من القضايا الهامة التي تستحق التأمل والتحليل, هي: كيف يتعامل العقل العربي مع التحولات الهائلة التي تحدث في عالم اليوم, وكيف يحلل تلك التطورات , وبالذات من زاوية تفسير أسبابها, وآليات حركتها, والنتائج المترتبة عليها, ومن الواضح ان هذه التحولات قد تم ادراكها بطرق مختلفة من جانب المثقفين العرب, فهناك البعض ممن قبل أفكار النظام العالمي الجديد, وأكد على ان (نظاما عالمياً جديداً) قد ولد وان هذا النظام الجديد يرتكز على أوضاع مرحلة ما بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وان ذلك سيكون بداية لمرحلة جديدة من تاريخ العالم تقل فيها الصراعات بين الدول ويزداد دور القانون الدولي والأمم المتحدة. بينما رأى البعض الآخر, أن ما حدث لايعدو أن يكون مجرد اعادة لتوزيع عناصر القوة العسكرية والاستراتيجية, وأن نظام (الهيمنة الدولية) ما زال مستمرا, وأن العلاقات بين دول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير لم يعترها تغيير اساسي بل ربما أدت الأوضاع الجديدة إلى مزيد من الهيمنة وممارسة النفوذ. ويقول آخرون ان هذا النظام الجديد الذي تتحدث عنه أدوات الإعلام غير موجود, والأدق ان نتحدث عن (اللانظام) وان كل هذا التغيير الذي نراه الآن ليس سوى مسودة لـ (فوضى عالمية جديدة) فهو ليس ترتيبا دولياً متجانسا يسير في اتجاه واحد, ولكنه يتضمن تطورات مختلفة, واحيانا متناقضة: تسير صوب تأكيد التمايز بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية. ويضيف البعض الرابع, ان سنن الحياة لاتسمح بسيطرة دولة واحدة أو قطب واحد على مقدرات العالم لفترة ممتدة, لذلك فإنه من الضروري أن تنشأ قوى جديدة, وأن يحدث توازن جديد, ويشير أصحاب هذا الرأي أحياناً إلى اليابان, وأحياناً أخرى إلى ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي, وهكذا فإن وضع أحادية القطبية, الذي يشهده العالم الآن, هو في نظر هذا الفريق وضع مؤقت وانتقالي, فلما كان الاقتصاد قد أخذ دوره الآن, كعنصر حاسم في معادلة ميزان القوى الدولية بعد انهيار ميزان التسلح النووي, فإن هناك قوى أخرى تتطلع لأن تشارك الولايات المتحدة في معادلة التوازن الجديدة هذه, وتتمثل هذه القوى أساساً في المجموعة الأوروبية, التي تطورت وحدتها ليس اقتصاديا فحسب, وانما سياسيا ايضا كما تتمثل في اقتصاد اليابان, بما يمثله من : معدل نمو تكنولوجي متزايد, وقوة تصديرية لرأس المال, وفائض في الميزان التجاري رغم الأزمة الطارئة التي يواجهها الآن, وعليه, فإنه يمكن القول بأن مسار التطورات الدولية يوحي بأن العالم يتجه صوب تعددية قطبية, بكل ما يمكن أن يعكسه ذلك من معادلات جديدة تتعلق بتوازنات القوى والمصالح. وتقديرنا, ان هذه الآراء انما تعكس هواجس ومخاوف وأنماط تفكير قائمة اليوم بالفعل وتستحق المناقشة, فعلى سبيل المثال, فإن طرح السؤال عما إذا كان هناك (نظام عالمي جديد) أم لا, يعكس نمطاً للتفكير يقوم على أنه لايوجد شيء قد تغير, وهذا النمط من التفكير هو محل نقد, فلا يوجد في التطور السياسي والاجتماعي ظواهر أو وقائع تولد فجأة, ولا توجد ظواهر أو وقائع منبتة الصلة بما سبقها من تطورات. فالتاريخ لايعرف القفزات المفاجئة أو التغيرات العشوائية, وهو يشبه مسلسلا متصلاً تتعاقب فيه الأحداث والوقائع, فالحاضر هو نتائج لقرارات وأحداث وقعت في الماضي, والمستقبل يكمن في رحم الحاضر, ومؤدى ذلك انه حتى الثورات الكبرى في التاريخ, مثل الثورتين الفرنسية والروسية, لم تحققا انقطاعا كاملاً عن ماضيهما, وانما حدث في كل منهما تواصل بين القديم والجديد: ففي حالة الثورة الفرنسية, ظلت التقاليد الملكية الامبراطورية جزءا من الثقافة السياسية الفرنسية, وبعد أقل من خمسة عشر عاما على الثورة الفرنسية عادت الامبراطورية مرة أخرى إلى الحياة, وفي حالة الثورة البلشفية, وبعد سبعين عاما على حدوثها, شهدت روسيا تحولات عميقة وعودة الى كثير مما كان موجودا قبل عام ,1917 بما في ذلك علم الدولة ونشيدها وأسماء المدن الكبرى فيها. المنطق نفسه نجده بالنسبة لعملية تشكل النظام العالمي الجديد, فهو لم ينشأ فجأة ولم تنشق عنه الأرض, وهو لم يولد بسبب وقوع حرب بعينها أو موقف بذاته, وانما تبلور تدريجيا, وعبر سنوات طويلة, وما زال في طور التبلور, وهذا النظام لا يمثل انقطاعاً كاملاً عن الماضي, وإنما يجمع في طياته بين سمات مراحل مختلفة وحقب متنوعة, بعضها جديد تماما نشأ نتيجة أوضاع جديدة, وبعضها استمرار لاوضاع سابقة, اما في شكلها القديم أو في شكل متطور. وعلى سبيل المثال, فإن أزمة الاتحاد السوفييتي السابق لم تظهر بين يوم وليلة, وعدم قدرة مؤسساته على الوفاء باحتياجات المواطن معروفة منذ سنوات طويلة للمتخصصين, كذلك فإن مساعي الولايات المتحدة لإرهاق الاقتصاد السوفييتي, من خلال ادخاله في سباق مروع للتسلح, هو هدف علني ومعروف للسياسة الخارجية الامريكية في عهد الرئيس ريجان. والشيء ذاته يصدق بالنسبة للتطورات الاخرى, مثل ازمة دول شرق اوروبا التي تعود بجذورها الى مظاهرات البوزنان في بولندا عام 1955, وثورة الشعب المجري عام 1956, والوحدة الاوروبية تعود ــ كما هو معلوم ـ الى معاهدة روما عام 1958, والى احاديث ديجول المتكررة في الخمسينات عن اوروبا الموحدة من الأورال الى الاطلسي. واذا كانت التحولات العالمية الراهنة لم تبرز بين يوم وليلة, فإنها لم تسفر عن كل نتائجها بعد. وهي اقرب ما تكون الى جبال الثلج الطافية في أعالي البحار, ترى قممها, ولكن تظل قيعانها ــ التي تمثل الجزء الاكبر منها ــ مطمورة تحت سطح الماء. فمازال العالم يعيش في خضم عملية تغير عميقة, ومازالت آثار هذه العملية لم تطرح كاملة بعد. ومن ثم, فإن السؤال عما اذا كان هناك نظام عالمي جديد قائما فعلا أم لا, هو سؤال غير دقيق, والسؤال الادق هو: هل توجد مؤشرات ودلائل على أن النظام الدولي يمر بمرحلة تغير عميق, يمس القيم والاسس والجذور أم لا؟ والرد عندي بالايجاب. ذلك, ان مايحدث في العالم من حولنا, وخصوصا منذ نشوب ثورات دول شرق اوروبا في عام 1989 ليس مجرد تغيرات سياسية واعادة تركيب للتوازن العسكري وحسب, وانما هو مسألة اشمل, وهو نتيجة التحولات التكنولوجية بالغة العمق التي شهدها العالم في حقبة الثمانينات والتي فتحت آفاقا غير مسبوقة. وحسبنا ان نشير, في هذا الخصوص, الى التحولات الهائلة في مجالات: الحاسبات الدقيقة والذكاء الاصطناعي والاتصالات عن بعد, والمعلومات. وهناك تغير في مفهوم عناصر الانتاج, بحيث اصبحت المعلومات اهم تلك العناصر. ولهذا تأثيره على مفهوم الصناعة وعلى سعر المنتج. ففي اي منتج متقدم الآن, فإن الجزء الاكبر من السعر لا ينصرف الى تكلفة المادة الخام التي صنع منها, ولكن الى مقدار المعرفة والخبرة التكنولوجية المتضمنة فيها, كما ان هناك التغير غير المسبوق في مجالات الكيمياء الحيوية, او الهندسة الوراثية, وهو ما يفتح الباب لتطورات بالغة الاهمية في مجال الزراعة والانتاج الغذائي. نحن اذن لانتحدث عن تحولات سياسية فقط, ولا عن مجرد اعادة توزيع لعناصر القوة على قمة النظام العالمي, وانما عن تغيرات في الاساس المادي والتكنولوجي لحياة النسان والعالم, حتى ان بعض الباحثين يتحدثون الان عن مرحلة جديدة من تطور الحضارة الانسانية ونحن مطالبون بالتفاعل مع هذه التطورات بفهمها وتفسيرها ثم تحليل اثارها على بلادنا. ولايكفي ابدا, في هذا المقام, البكاء على الاطلال أو مجرد ابراز سوءات تلك التحولات الدولية وعواقبها السلبية علينا. وانما الاهم هو توضيح كيف نتعامل معها. فلكل تطور تاريخي كبير جانبان: فهو يوفر مجموعة من الفرص والاحتمالات, كما يطرح مجموعة من الاخطار والتحديات ومسؤولية المفكر على المستوى النظري, والسياس على المستوى العملي, هي كيف يقلل من الاخطار ويعظم من الفرص.