاد في المناطق الكردية من تركيا, بل وشغلت الساحة السياسية الكردية لسنوات طوال, من هنا جاء القبض على أوجلان كانتصار شعبي وسياسي للحكومة التركية. ببساطة حزب العمال الكردستاني يرى ان أكراد تركيا يعاملون معاملة المواطنين من الدرجة الثانية, لأن مدرسة أتاتورك السياسية والتي يتمسك بها الجيش التركي تعتبر أن كل من يعيش على تراب تركيا هو تركي, ولايجوز بأي حال تقسيم الشعب التركي الى قوميات, خاصة ان جميع المواطنين الاتراك من اكراد وغيرهم يتمتعون بحقوق المواطن العادي, وعندما اشتمت الادارة التركية رائحة الانفصال من المنظمات السياسية الكردية اعتبرت ان هذه المنظمات تدخل في دائرة الارهاب, وحتى عندما تراجع أوجلان عن فكرة الدولة الكردية المستقلة ونادى بحكم ذاتي لكردستان التركية, فهمت الادارة التركية ان ذلك ضد مبادىء أتاتورك في وحدة الوطن, ومقدمة لاشك فيها للانفصال. من هنا كان القبض على (أوجلان) هو بحكم الانتصار للقومية التركية على (عدو للدولة) لأن عقيدة الجيش التركي هي بذل الغالي والنفيس في سبيل وحدة تركيا, حفاظا على مبادىء الزعيم الذي يقسم كل ضابط جديد قسم الولاء لمبادئه. اكراد تركيا غير المنحازين للفكر القومي الكردي مثلهم مثل غيرهم من الأكراد في البلاد العربية منتشرون في المدن, بل يقدر أن أربعين في المائة من سكان العاصمة التركية أنقره هم من الأكراد, كما كان معظم تجار بغداد في العهد الملكي. الاكراد شعب يستطيع العرب ان يكسبوه الى صفهم والى قضاياهم العادلة, ولقد ساهمت كوكبة كبيرة من الأكراد في الثقافة العربية ولايزالون يفعلون, بل ان بعضهم يجيد العربية اكثر من اللغة الكردية, وتعرب الكثيرون منهم بسبب انفتاحهم وطبيعتهم المتسامحة. كما يبدو ان الكثير من سياسييهم قد وصلت اليه الرسالة الدولية والاقليمية واضحة لا لبس فيها, وهي انه في الوقت المنظور يظل ظهور دولة كردية موجودا فقط في خيال المثقفين, لذا وجب النضال كل في حدود دولته الوطنية, للعيش في مجتمعات تحترم حقوق الانسان بغض النظر عن خلفيته العرقية, وبالقبض على (أوجلان) الشكل الذي تم به فإن هذه الرسالة أصبحت أكثر وضوحا وأعلى صوتا. في المدى القصير ستسير المظاهرات وربما بعض اعمال العنف المتوقعة, ولكن في المدى المتوسط فإن ردة فعل الحكومة التركية في الاعتدال ومعالجة الموضوع معالجة سياسية وليست أمنية ستضع القضية الكردية في تركيا كما في بلدان أخرى على الطريق الصحيح.