يزداد الرأي في الولايات المتحدة وفي أوساط الادارة الأمريكية بأن أفضل حل للقضية العراقية هو في ازاحة الرئيس العراقي من الحكم. وقد تعمق هذا التوجه عام 1998 في ظل المواجهات العراقية الأمريكية المختلفة وهو يزداد حرارة في ظل المواجهات الراهنة في منطقة الحظر الجوي, وفي ظل اعلانات الرئيس العراقي التهديدية. وقد شكل اعلان الرئيس الأمريكي في نوفمبر الماضي بأن الولايات المتحدة تسعى (للاطاحة) ثم قيام الرئيس بالتوقيع على قرار الكونجرس القاضي بتوفير مبلغ 97 مليون دولار لدعم المعارضة العراقية (سبعة فصائل) بأسلحة ومعدات عسكرية في اطار السعي لعمل انتفاضة في العراق أحد أهم التعبيرات عن هذه السياسة الجديدة. وخوفا من تردد الادارة الأمريكية وبطء توجهاتها في ظل التعقيدات الاقليمية فقد قرر الكونجرس الأمريكي اعطاء ثمانية ملايين دولار اضافية كمساعدة غير عسكرية للمعارضة العراقية. وقد تم الاتفاق على توزيع المبلغ في فترة مقبلة من خلال الخارجية الأمريكية وفق الآتي: ثلاثة ملايين للمؤتمر الوطني العراقي, مليونان لدعم المعارضة العراقية في داخل العراق, ثلاثة ملايين اخرى لمنظمة اسمها INDICT وهي منظمة مركزها في لندن تسعى لمحاكمة الرئيس العراقي على جرائم الحرب. ان كل هذا يسير في طريق يتعامل مع الرئيس العراقي كخارج عن القانون ويتعامل معه بحيث يضيق ويقلل من فرص عودته للوضع الدولي بل يمكن القول بأن الولايات المتحدة أصبحت ترى في المشكلة العراقية مشكلة أيضا داخلية فيها الكثير من التنافس بين الادارة وبين الكونجرس ووسائل الاعلام. ولكن من جهة أخرى يواجه هذا التوجه الذي تتبناه الادارة الأمريكية الكثير من الانتقادات والمعوقات, بل تشكل تصريحات أنتوني زيني قائد القوات الأمريكية في المنطقة الوسطى تعبيرا عن هذا النقد, اذ اعتبر زيني ان المعارضة ضعيفة وان فكرة تسليحها وتدريبها, كما يؤكد قرار الكونجرس تتطلب دورا كبيرا للجيش الأمريكي وان هذا قد يضع الجيش الأمريكي في ظروف صعبة تتطلب دعما جويا وربما بريا للمعارضة لحمايتها من قوات النظام. ووفق زيني ان هذا الطريق ليس مضمونا من حيث النجاح بل قد يمهد لفشل لا يقل عن فشل أمريكا في كوبا في عملية خليج الخنازير.. هذا الرأي بشكل عام هو رأي المؤسسة العسكرية الأمريكية التي تحرص على القيام بمهام يمكن تنفيذها في أقل خسائر ممكنة ووسط أكبر الفرص للنجاح. ولكن الأمر الذي يزيد المسألة صعوبة في ذهن المؤسسة العسكرية الأمريكية ان دول المنطقة ليست مستعدة لتأمين قاعدة للمعارضة وعلى الأخص الكويت والسعودية, خاصة وأن الصراع من الخارج قد لا يؤدي الا إلى مزيد من الاستنزاف, بل نجد ان الكويت التي تلتزم بترسيم حدودها ليست تواقة لانتهاك هذه الحدود المعترف بها دوليا. كما ان الاتراك لا يؤيدون فكرة تحويل الشمال لقاعدة تساهم في تسليح وتدريب وتقوية فصائل المعارضة وخاصة الأكراد. اذ تخشى تركيا في ظل تقوية الأكراد من تحول يساهم في نهاية المطاف بنشوء دولة كردية. أما الأكراد فهم مترددون في الدخول في هذا السيناريو الجديد وذلك بعد تجاربهم السابقة والمؤلمة مع النظام وضرباته ضدهم, كما انه ليس سرا ان الأكراد لا يثقون بالادارة الأمريكية بعد تخليها عن حمايتهم في ظروف شبيهة في السابق وعلى الأخص بعد انتفاضة 1991 ثم عدوان العراق على أحد فصائل الأكراد وتحالفه مع آخر في أغسطس 1996. ويفضل الأكراد استغلال ضعف النظام والضغوط عليه لكسب الوقت وخلق واقع عدم اعتداء بين الطرفين لنتذكر انه لكلا الفصيلين علاقات وممثلون في بغداد. ان ثقة المعارضة العراقية بالولايات المتحدة تبدو أيضا مهزوزة في هذه المرحلة. فهذه ليست المرة الاولى التي تسعى من خلالها الادارة الأمريكية باتجاه التغيير في العراق ثم تتراجع أمام حركة الأوضاع وتعقدها. لنأخذ مثلا فشل الانتفاضة في الشمال والجنوب عام 1991 ثم بعد الانتفاضة محاولات الرئيس بوش الاطاحة بالنظام من خلال رصد مبلغ من المال حوالي 20 مليون دولار لصالح احداث انقلاب في العراق. ونتذكر ايضا خروج حسين كامل وعدم استغلال خروجه لصالح الاسقاط ثم عودته ومقتله. كما نستعيد تعرض المؤتمر الوطني العراقي الذي يرأسه أحمد الشلبي لأكبر ضربة بعد ان ترددت الادارة الأمريكية في تأمين حماية المعارضة اثناء الهجوم العراقي في سبتمبر 1996. وقد نتج عن تلك العملية اعدام قوات النظام لمئات المعارضين العراقيين واعتقال حوالي الألفين, وقد اضطرت الولايات المتحدة الى نقل 650 معارضا معظمهم من المؤتمر إلى أراضيها. ويزيد من أزمة الثقة بين المعارضة والولايات المتحدة ان الادارة الأمريكية على الأقل بلسان أنتوني زيني قائد المنطقة الوسطى ما زالت ترى ان نجاح الأكراد أو الشيعة في اسقاط صدام سوف يفتح المجال لتقسيم العراق أو لفوضى يصعب السيطرة عليها, لقد بقي التفكير الرسمي الأمريكي وهو ما زال يعمل في اطار (انقلاب سني) يغير الرئيس العراقي برئيس آخر يمكن التعامل معه بمعنى آخر هناك تخوف من اللعب بالتوازن الاقليمي والوضع العراقي الأوسع بحيث ينفتح صندوق البلقنة والتقسيم مع احتمال ان يجر دول المنطقة وينعكس عليها قوة أو ضعفا. لهذا فإن دعم المعارضة العراقية وتدريبها كما تطرحها الادارة الآن قد تتحول الى ورقة ضغط بعيدة الأمد أو حتى متوسطة الأمد أكثر منها ورقة تغير جدية تهيىء لجهد حقيقي لاسقاط النظام العراقي. وتعي الادارة الأمريكية جيدا بأن دول المنطقة تخشى من التورط في تغير نظام عربي لخشيتها من تحول ذلك الى سابقة تسمح لأطراف أخرى بالتدخل في شؤونها وتغير أنظمتها. ولكن الأهم انه لدى الدول العربية المحيطة بالعراق تصورات متناقضة بخصوص شخصية ونوعية القادم الجديد في العراق. فبالنسبة لسوريا يجب ان يكون الضابط الجديد معاديا لاسرائيل وخارجا عن السيطرة الأمريكية أو التركية وذلك لكي لا يكتمل الطوق على سوريا في التحالف التركي الاسرائيلي. لهذا بغياب ضابط بهذه المواصفات يبقى صدام حسين أقل الشرور. أما بالنسبة لتركيا فتخشى من ان يكون القادم الجديد ضعيفا بحيث يفشل في احتواء الأكراد, فبغياب ضابط آخر قوي يبقى صدام هو أقل الشرور بالنسبة لتركيا. بل ان صدام مفيد لتركيا لأن الضغط الدولي عليه يبقي العراق ضعيفا. اما إيران فهي بالتأكيد تريد ضابطا يختلف عن ذلك الذي تريده الولايات المتحدة: أي ضابط يؤمن بعلاقة ايجابية وقريبة من ايران ولكنها لا تريد ضابطا ذا توجهات غربية تجعل من العراق نقطة اهتمام أمريكية, لهذا في غياب هذا الضابط سوف تبقى ايران تفضل الأمر الراهن في العراق وترفض بالوقت نفسه التدخل الاجنبي خوفا من مجيء ضابط أو حاكم غربي الميول يكمل الطوق على إيران. في كل بلد من الدول التي تحيط بالعراق تختلف مواصفات (الضابط) المطلوب. ولكن اختلاف التوجهات حول هذا الأمر يعود ويجعل الدول أقل استعدادا للتعاون مع الادارة الأمريكية في عملية التغير. ومن جهة أخرى هناك رأي يتردد في أوساط أمريكية عديدة مفاده ان الإدارة الأمريكية لا يمكن أن تكون جادة في التغيير. فالذي يريد أن يسقط نظاما يسقطه دون أن يعلن ذلك ودون أن يحوله لخطاب رسمي, بل ان الاسقاط يجب ان يكون سياسة غير معلنة, وقد اكدت الادارة الامريكية في اكثر من مجال للكونجرس ان سعيها لتغيير النظام في العراق هو عمل (بعيد الأمد) وانه ليس عملا تقوم به الإدارة في المدى المنظور, هذا الأمر بحد ذاته يجعل الإدارة في حل من أية التزامات مباشرة في التغير. وهذا يعيد الأمور إلى المدى البعيد كما كان الأمر مع الاتحاد السوفييتي وكما هو مع كوبا منذ الستينات وشمال كوريا منذ الخمسينات. وقد جاءت تصريحات زيني حول العراق أيضا لتصب في هذا المجال. لهذا يصبح التساؤل المشروع: هل شعار الاسقاط مجرد ورقة تستخدم للضغط على النظام العراقي لاعادة فرق التفتيش وللعودة إلى الرقابة؟ بمعنى آخر يبدو ان الصراع السياسي يدور حول الآتي: أولا عدم استعداد الولايات المتحدة لتأهيل صدام حسين إلا في أضيق نطاق والوقوف بقوة في علاقاتها الدولية ضد هذه الامكانية. ثانيا عدم التراجع عن منطقة الحظر الجوي في الجنوب والشمال لأهميتها العسكرية حتى الآن, ثالثا: عدم توسيع العمليات العسكرية إلا إذا حصل مبرر واضح من شاكلة نجاح العراق في اسقاط طائرة أمريكية حينها قد يتطور الوضع نحو (ثعلب صحراء) موسع رابعا: التمسك في مجلس الأمن بعودة فرق التفتيش بشكل جديد إلى العراق لقاء امكان رفع السقف الخاص بانتاج النفط في العراق. خامسا: الاستعداد في مرحلة مقبلة للموافقة على تخفيف القيود والاجراءات على العراق في الاستيراد والتصدير وربما السماح للطيران باستئناف أعماله من وإلى العراق وغيره من أمور تصب في الوضع الانساني في العراق, ويتم هذا مقابل الاتفاق على صيغة جديدة للتفتيش. سادسا: الاصرار على تطبيق العراق للقرارات الدولية اضافة للأسلحة, أسرى الكويت الممتلكات المسروقة والاستمرار بدفع التعويضات اضافة إلى النوايا, سابعا: اثارة مسألة حقوق الإنسان في العراق. ان الاساس في اللعبة السياسية حول العراق: هو اذعان النظام للقرارات الدولية حول التسلح وحول تهديد المحيط وحول النوايا بأكثر مما هو سياسة اسقاط حاسمة بمعنى آخر: لا يوجد تعريف لمعنى (الاسقاط) في القاموس الامريكي, كما ان ورقة الاسقاط ليست بيد الادارة الأمريكية الان, بل نجد ان ورقة الاسقاط هي بيد الظروف بأكثر مما هي بيد النظام, وذلك لان الاسقاط قد يتم في أي وقت وقد لا يتم البتة ولانه عامل مبهم يتعلق بالوضع العراقي الداخلي كما هو الحال في أي مكان في العالم, بل قد يسقط الرئيس العراقي من جراء حادث سير بسيط. باختصار قد يتحول شعار (اسقاط النظام العراقي) إلى وسيلة للضغط على النظام العراقي من اجل احتواء النظام وفرض تراجعات محددة عليه, وفي هذا يكون شعار الاسقاط عنصر ضغط مثله مثل العقوبات والعمليات العسكرية. ولكن عنصر الاسقاط قد يتحول بحد ذاته لعنصر احراج جديد لسياسة أمريكية ينقصها الوضوح وتخضع حتى الان لمتطلبات الوضع الداخلي الأمريكي بأكثر مما تخضع لمتطلبات الوضع الاقليمي الحقيقي. أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت