برغم كل ما يقال عن الصحافة باعتبارها مهنة البحث عن المتاعب, إلا أن طلاب وطالبات كليات الاعلام والصحافة في الوطن العربي وربما في العالم كله يصمون آذانهم عن هذه المقولة مهرولين وراء مقولات أخرى أكثر بريقاً تزعم أن الصحافة سلطة رابعة في المجتمع يفوق نفوذها كل السلطات, ولذلك يستمتع هؤلاء الصحفيون بوصفها بــ (صاحبة الجلالة) ومفتاح الشهرة ومهنة البحث عن الحقيقة. ويعرف كل الذين دخلوا إلى بلاط (صاحبة الجلالة) أن الواقع في العالم الثالث يسحب من (بلاط صاحبة الجلالة) الصحافة كل البسط الحمراء ويجعلها على (البلاط) تماماً! ولذلك احتمل ويحتمل صحفيو العالم الثالث السير على هذا (البلاط) بكل قسوته مكتشفين ان القضية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بأي نوع من الشهرة والمجد والنفوذ والسلطة, وهنا لا يكون أمامهم غير المضي قدماً أو التشرد على الأرصفة والنوم على (البلاط)! وبرغم مأساوية الواقع الصحفي في العالم الثالث الذي يتعارض تماماً مع واقع الصحافة في دول الغرب, إلا أن هناك ملامح قوة لا يستهان بها تدفع للاعتقاد بأن (سجاجيد) النفوذ الحمراء ستعود يوماً إلى بلاط صاحبة الجلالة الصحافة (العالمثالثية) قريبا! ويكفي أن نعرف أن البعض من كبار المسؤولين في هذا العالم يرتعد خوفاً ويستنفر موظفي إدارته بمجرد نشر أخبار التجاوزات التي تحدث في إدارته على صفحات الجرائد, ليس خوفاً أو حرصاً على المصلحة العامة في أغلب الظروف ولكن خوفاً على السمعة والصيت والكراسي طبعاً, ما يعنينا هنا أن الصحافة في عالمنا المبتلي بكل البلايا والرزايا بدأت تطرق الأبواب المغلقة منذ أزمنة, وبدأت ترصد ما يحدث خلف الأبواب, وبدأ الهمس وتحول الهمس ضجيجاً... وكما يقول الروائي السوري حنا مينا (اطرق, اطرق, فلابد أن ينفتح الباب يوماً) , وهذه على ما يبدو هي استراتيجية الصحافة في العالم الثالث وهي طويلة الأمد كما يبدو, حيث لا بديل آخر في الوقت الراهن على الأقل. وبرغم تفاؤلنا إلا أن المعهد الدولي للصحافة ــ ومقره فيينا ــ يقدم تقريره السنوي للعام المنصرم 1998 تحت اسم (سجل الشرف) واضعاً تفاؤلنا على الرف, مؤكداً على ندرة الحرية الصحافية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا (مشكلة العالم العربي جغرافية دائما!). يقول التقرير ان (ثلثي سكان العالم يعيشون في دول لا تحترم فيها المبادىء الأساسية لحرية التعبير) حيث تحتل أمريكا اللاتينية المرتبة الأولى في التضييق على الصحفيين نظراً لتركز الفساد وعصابات المافيا والمخدرات هناك, حيث جرت نصف عمليات اغتيال الصحفيين خلال عام 1998, أما في (اسرائيل) فإن رقابة صارمة تمارس على الصحافة تحت غطاء (الأمن القومي), كما أورد التقرير نظام طالبان في أفغانستان وبورما بين أكثر أعداء حرية الصحافة تشدداً تليهما ماليزيا, ونظام بلجراد في أوروبا وروسيا التي تعمها فوضى جماعات النفوذ والفساد السياسي. يأتي الفساد ومهربو المخدرات وعناصر الجريمة المنظمة على رأس أعداء الصحافة في أمريكا اللاتينية والتي ترى أن مهمتها كشف الحقائق أمام الجمهور, بينما تأتي البنادق ومافيا السلاح والألغام على قائمة أعداء الصحافة في افريقيا التي يعاني اعلامها من (التسييس الشديد بسبب النقص المزمن في التمويل) , أما في العالم العربي (وفي آسيا عموماً) فإن (حرية الصحافة والتعبير لا تزال مجرد أمل) ... حسب تعبير تقرير المعهد الدولي للصحافة في فيينا.